القائمة الرئيسية


تقارير: راتب المرأة إلى أين؟

7 سبتمبر, 2017

  • شارك
أسيل بنت علي اليحيى

من الظواهر المؤسفة في مجتمعنا إزدياد الخلافات الأسرية والزوجية والتي منها عضل الفتيات، والعنوسة، والطلاق، وحينما نبحث عن أسبابها نجد أن راتب المرأة محور المشكلة في أغلب الأحوال، فما أن تحصل المرأة على الوظيفة حتى تبدأ قائمة الإلتزمات والمطالب من قريب أو بعيد، منها ما هو واجباً عُرفا ومنها ماهو ضغوط اجتماعية تفرض عليها  كراتب الخادمة والسائق واحتياجات المنزل وأمور غير مُكلَّفة بها، وإنما هي من واجبات الرجل.
وفي عصر تصاعدت فيه الأزمة المالية والاقتصادية، وتراكمت الأعباء الأسرية، وتزايدت  التكاليف والنفقات، أصبح الشاب الذي ينوي الزواج  يبحث عن موظفة تساعده في بناء الحياة الزوجية، لكن ما هي حقوق المرأة المالية، وإلى أي مدى يمكن للزوج التصرف براتب زوجته، وما معنى حديث ( أنت ومالك لأبيك) …؟

أنت ومالك لأبيك:
عضل الفتيات من المشكلات التي تؤرق الكثير، فكم من ظالم لابنته بداعي الحاجة الى راتبها، فيحرمها حقها في الزواج وإنجاب الذرية، باستدلال (أنت ومالك لأبيك)، وقد قال الشيخ الهنداوي: عند إجابته لاستشارة في ذات الشأن قال :
(وأما ما أشرتِ إليه من عبارة (أنتَ ومالك لأبيك) هو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود في السنن، وليس معناه أن الولد أو البنت جميع مالهما ملكٌ للأب، ولكن المعنى أن الولد – بنتاً كانت أم      ابنا – إذا كان لديه مال واحتاج أبوه إلى هذا المال لينفق على أموره الضرورية فحينئذٍ يتوجه عليه أن يعينه، وليس المعنى أن مال الولد ملك الأب فيفعل فيه ما يشاء وقت ما يشاء، فهذا المعنى غير مراد وليس هو مورد الحديث)
إذن فهي واجبة عند الحاجة، بل هي من البر الذي أمرنا الله: ( ووصينا الإنسانَ بوالديه إحساناً) وتكررت هذه الوصية في القرآن، فاتباعها أولى، فالمال تُمحق بركته إذا بخلنا به على أقرب رحم.
ويمكن للأب أن يتفق مع ابنته برضاها عند زواجها أن تستقطع له كل شهر من راتبها وفاءاً لأبيها وأهلها وحبذا أن يكون ذلك بعلم  الزوج حتى لا يتحامل على أهلها، وإن كان لها حرية التصرف فيه، لكن تذكر هذا من باب درء المشكلات مع الزوج واطمئنانا للأب.
راتب المتزوجة:
عند الحديث عن راتب الزوجة سنجد الكثير من النساء يتنازلن لأزواجهن من باب العرف والتآزر والتعاون، لأنه محتاج لها ولا يقصد استغلالها، فالحياة الزوجية شراكة بين الرجل والمرأة ولا حرج من ذلك، بل إن هذا من المحبة والمودة والرحمة، وتقدير الحال، وعلى الزوج أن يعترف بوفائها، وكرمها؛ فيكون كريماً معها مثلما بذلت معه.
ولقد وجدنا أن أفضل وسيلة لذلك هو التوثيق والكتابة ولعل آية الدين دليل على أهمية الكتابة حتى وإن كانت العلاقة بينهما حميمة، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) إلى قوله عز وجل: (وَلا تَسئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صغِيراً أَوْ كبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسط عِندَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشهَدَةِ وَ أَدْنى أَلا تَرْتَابوا).

الوفاء للزوجة:
الأزمة المالية من الأمور التي تجعل الزوج يلجأ لزوجته، وبعضهم الظروف المعيشية تجبره على الأخذ والاستعانة من مال الزوجة، والملاحظ أن الزوجات لا يبالين بما بذلن من راتبهن مادام الزوج كريماً ووفياً معها، وليس من حسن العشرة أن يأخذ المال ليتزوج عليها فيتسبب في حزنها وقهرها بعدم أمانته في مالها، ولقد شهدنا على مثل هذه الحالات للأسف، وديننا يدعو للوفاء والإخلاص، وعدم استغلال طيبة المرأة، وهاهو الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتزوج على خديجة رضي الله عنه عندما واسته بمالها وكان إذا ذكر خديجة أثنى عليها؛ فأحسن الثناء فغارت عائشة يوماً منها، فقال: ( ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس, ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء)
فيجب أن لا يستهين أحد بشكوى النساء فلقد سمع الله شكوى المرأة من فوق سبع سموات حتى تقول عائشة:
(تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكى زوجها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي تقول يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي، ظاهر منى اللهم إني أشكو إليك) قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } وزوجها هو أوس بن الصامت.
فلقد اشتكت إلى الله، ولم تشتك لغيره واحتكمت إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وياله من عدل! حتى نزلت سورة كاملة باسم مجادلتها، فليس من الأمر الهين ظلم المرأة الذي يتجرأ به البعض ممن لا يملك قلب، وبعد زمن من هذه الحادثة لقيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات.
لاتضع بيضك في سلّة واحدة:
و ثمة نساء يعرفن كيف يضعن الأمور في نصابها المُحكم فهي إضافة إلى إستثمارها لمالها وتنميته نراها أيضا تحاول سد الاحتياجات اللازمة التي لا يقدر عليها الزوج من باب الفضل والتضحية والمساهمة، وفي الصدقات وسد احتياجات الفقراء والمرضى، فتجعل من راتبها مشعل خير وكرم وإيثار لمن حولها، وقديماً قيل (لا تضع بيضك في سلة واحدة)، فمن المناسب والجميل أن تُحسن الزوجة إدارة مالها واستثمارها واستشارة أصحاب الخبرة.
فتوى مجمع الفقه الإسلامي:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته السادسة عشرة بدبي (دولة الإمارات العربية المتحدة) 30 صفر – 5 ربيع الأول 1426هـ، الموافق 914 نيسان ( إبريل ) 2005م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع اختلافات الزوج والزوجة الموظفة، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولاً: انفصال الذمة المالية بين الزوجين:
للزوجة الأهلية الكاملة والذمة المالية المستقلة التامة، ولها الحق المطلق في إطار أحكام الشرع بما تكسبه من عملها، ولها ثرواتها الخاصة، ولها حق التملك وحق التصرف بما تملك ولا سلطان للزوج على مالها، ولا تحتاج لإذن الزوج في التملك والتصرف بمالها.
ثانياً: النفقة الزوجية:
تستحق الزوجة النفقة الكاملة المقررة بالمعروف، وبحسب سعة الزوج وبما يتناسب مع الأعراف الصحيحة والتقاليد الاجتماعية المقبولة شرعاً، ولا تسقط هذه النفقة إلا بالنشوز.
ثالثاً: عمل الزوجة خارج البيت:
1. من المسؤوليات الأساسية للزوجة رعاية الأسرة وتربية النشء والعناية بجيل المستقبل، ويحق لها عند الحاجة أن تمارس خارج البيت الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها واختصاصها بمقتضى الأعراف المقبولة شرعاً مع طبيعتها واختصاصها، بشرط الالتزام بالأحكام الدينية، والآداب الشرعية، ومراعاة مسؤوليتها الأساسية.
2. إن خروج الزوجة للعمل لا يسقط نفقتها الواجبة على الزوج المقررة شرعاً، وفق الضوابط الشرعية، ما لم يتحقق في ذلك الخروج معنى النشوز المُسقط للنفقة.
رابعاً: مشاركة الزوجة في نفقات الأسرة:
1. لا يجب على الزوجة شرعاً المشاركة في النفقات الواجبة على الزوج ابتداء، ولا يجوز إلزامها بذلك.
2. تطوع الزوجة بالمشاركة في نفقات الأسرة أمر مندوب إليه شرعاً لما يترتب عليه من تحقيق معنى التعاون والتآزر والتآلف بين الزوجين.
3. يجوز أن يتم تفاهم الزوجين واتفاقهما الرضائي على مصير الراتب أو الأجر الذي تكسبه الزوجة.
4. إذا ترتب على خروج الزوجة للعمل نفقات إضافية تخصها فإنها تتحمل تلك النفقات.
خامساً: اشتراط العمل:
1. يجوز للزوجة أن تشترط في عقد الزواج أن تعمل خارج البيت فإن رضى الزوج بذلك ألزم به، ويكون الاشتراط عند العقد صراحة.
2. يجوز للزوج أن يطلب من الزوجة ترك العمل بعد إذنه به إذا كان الترك في مصلحة الأسرة والأولاد.
3. لا يجوز شرعاً ربط الإذن (أو الاشتراط) للزوجة بالعمل خارج البيت مقابل الاشتراك في النفقات الواجبة على الزوج ابتداء أو إعطائه جزءاً من راتبها وكسبها.
4. ليس للزوج أن يُجبر الزوجة على العمل خارج البيت.
سادساً: اشتراك الزوجة في التملّك:
إذا أسهمت الزوجة فعلياً من مالها أو كسب عملها في تملك مسكن أو عقار أو مشروع تجاري فإن لها الحق في الاشتراك في ملكية ذلك المسكن أو المشروع بنسبة المال الذي أسهمت به.
سابعاً: إساءة استعمال الحق في مجال العمل:
1. للزواج حقوق وواجبات متبادلة بين الزوجين، وهي محددة شرعاً وينبغي أن تقوم العلاقة بين الزوجين على العدل والتكافل والتناصر والتراحم، والخروج عليها تعدٍ محرم شرعاً.
2. لا يجوز للزوج أن يسيء استعمال الحق بمنع الزوجة من العمل أو مطالبتها بتركه إذا كان بقصد الإضرار، إلا إذا ترتب على ذلك مفسدة وضرر يربو على المصلحة المرتجاة منه.
3. ينطبق هذا على الزوجة إذا قصدت من البقاء في عملها الإضرار بالزوج أو الأسرة أو ترتب على عملها ضرر يربو على المصلحة المرتجاة منه.
التوصيات:
·  يوصي المجمع بإجراء دراسات اجتماعية واقتصادية وطبية، لآثار عمل الزوجة خارج البيت على الأسرة وعلى الزوجة نفسها لما لهذه الدراسات من أثر في تجلية حقائق الموضوع، وتكون عيّنات الدراسة من مجتمعات مختلفة.
· يؤكد المجمع على وجوب غرس مفهوم التكامل بين الزوجين، وحرص الإسلام على أن تكون العلاقة بينهما قائمة على المودة والرحمة.
·  عقد ندوة متخصصة تتناول شؤون المرأة المسلمة بعامة، ودورها في تنمية المجتمع الإسلامي بخاصة، بما يواكب مسيرة التطور الحضاري، وفق المعايير الشرعية، ليصار إلى اعتماد قرارات المجمع وتوصياته، لدى جميع الحكومات والهيئات الإسلامية أمام المؤتمرات الدولية بشأن المرأة والسكان.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر