7 سبتمبر, 2017
أبدأ كلامي في هذا التقرير مؤكدًا حقيقة مهمة جدًّا، هي أن الإسلام دين المودة والرحمة لا دين القسوة والعنف، فقد حثنا الإسلام في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة على الرحمة واللين والعطف والمودة، وأرشدنا إلى نبذ العنف والكراهية من نفوسنا، فمن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم : 21].
ومن أمثلته في السُّنَّة المطهرة ما أخرجه الترمذي بسنده عن سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (عَوَانٌ عِنْدَكُمْ) يَعْنِي: أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ.
فالمرأة أسيرة عند زوجها كما أخبر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فيجب عليه أن يعاملها معاملة طيبة فيها المودة والرحمة اللتان أمر بهما الله تعالى، ولكن – للأسف الشديد – نجد في أحايين – ليست قليلة – صورًا متعددة ومختلفة من العنف ضد المرأة، فالعنف امتهان لكرامة المرأة، وخروج عن تعاليم الشرائع السماوية، فجميع الشرائع نادت بالحفاظ على المرأة وصيانة كرامتها وعدم الاعتداء عليها، وأيضًا العنف خروج عن العهود والمواثيق والأعراف الدولية التي نادت كلها بالمساواة وعدم التمييز بين الرجل والمرأة، فيا ترى ما هي أهم أشكال العنف ضد المرأة؟ وما هي أهم أسبابه؟ وما هي أهم طرق علاجه؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه – باختصار – من خلال الأسطر التالية.
أهم أشكال العنف ضد المرأة:
العنف ضد المرأة يأتي بصور كثيرة ومتعددة، لعل أهمها ما يلي:
1 – العنف داخل الأسرة: ويتمثل في الضرب والسب من الزوج ضد زوجته، أو من الأخ ضد أخته، وهذا موجود – بكل أسف – داخل بعض الأسر المسلمة.
2- العنف داخل المجتمع: ويتمثل في الاعتداء الجنسي ضد المرأة، وظاهرة التحرش التي زادت كثيرًا في الفترة الأخيرة.
3 – التمييز بين الذكر والأنثى: وهذا – في رأيي – من أهم أشكال العنف المنتشر بشدة في عالمنا العربي ضد المرأة، فنجد الكثير من مجتمعاتنا العربية – إلى يومنا هذا – يفضلون الذكر على الأنثى، مع أن ديننا الحنيف لم يفرّق بينهما في الحقوق والواجبات، فالكل في ميزان الإسلام سواء, بخلاف ما فرق الشرع بينهم من التكاليف كفرض القوامة والولاية فهي تختص بالرجل .
4 – العنف المجتمعي: ويتمثل هذا الشكل من أشكال العنف في عدم وجود قوانين داخل المجتمع تصون كرامة المرأة وتحفظ لها حقوقها، ويدعون أن هذا العنف شأن داخلي يخص الأسرة وحدها، ولا يجب أن يتدخل الآخرون فيه، وهذا فهم خاطئ، فالمرأة مصونة بصيانة الشريعة الإسلامية لها، و تطبيق الشريعة يحفظ لها حقوقها، ويصونها من ظاهرة العنف الذي يقع عليها بجميع أشكاله وألوانه.
أهم أسباب العنف ضد المرأة:
أسباب العنف ضد المرأة كثيرة ومتعددة، فمنها الثقافي ومنها الاجتماعي ومنها الاقتصادي، وسأحاول عرض أهمها فيما يلي:
1 – العادات والتقاليد: هذا أهم سبب من الأسباب التي تؤدي إلى العنف ضد المرأة، فكثير من المجتمعات ما زالت تعتقد – إلى يومنا هذا – أن المرأة مجرد وسيلة للتمتع، وليست لها أية حقوق، فهي في نظرهم أقل وأدنى من الرجل، لا تساويه ولا تدانيه في أي حق من الحقوق.
2 – الحالة الاقتصادية: فالفقر والحاجة قد يجبران المرأة على أن تقبل العنف وترضى به، ولا تدافع عن نفسها، فهي في سبيل الحياة والعيش تتجاوز عن كرامتها، وتقبل أن يمارس ضدها العنف بصوره وأشكاله المختلفة.
3 – مشكلة البطالة: هذه المشكلة قد تبدو لا علاقة لها بالعنف، ولكنها – في رأيي – من أهم أسبابه، حيث يتجه الفرد العاطل إلى أي شيء يفرغ فيه طاقاته، ومن هنا يتجه إلى العنف، ويكون للنساء نصيب كبير من هذا العنف المتولد من العاطلين، فينتشر التحرش الجنسي والاعتداء على المرأة وغيره من صور العنف.
4 – سوء التربية: وهذه هي بيت القصيد، فالشخص – أعني الرجل – الذي تربى تربية دينية صحيحة لا يمكن أن يصدر منه أي نوع من أنواع العنف ضد المرأة، فهو يعرف حقوقه، وكذا يعرف حقوق المرأة التي جعلها لها الدين الإسلامي، فلا يتعداها ولا يتجنى على المرأة. أما الآخر فهو يتفنن في إيذاء المرأة وممارسة أشكال العنف ضدها، ويتلذذ بذلك، فلا وازع ديني يمنعه، ولا تربية ترده عن مثل هذه الأفعال القميئة.
أهم طرق علاج العنف ضد المرأة:
لكل مشكلة حل، وللقضاء على ظاهرة العنف ضد المرأة لا بد من أن توجد حلول، وفي رأيي أهم هذه الحلول ما يلي:
1 – سن القوانين واللوائح: فمعظم ألوان وأشكال العنف ضد المرأة تحدث؛ لأنه لا توجد قوانين واضحة تجرّم العنف، فلو يعلم المتحرش أن سيعزّر أو يُجلد أمام الجميع ما تحرش، ولو علم الرجل الذي يضرب المرأة – بدون وجه حق – أنه سيلقى العقوبة المناسبة ما فعل ذلك، فلا بد من أن تكون هناك قوانين ولوائح واضحة وصريحة تجرّم وتدين العنف ضد المرأة؛ حتى يقل شيئًا فشيئًا إلى أن ينعدم, وهي تفعيل وتطبيق للأحكام الشرعية.
2 – المناهج التعليمية والتربية: لا بد أن تكون هناك توعية كبيرة بخطورة العنف تُدَرَّسُ داخل مناهج التربية والتعليم في جميع البلدان العربية، فالطفل إذا نشأ – منذ نعومة أظفاره – يعرف ما هي حقوق المرأة التي منحها لها الإسلام، ويعرف واجباته نحو المرأة؛ أُمًّا وأختًا وبنتًا وزوجة – لا يمكن أن تمتد يده إليها بأذى، ولا يمكن أن يمارس ضدها أي نوع من أنواع العنف، فقد تربى وتعلم تعليمًا يقدر المرأة ويعرف من خلاله ما له وما عليه.
وكذا التربية داخل البيت، فهي لا تقل – بل تزيد – أهمية عن التعليم في المدارس والجامعات، فالطفل إذا تربى تربية صحيحة علم ما واجبه نحو المرأة، فلا يتحرش بها ولا يضربها ولا يسبّها؛ لأنه يتعلم أن دينه الحنيف يحرّم هذا، ولا يرتضيه.
3 – التوعية الإعلامية: فبدلا من أن تقوم أجهزة الإعلام – إلا من رحم ربي – بنشر الرذيلة عليها أن تقوم بدورها الأساس في التوعية، وتنشر أسباب العنف وأشكاله وطرق الوقاية والعلاج منه، فهذه الوسيلة –في رأيي– من أهم الوسائل التي تمثل علاجًا ناجعًا لمشكلة العنف، فالإعلام منتشر وموجود داخل كل بيت من بيوتنا، فلو قام بدوره على الوجه الذي ينبغي ستقل هذه الظاهرة بصورة كبيرة جدًّا.
4 – مطالبة المرأة بحقوقها: فسلبية المرأة في كثير من الأحيان هي التي تعرّضها للعنف، فهي ترضى به وتسكت، ولا تحاول أن تأخذ حقها من المعتدي عليها؛ إما خوف الفضيحة أو لأنها لا تؤمن بأن أحدًا سيرد ّلها حقّها واعتبارها، فلو تغيرت هذه النظرة عندها وطالبت بحقها فستقل – حتمًا – ظاهرة العنف ضدها بشكل كبير.
5 – تعليم المرأة حقوقها: لا بد أن يكون هناك مراكز متخصصة تعلم النساء حقوقهن، وكيف يطالبن بها، وكيف يتصرفن إذا تعرضت إحداهن للضرب أو لأي نوع من أنواع العنف الأخرى، وهذا دور الدول والحكومات، فعلى كل حكومة أن تنشئ مراكز تثقيفية متخصصة في توعية النساء وتعريفهن بحقوقهن.
6 – دور المسجد: لا بد أن يكون للمسجد (وهو من أهم وسائل التوعية) دور كبير في توعية النساء وتعريفهن بحقوقهن، وأن يخصص الخطباء خطبا كاملة للحديث عن العنف ضد النساء، عن أسبابه وطرق علاجه، وصوره وأشكاله، فللمسجد دور عظيم في التوعية والتثقيف ينبيغي أن يقوم به على أكمل وجه، وبفضل الله ففي جميع المساجد – تقريبا – في الدول الإسلامية أماكن معدة ومخصصة للنساء، وهذا ينبغي أن يشجع الأئمة والخطباء على الاهتمام بالموضوعات التي تهتم بشأن المرأة، لا سيما العنف ضد المرأة.