القائمة الرئيسية


تقارير: هل أعطت ربة المنزل الخادمة حقوقها؟!

7 سبتمبر, 2017

  • شارك

الخادمة هي امرأة مسكينة دفعتها ظروف الحياة الصعبة إلى مفارقة أهلها وزوجها وأبنائها وبلدها، والانتقال إلى بلد أخرى بعيد، ومجتمع آخر مختلف في اللغة والثقافة والديانة أيضا، وأن تضع نفسها على الحد الفاصل بين الحرية والرق، مضحية بنفسها ومتنازلة عن كثير جدا من حقوقها، من أجل أن تحقق لمن تعول حياة أفضل أو توفر لهم لقمة عيش أو تعينهم على نوائب الزمان، فهي امرأة استجارت من الرمضاء بالنار، ووجب على كل صاحب دين، وكل من لديه مروءة أن يحسن معاملتها وأن يرحم ضعفها، وأن يحفظ عزتها وكرامتها الإنسانية بغض النظر عن دينها ولونها وجنسها.
أعباء كثيرة:
لكن واقع الخادمة في المنازل ليس دائما على هذه الشاكلة التي يجب أن تكون، فإن عددا ليس بالقليل من ربات البيوت يتعاملن مع الخادمات على أنهن إماء، بل إنهن يتعاملن على أساس أن هذه الخادمة ليس لديها إحساس وأنها قطعة أثاث رخيصة الثمن تحركها ربة البيت كيفما شاءت، فتجد بعضهن يطلبن من الخادمة أن تستيقظ صباحا لتجهيز الفطور للأطفال وتجهيزهن للذهاب للمدارس، ثم تنظيف المنزل ثم صنع طعام الغداء, ثم الإعداد لاستقبال الضيوف في المساء، فلا تنام إلا بعدهم مع أنها تستيقظ قبلهم، وكأن الخادمة لابد أن تعمل طوال اليوم، وليس لها أن ترتاح وتعطي جسدها حقه في الراحة من التعب والإجهاد، فحقها في الراحة مكفول في الشريعة، وقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه لا يوقظ أحدا من خدمه إذا قام من الليل ليعينه علي وضوئه ولما عوتب وقيل له لو أيقظت بعض الخدم ؟ فيقول: لا، الليل لهم يستريحون فيه، وعن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال -في حق الخدم-:(ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم).
بل إن بعض ربات البيوت يزدن في الظلم حينما يرسلن الخادمات إلى منازل أمهاتهن أو أخواتهن أو بناتهن، ليقمن على خدمتهن وتنفيذ طلباتهن، وهذا علاوة على ما فيه من انعدام للأخلاق والقيم الإنسانية، التي يدعونا ديننا الكريم للالتزام بها دوما، فإن فيه مخالفة شرعية، حيث أن العقد الذي وقع بين الجانبين، يقضي بأن تقوم الخادمة بخدمة ربة هذا المنزل فقط، ولا يجوز إجبارها على غير ذلك، إلا إذا كان برضاها أو بمقابل على ذلك.
لقد أصبحت الخادمة أمر مهم لدى كثير من البيوت، فهي تمثل بالنسبة للبعض أحد أشكال الرفاهية، ولا يمكن الاستغناء عنها لأن النساء بالمنزل لن يقمن بما تقوم به تلك الخادمة، وهي تمثل بالنسبة للبعض الآخر ضرورة حياتية لأسباب كثيرة ليس المجال لذكرها، ولكنها ليست على سبيل الرفاهية، إلا أن هذا لم يكن يقتضي أن تتحول الخادمة إلى مربية أطفال ومسئولة عن تلبية مطالب الزوج وخدمته، فهي مهمتها غير ذلك تماما، لكن لسوء فهم دور الخادمة وعدم مراعاة الشرع في التعامل معهن، فقد حملت مهاما غير مهامها، وهو ما يؤدي إلى أن يرث الأطفال عنهن وتعلم منهن عادات وتقاليد وسلوكا غير الذي يريده الوالدين وبدلا من مراجعة نفسيهما وإصلاح أساس الخطأ، يلقون باللوم على الخادمة، ثم يبدؤون في معاقبتها، فمن حق الخادمة ألا تكلف بغير ما جلبت له.
عقاب بدني ونفسي:
وتتعرض الخادمات في بعض البيوت للضرب والعقاب البدني والنفسي، وهو ما يتنافى مع العقد الموقع بين الخادمة وربة المنزل أو رب الأسرة، فالعقد ينص على الخدمة مقابل المال، لكن العقاب بهذه الصورة يخالف العقد كما أنه يخالف الشرع أيضا، فقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ” وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لشيء صَنَعْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا أَوْ لشيء تَرَكْتُهُ هَلاَّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا”، بل لقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :”جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم ؟ فقال : كل يوم سبعين مرة، وليس معنى هذا عدم مساءلتها على تقصيرها ولكن يكون ذلك بأسلوب يحترم آدميتها ويحفظ لها كرامتها، ولا يقلل من قيمتها وإنسانيتها.
بعض ربات البيوت يتعمدن إهانة الخادمة وسبابها أو السخرية منها والاستهزاء بها، وهو ما ينتقل إلى الأبناء الذين يتعلمون من الأم هذه السلوكيات، ويقوموا بتقليد الأم وتكرار هذه الأفعال والسخرية من الخادمات، وهذا لا شك يخالف الشرع الحنيف الذي ينهانا عن السخرية وعن إهانة الآخرين، فعلى ربة المنزل أن تحسن معاملة الخادمة وأن تحترمها وأن تحض أبناءها على احترامها.
استقلالية الخادمة:
من حق الخادمة أن يكون لها استقلاليتها في معيشتها، بحيث يكون لها غرفة مستقلة، وأن تكون الغرفة بها الاحتياجات المطلوبة للخادمة، بحيث تشعر أنها إنسان، وتستريح فيه دون حرج في ذات الوقت سيأخذ أهل البيت راحتهم في الحركة في المنزل بلا حرج أيضا، وكذلك أن يتم العناية بمأكلها وملبسها، فعن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم)، إلا أن هذا لا يتم في كثير من الأحيان، فتجد الخادمة ليس لها من مكان مخصص للنوم والراحة، فبعضهن يكون المطبخ هو مكان نومها وراحتها، ويكون طعامها هو فضلات طعام الأسرة، بل تقوم بعض ربات المنازل بالتجسس على الخادمات وفتح رسائلهن الخاصة وغير ذلك مما يحرم شرعا، علاوة على أنه يوغر صدر الخادمات ويدفعهن للانتقام، ربما من خلال أفعال مماثلة وإفشاء أسرار المنزل.
ظن السوء:
تسئ بعض ربات البيوت الظن بالخادمات، ففي حال حدوث أي أمر بالمنزل كاختفاء بعض الأشياء أو فقدان البعض، تتسارع ربات البيوت باتهام الخادمة دون دليل أو بينة، وقد تكون بريئة من ذلك، وهذا يخالف الأصل أنه لا اتهام بلا بينة، وقد يكون الأطفال هم الذين أضاعوا تلك المفقودات أو أي سبب آخر أو قد تكون الخادمة نفسها، ولكن لا اتهام بلا دليل، ويجب حسن الظن بالخادمة مع الحذر منها أيضا إن لاحظت ربة المنزل عليها شيئا.
تعلم الدين:
وأخيرا من حق الخادمة إن كانت مسلمة أن تعينها ربة المنزل على تعلم فرائض الدين وأداء الصلوات والالتزام بالأحكام الشرعية، و تصحيح عقيدتها إن كانت لديها أخطاء عقدية، وتعليمها ما جهلت من أمور الدين والشريعة بحسب الاستطاعة، أما إن كانت غير مسلمة، فلتدعوها إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وحسن المعاملة، فإن الخادمة تعيش شهورا طويلة في المنزل ولو أحسنت ربة المنزل معاملتها ودعوتها بالرفق، فسوف يكون لذلك بالغ الأثر على تلك الخادمة، وقد يكون لها بالغ الأثر أيضا إن كانت المعاملة سيئة فسوف تكره ذلك الدين الذي ستظن أنه لا يضع قواعد وأسس لكيفية معاملة الخادمات معاملة حسنة.

 

 

المصدر:
http://www.wafa.com.sa/arabic/Subjects.aspx?ID=680