مقالات: المفاهيم التنظيرية الأساسية في المنظومة النسوية

أ.سامية العنزي

إنّ مما يُلاحظ في الفكر النِّسوي عامَّة من خلال تحليله لأسباب القمع، إرجاعه للمهيمن وللمؤسس لمجتمعات النّظام الأبوي (البطرياركي)، وأنّ ما يُلاحظ في أُطر الموجات النِّسويَّة الثانيَة في الفكر المعاصر التَّركيز على مفهوم النّوع (الجندر) في معالجة وبيان أسباب القهر والقمع الذي تعاني منه النِّساء.

ومع التحولات النقدية والفلسفية وتصاعد الأيديولوجيات في القرن التاسع عشر وتطورها في القرن العشرين، تبنت التيارات النسوية كثيرا النظريات النقدية والمناهج التحليلية، واستوعبت في منظومتها الكثير من العلوم، وفي ظل التصاعد الأيديولوجي وتشعب التيارات النسوية لمعالجة القضايا؛ إلا أنها ترتكز غالبا على مفاهيم تعدّ الأساس والمنطلق.

ومن أهم المفاهيم المحللة للاضطهاد في الفكر النسوي، ما يلي:

  • البطرياكية/ النظام أو السلطة الأبوية patriarchy:

ترى جميع النسويات أن النظام الأبوي هو المحضن الديني والفكري والاجتماعي لكل التصورات في استعباد المرأة وتدني منزلتها، فكان الالتفات الأول تفكيك هذه المنظومة وبيان تسلطها الذي تشكل عبر حضارة تاريخية وتكوين اجتماعي وثقافي، ثم لبّس باسم الدين لإضفاء مزيد من القداسة والهيمنة.

تعود “مفرد (البطريركيَّة) إلى مفردتين يونانيتين، مجتمعتين، حكم الأب”(1)، وهو أيضا مصطلح كنسي يعني (قانون الأب)، وهذا لا يشير فقط إلى سيطرة الرجال على النِّساء، ولكنه يشير أيضًا إلى نظام اجتماعي شامل مبني على فكرة سيطرة البطريارك أو الأب أو الرجل الذي على رأس الأسرة، وعلى كل الأشخاص والأشياء التي تحت قاعدته أو أُسرته أو كنيسته، إلى آخره. ولقد ربطت المجتمعات البطرياركيَّة الكلاسيكيَّة تلك المجموعات سويًّا في نظام سياسي واحد، حيث يقوم البطريارك بصياغة القواعد التي تحكم تجمعات العوام، وتكون هذه القواعد كأنها قواعد ملكيَّة لا يمكن كسرها (2)، وهو المقصود بالنظام الأبوي.

فالنظام الأبوي Patriarchy System: يعد “تكوينًا اجتماعيًّا ثقافيًّا ينتج عن ظروف حضاريَّة وتاريخيَّة، ويتميز بخصائص معينة في كل مرحلة من مراحل التَّاريخ، فيما يتعلق بطرق التَّفكير والسلوك وأنماط التَّنظيم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يجعل الرجل على رأس الهرم؛ فيصبح المحور الذي تدور حوله العائلة والعمود الفقري في المجتمع”(3).

وتشير “كايت ميليت” أن القوة التي يمتلكها الحاكم على شعبة تعادل رئاسة الأب على أسرته، وأنها مدعومة من الله ومن الطبيعة (4)، فالحكم هنا متوّج بالقداسة الإلهية.

تعرّف سارة جامبل النّظام الأبوي، بأنه: “نظام يسوده الرّجل وتفرض فيه السلطة من خلال المؤسسات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والدينيَّة”(5). فالنظام البطريركي يحدد التَّراتبيَّة الهرميَّة لسلطة الرجل، ويحدد نوع العلاقة بين الجنسين في المجتمعات، على نحو من التَّفوق والإعلاء لشأن الرجل دون المرأة، فالسّيادة، وتقديم الرأي والحقوق، نصيب للرّجال دون النِّساء.

لذا، أدركت الحركة الليبرالية النسوية في مقدمة الحركات هذه الهيمنة، وسعت إلى إثبات وجود كيان أنثوي يتساوى مع غيره في الحقوق المدنيَّة وتكافؤ الفرص، والنِّسويَّة الماركسيَّة هي الأخرى، أدركت السلطة الأبويَّة في جميع الأنظمة وخاصة الاقتصاديَّة، فحاولت استعادة مكانة المرأة في الإنتاج، ومساواتها مع الرّجل في الأجور، أمّا الراديكاليَّة التي لم تنظر لحلول الحركتين السابقتين؛ لأنّها لا ترى من جدوى إثبات مساواة المرأة بالرجل وتكافؤ فرصهما، بل بإزالة هذا النظام من جذوره؛ لأن ما تتغلغل في نفوس المجتمع من ثقافة تلك الهيمنة، لا يمكن تغيير نظرتها تجاه الجنسين إلا من خلال إزالة التَّقسيمات الثانيَة للجنسين، وذوبان كل منهما في الآخر، و “يجب القضاء عليه -لا على المستوى السياسي والقانوني وحسب- ولكن على المستوى الاجتماعي والثقافي أيضًا”(6). فالحل الأجدر-كما يزعم أصحاب التوجه- للقضاء على ثقافة التَّمييز، والفروق في المجتمع؛ بإحلال النّوع كمفهوم لعلاج التَّمييز بين الجنسين، ولإزالة كافة الفروق التي أوجدتها ثقافة المجتمع، للبقاء على مصالح الجنس الذّكري.

  • الجندر/مفهوم النوع Gender:

مفهوم الجندر أو النّوع، قد تمحورت حوله الدّراسات والتَّنظيرات النِّسويَّة، وخاصّة الراديكاليَّة منها؛ في كافة المجالات، السياسيَّة، الاجتماعيَّة، الاقتصاديَّة، البيولوجيَّة، الطبيَّة، والنفسيَّة، وغيرها من المجالات.

إن معنى النّوع هو المراد من لفظ الجنْوسة، فقد “اشتق مصطلح جَنْوسَة من المفردة اللاتينيَّة التي تعني النّوع أو الأصل (genus)، ثم انحدرت في اللغة الفرنسيَّة في مفردة (gender) التي تعني بدورها النوع الاجتماعي، وقد توسع استعمال هذا المفهوم في الأدب لتقسيم وتصنيف الأجناس الأدبيَّة، كما تم تحديد النوع البشري عبره من حيث التَّذكير والتَّأنيث”(7). وهذا في حال الإشارة إلى أنّ مفهوم الجنْوسة تعني وتشير إلى مفهوم النوّع، أو الجنس، فلا تفرّق بينهما.

وقد اعتبرت مقولة سيمون دي بوفوار المشهورة “المرأة لا تولد امرأة”، المؤسس لمصطلح الجندر(النوع)، “لقد ظهر الجندر gender كمقولة جديرة بالتَّحليل والقياس عليها إبان الموجة النِّسويَّة الثانيَة التي أعلنت رفضها اللجوء إلى حجة الاختلاف البيولوجي بين الجنسين تسويغًا لمشاركة المرأة الوطنيَّة”(8)، فأصبح مفهوم سيمون بوفوار الخلفية الفلسفية الأساسية لكثير من التيارات النسوية.

والجندر كما جاء في المعجم النِّسوي، “Gender Differences: أي الفروق الجندريَّة، وهي صفات وخصائص مجتمعيَّة تتصل بالسلوك والمظهر، والملبس، والتَّعبير، والأدوار وغيرها من الصفات التي تتقرر عند الولادة وتحدد جنس الأفراد”(9). فالجنوسة كما تحدد بنيتها اللغويَّة في الفكر النِّسوي؛ ليست حتميَّة بيولوجيَّة، بل بنية ثقافيَّة اجتماعيَّة.

فالجندر هنا على النحو الذي تعبر عنه النِّسويَّة، يعني النوع الاجتماعي الذي يتكون وفق معايير اجتماعيَّة تحددها ثقافة المجتمع، وتجريد جنسي الذكورة والأنوثة من كافة الفوارق الاجتماعية التاريخية المسببة للتميز بين الجنسين.

وإنّ أوّل من صاغ مفهوم الجندر عالم النفس روبرت ستولر، “لكي يميز المعاني الاجتماعيَّة والنفسيَّة للأنثويَّة والذكورة عن الأسس البيولوجيَّة للفروق الجنسيَّة الطبيعيَّة التي خلقت مع الأفراد”(10)، وأن مفهوم الجندر اتضح في السبعينات ثم تبلور في الثمانينات، بعد أن درس من قبل العلوم الاجتماعية، لتحليل الأدوار والمسؤوليات والمعوقات لأدوار الرجل والمرأة داخل المجتمع الإنساني، وقد دخل مفهوم الجندر إلى المؤتمرات والوثائق الدولية بوثيقة مؤتمر القاهرة للسكان 1994م، ثم ظهر مرة أخرى في وثيقة بكين 1995م (11).

أمّا مفهوم الجنس Sex أو النوع البيولوجي، “الاختلافات البيولوجيَّة والفسيولوجيَّة والنفسيَّة بين الجنسين فيما يتعلق باختلاف الكروموسومات والهرمونات والأعضاء الجنسيَّة الداخليَّة والخارجيَّة”(12)، فوِفق مدلولات الجنس هناك عدة خصائص مكتسبة وطبيعيَّة تحدد صفات كل جنس وتحدد هويته، وهي المتمثلة في الفروق البيولوجيَّة.

وعليه يمكن القول، أن الجندر كمصطلح أجنبي، يقابله مفهوم (النّوع الاجتماعي) بالعربيَّة، وهذا النوع هو الذي تحدده وتنشئه ثقافة المجتمع، فتمنع فيه من التَّمييز بين الجنسين، امّا الجنس (البيولوجي) وهي الفروق الطبيعيَّة الحتميَّة في تمييز كل جنس عن الآخر، وهي التي تحاول النِّسويَّات تقويضها وإلغاءها، ودمجها تحت مفهوم الجندر. وبناءً على ذلك، سوف يستخدم الفكر النِّسوي مقولة الجندر بدلا من ذكر الجنس (المرأة أو الرجل)؛ ليتمكن من تحقيق مسألة المساواة بين الجنسين دون الالتفات لمسألة الجنس والفروق بينهما.

فالتَّوجه النِّسوي، لا يقيم التَّفرقة بين مصطلح الجنس والنوع (الجندر)، حيثُ إنَّ الجندر معطى ومكتسب اجتماعي وثقافي متغير، في حين تنظر إلى الجنس كمعطى بيولوجي ثابت، لا يخدم مصالح الفكر، من إلغاء الفروق بين الجنسين التي كانت سببًا لصياغة الخطاب الأبوي والتَّشريعي، وتحديد مهام وأدوار كل جنس مع مراعاة الفروق الجوهريَّة بينهما.

وكانت عالمة الاجتماع البريطانيَّة آن أوكلي Ann Oakley أوّل من قالت بأنّ النّوع لا يتوقف على الجوانب البيولوجيَّة؛ فالجنس ينبع من الخصائص التَّشريحيَّة، أمّا النّوع فمكتسب من خلال عمليَّة التَّأثر والتَّأثير الثقافي”(13). نلاحظ أن آن أوكلي تحاول التَّمييز بين مصطلح الجنس، والجندر، فالجنس كما تعرفه آن أوكلي: “الخصائص الفسيولوجيَّة والبيولوجيَّة التي تميز الذكور male عن الإناث female”. وعرفت الجندر: “عبارة عن الذكورة masculinity والأنوثة femininity المبين اجتماعيًّا والمشكلين ثقافيًّا ونفسيًّا”، فتتشكل مفاهيم كل جنس من خلال التَّنشئة، والتَّربيَّة الاجتماعيَّة. إذًا آن أوكلي والوسط الأمريكي، عندما أعلن الفارق بين المصطلحين، يهدف منه لإثبات أن الصفات البيولوجيَّة ليست السبب في إيجاد نوعيَّة العلاقة بين الجنسين، إنما هي معطيات يحددها المجتمع وثقافته.

 يتضح من خلال التَّفريق بين المصطلحين، أنّ الجنس مسألة بيولوجيَّة، وهي خصائص وتكوين داخلي يحمله الذّكر في جنسه، وتحمله الأنثى في جنسها، فهي خصائص طبيعيَّة مخلوقة في الجنسين -بإرادة الله- أمّا النّوع ويسمى بالجَنوسة كالذكورة- الأنوثة، الصّفات الظاهرة على الجنسين، فهي تصور اجتماعي متأثر بثقافة المجتمع وتصوُّره، مما أنتج هذا التَّصوّر في المجتمع من خلال العادات والتَّقاليد الموروثة، إلى تفوق سلطة ومركزيَّة سيادة الذّكر، ودونيَّة الجنس الأنثوي وخنوعه.

 فتفوق الجنس الذكري هي ثقافة بائسة هيمنت على مستوى جميع المجتمعات، وعليه، “فالنِّسويَّة الراديكاليَّة تؤمن بأنّ السّلطة الذكوريَّة هي أصل البناء الاجتماعي لفكرة النوع -كون الإنسان رجلا أو امرأة”(14). وترى إحدى المناضلات النِّسويَّات، أنّ “مفهوم النّوع بالمعنى البيولوجي والثقافي قيدًا، خصوصًا على المرأة”(15)؛ لذا بدأ النّضال النِّسوي ضد القضاء على أسباب التَّمييز، وكان “من فكرة أنّ الرجال دائمًا ما يضطهدون النِّساء، وبأنّ هناك شيئًا ما في التَّكوين البيولوجي أو النفسي للرجال يجعلهم يعاملون النِّساء ككائنات أدنى منهم”(16)، وتُرجع النِّسويَّات أسباب القمع والقهر للثقافة السائدة في التَّمييز بين الجنسين.

وهذا التحليل إلى جعل الاكتفاء الذاتي للمرأة، أبعدها عن فهم حقيقتها الوجودية والبيولوجية والسيكولوجية، وما يترتب عليه من النظر لمقدرتها وتحملها، والدور المناسب للقيام به، وكذلك ما يترتب على هذا التكوين من التكاليف والحقوق والواجبات التي أمر بها الشارع، والتي تختلف في بعضها عن التكاليف المناطة بالرجل.

فالأحرى بدل تلك التجزئة وفصل المرأة واكتفاء كل بذاته، النظر لتكاملها في الأدوار، وأنهما زوج وجودي لا يقبل الانفصال والتجزئة، وهذه حكمة الخالق من خلق الزوجين الذكر والأنثى، بدل جعل الساحة بينهما صراع وقهر واستبداد.

  • الضحية Victim- القهر Opperssion- القمع Repression:

مفهوم الضحية قائم على تعميق الشعور بكراهية الرجل؛ لأنه على حد قولهم ضحية لوجود الرجل، ومن ثم تتخذ الحركات النسوية في توجهها آلية الانتقاد للرجل (17)، فهي محاولة للإطاحة بآليات القمع والقهر، تقول بل هوكس عن النسوية بأنها “نضال للقضاء على القمع النابع ضد المرأة. وأن تجربة القمع تمتد عبر الحدود العرقية والطبقية والثقافية، ومن هنا فإن النسوية نضالا للقضاء على القمع هي قضية مفتوحة أمام كل النساء” (18).

لقد دخلت كثير من مفاهيم الاستبداد والاستعباد من خلال المذهب الماركسي، حيث ولد مفاهيم استخدمت ووظفت في تحليل اضطهاد المرأة، ومنها القهر والقمع والاستغلال، إذ تعني هذه المفاهيم في النسوية الماركسية القمع الطبقي، وفي النسوية الراديكالية إلى العلاقة الظالمة وغير المتكافئة بين الجنسين، واستخدمها في تحليله لمفاهيم أخرى كالبطرياركية والجنسية والعنف الذكوري الموجه ضد النساء (19)، فالقمع والقهر وفق التحليل النسوي هو أول وأساس كل قمع.

حيث يصنف الفكر النسوي المرأة ضمن ضحايا القمع التي تتعرض لها الشعوب والمجتمعات عبر التاريخ، فيسعى عبر تكريس مفهوم الضحية والقمع قاعدة أساس ينطلق منها في تحليل عوامل وأسباب القمع والاضطهاد، معمقة من خلاله كراهية الرجل للمرأة، وأنها ضحية لهيمنته واستبداده، فهي تعيش ” في ثقافة هيمنة ذكورية حيث لا تعترف بالمرأة وتكون تابعة وسلبية ومربية”(20)، فالرجال سببا وعلة لمظلومية النساء والعدو الأساسي لهن (21).

فمفهوم القمع والضحية انسل من خلال الممارسة التي يستعملها النظام الأبوي ومجاله المستخدم وطرقه، وإلى ذلك يشير ريك ولفورد من خلال مفهوم النظام الأبوي: “هيمنة الرجال على النساء واضطهادهن وقمعهن بوسائل عنيفة وغير عنيفة سواء أكان في المجال الخاص (المنزل) أو المجال العام فيجعل المرأة ضعيفة وضحية للرجل ويسلبها نفوذها بدل من تعزيزه” (22).

وهذه الممارسة تتضح من خلال العنف الممارس ضد المرأة؛ حيث تعرفه الأمم المتحدة بأنه: “أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة” (23).

فالحرية هي المفهوم البديل والمعالج، فالقهر ضد العدالة والحريات، إذ يعني “خديعة اللاعدالة المقيدة لحرية الأفراد أو الجماعات، لذلك يتلازم التحرير مع القمع لأن التحرير يعني التخلص من قيود الظلم”(24)، فهو نتاج الرجل من وضع قيود على حرية المرأة، ولذلك تشير ماري مكنامارا إلى “خلق مجتمع تكون المرأة فيه قادرة على العيش حياة حرة الإرادة تماما” (25).

هذا التصور وتمثيل دور الضحية أدى بالفكر النسوي إلى التنظير حول إنسانية المرأة، وحقها في الحرية المطلقة، وتملك الجسد والتصرف به، واختيار نوع العلاقة، ورفض الولاية والقوامة، وأي ثقافة تكرس الوصاية والهيمنة (26).

على أي حال، يسعى التحليل والنقد النسوي إلى إعادة إنتاج المنظومة الأبوية كمؤامرة ذكورية تشكلت عبر تاريخ المجتمعات والثقافة السائدة للسيطرة على المرأة؛ حيث تقول باربرا سميث عن الحركة النسوية، بأنها “النظرية والممارسة السياسية لتحرير جميع النساء من الفقيرات والملونات والكادحات..” (27)، وهذا الإنتاج لا يتم إلا من خلال تقويض تلك المنظومة وإثبات الحريات والهويات.

لذا، تؤكد من خلال أطروحاتها على إثبات إنسانية المرأة، وإثبات الهوية الذاتية لها، والتأكيد “على كينونة وذات المرأة هذا ما دعت إليه فرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار وتأكيد لوسي ايجاري على الهوية الذاتية للمرأة والرجوع إلى حل الهوية” (28).

فاختلفت التنظيرات فيما بعد حول الهوية الذاتية، بين المطالبة بالمساواة المطلقة، وبين التأكيد على اختلاف الجنسين، إلى جانب المطالبة بحقوقها، وأخرى تتجاوز المساواة إلى التعددية، وحق اختيار نوع الجنس، والشذوذ، والمثلية (29).

فالهدف المراد هو، إعادة صياغة مفهوم المرأة الضحية إلى المرأة الإنسانية الفاعلة والمنتجة، ونبذ كل وسائل العنف ضد المرأة، المتمثل بالقمع والاضطهاد باعتبارها ضحية استبداد ذكوري متسلط ومتعالي.

  • اللغة

ويتمثل ذلك من خلال إعادة صياغة اللغة المسمى في الغرب Reconstruction of Language، حيث نجد لهذه الدعوة مبرراتها في اللغات العامة والغربية والإنجليزية، خصوصا إذ تعكس صياغتها النظرة والثقافة الغربية التي لم تنظر إلى المرأة نظرة مساواة، وأنها إنسان سوي مثل الرجل (30).

ويتضح ذلك جليا من خلال اللغة الإنجليزية، إذ ليس للمرأة من وجود إلا داخل مصطلح الفحولة:

Man: (Wo-man)، (hu-man)، (man-Kind)، حيث تكون المرأة مجرد إضافة لفظية إلى الرجل، فالرجل في مركزية التكوين اللغوي، ويدور حوله سائر المصطلحات، فهو القطب والمركز مثلما أنه ضمير اللغة وسر تركيبها الموفولوجي (الفيزيائي والصرفي) (31).

تقول كاسي ميلر وكيتسويفت: “أن الكلمات التي نستخدمها يوميا يعكس فهمنا الثقافي” (32). أي أن الأجيال القادمة تتلقى تلك المفاهيم، فتتكون لديها ثقافة سائدة مستمرة، إذ تنشئ اللغة “فرضيات عن الجنوسة مع معارف ثقافية أخرى. لذا، فقد كانت التحليلات النقدية لاستخدام اللغة محورية للتحليل النسوي”(33).  ويكون ذلك من خلال الإصلاح وإعادة بناء اللغة وإعادة كتابة القواميس، وعن طريق إصلاح وإعادة تعريف الكلمات المزدرية كالسحاقيات والشاذات. فعلى طول القرن التاسع عشر والعشرين كافحت النسويات مع هذه المسائل اللغوية، وتحويل وتغيير النماذج التقليدية في اللغة (34).

فاللغة في الغرب وفق التحليل النسوي، بنيت على رؤية التفوق الأبوي، والتصور الميتافيزيقي لقمع المرأة واضطهادها، فكانت سببا في خلق التمييز بين الجنسين، ففرض من خلال ذلك سلطته على عملية الإبداع بصفة عامة واللغة على وجه الخصوص، فقد تمكن من صياغة لغة ذكورية خاصة به تتماشى وطبيعته السلطوية التي تكفل له البقاء، والاستمرار من خلال تطويع اللغة الصالحة (35).

وعليه، فالتحليل النسوي المتوجه نحو ذكورة اللغة الدعوة إلى تأنيثها، واللغات التي تفضل صيغة التذكير على صيغة التأنيث لابد من أن يعاد بناؤها، بحيث تستخدم صيغا محايدة أو صيغا ذكورية أنثوية. ولذا كلمتا “هو” بالإنجليزية he و “هي” بالإنجليزيةshe  على النحو التاليshe/he  أوs/he ، حتى لا يظن أحد أن هناك أي تفضيل للرجل على المرأة، وفي محاولة التفريق الكامل بين الرجل والمرأة وتأنيث اللغة يعاد كتابة كلمة نساء women على النحو التالي: womyn؛ حتى لا تحتوي كلمة نساء بالإنجليزية على كلمة men أي رجل -والعياذ بالله- (36).

وما يمكننا قوله، أن هذا النمط من التنظير والتحليل يلغي الدلالة للمعنى اللغوي، ويجرده عن مدلوله، ويلغي جوهريته. وبمعنى آخر يلغي جوهرية الذات الأنثوية، ويجردها ويجعلها مجرد جوهر بيولوجي لا قيمة له، ويتجاهل التراتبيات التي يعكسها التكوين الداخلي للجنس الأنثوي.

وأن هذا النوع من التحليل النسوي يختلف عن النسوية الليبرالية في موجتها الأولى، حيث كانت تنظر للمطالبة بالحقوق الاجتماعية، وتعديل نمط صورة المرأة في الثقافة السائدة، فالنسوية الناقدة للغة تأثرت في أفكار الحداثة وما بعد الحداثة في المنهج البنيوي وما بعد البنيوي التفكيكي.

فالتفكيكية قدمت المناخ المناسب للنسوية النقدية، فتمردت على كل المعايير والخطابات الجامدة المقدسة والمؤطرة، وسعت لهدم كافة البنى والأنظمة؛ من أجل الكشف عن سر اشتغالها استنادا إلى آليات الهدم والبناء، الحضور والغياب، وفك التمركز العقلي الذي يتمظهر عبر ثنائيات رائجة مثل: الأنا/ الآخر، الرجل/ المرأة (37).

والسعي أيضا لفرض نموذج على الدراسات النقدية یلغي الفروق بین الذكر والأنثى، فیما یخص ما یسمى الجنوسیة Gender ويعنون بها الهویة الثقافية أو الاجتماعية للشخص، بصرف النظر عن كونه ذكرا أو أنثى، وهذه المسألة مرتبطة بطبیعة الحال بأهداف الحركة النسائیة، الرامیة لخلخلة المفاهیم الاجتماعية التقليدية القائمة على التمییز الوظيفي بین الرجل والمرأة على أساس بيولوجي (38).

فتظهر اللغة هنا، تاریخیا وواقعیا على أنها مؤسسة ذكورية، وهي إحدى قلاع الرجل الحصینة، وهذا یعني حرمان المرأة ومنعها من دخول هذه المؤسسة الخاصة بالرجل، مما یجعل المرأة في موضع هامشي بالنسبة لعلاقتها مع صناعة اللغة وإنتاجها (39).

لذلك، ظهر تحليل اللغة عبر الكتابات الأنثوية والنقد النسوي، من خلال منظور نسوي، يعبر عن وعي ومعرفة نسوية مناضلة ضد كل أشكال التمييز والاضطهاد والظلم الواقع عليهن، والسعي لتغيير الواقع والثقافة السائدة. على أي حال، فالنسوية ومن خلال المنظور الجندري المهتم بعلاقات القوى بين الجنسين، وتشكل مظاهرها التاريخية والاجتماعية، وانعكاسها على مفهوم الذكورة والأنوثة، تسعى لكشف الخلل، ونقد وتحليل مظاهر الاضطهاد، ومنها اللغة. وهذا ما تؤكده الباحثة النسوية “جوديث بتلر”: ضرورة تطوير لغة تمثل النساء تمثيلا كاملا ودقيقا، بما يعزز ظهور النساء، وخاصة نتيجة للأوضاع الثقافية السائدة التي تشوّه تمثيلها لحيوات النساء أو تتجاهلها تماما (40). وخاصة بعد أن تمكن النظام الأبوي من صياغة لغة ذكورية خاصة به، تتماشى وطبيعته السلطوية التي تكفل له البقاء، والاستمرار، وأثبت أن اللغة معطى فكري ذكوري، فاللفظ فحل (رجل) وللمرأة المعنى؛ حيث أنه خاضع ومواجه بواسطة اللفظ، فاللفظ ذكرا يدل على مركزيته، والمعنى أنثى مما يؤكد هامشية وتبعية المرأة للرجل (41).

وعليه فالذي يتضح مما سبق أن منهجية تحليل اللغة وتفكيكها نشأ في ظل مدارس النقد الأدبي، ولعل الإرهاصات الأولى لمدرسة النقد الأدبي النسوي تعود إلى كتابات الرائدتين الأديبتين النسويتين، الأمريكية “شارلوت جيلمان” والبريطانية “فرجينيا وولف”، وهو ما يتجلى في كتاباتهما الروائية ومقالاتهما النسوية (42). المنظور النسوي استخدم آلياته ومناهجه في الدراسات اللغوية، والعلوم الأخرى بشكل عام لحل ومعالجة قضاياه، وأنه لأجل الانحياز الذكوري في اللغة، ذهبت إلى “طرح انتقادات واسعة للغات الغربية والنصوص الأدبية وحتى النصوص المقدسة الدينية، وطالبن بإعادة صياغة اللغة، وإعادة صياغة الكتاب المقدس والضمائر الموجودة فيه، فتم فيها تغيير الكثير من المصطلحات والضمائر المذكرة، وتحويلها إلى ضمائر حيادية مراعاة للفمنزم” (43).

فاشتركت “باحثات نسويات ما بعد الحداثة مع منظري ما بعد الحداثة، من أمثال جاك لاكان وجاك دريدا في الاعتماد على المنهج التفكيكي الذي يقوم على رفض مركزية الذكورة، وسيطرة العقل، والأسلوب الميتافيزيقي في الفلسفة الغربية، كما يقوم على هدم المفاهيم المرتبطة بالسلطة والهوية والذات…”(44). لذا، ألفت الناقدة النسوية “ماري تالبوت” بحثا بعنوان (النسوية واللغة)، تقول “إن اتجاها أو فرعا من الدراسات البينية يعرف بتيار اللغة والنوع، ولد ليعبر عن آراء النسوية في اللغة”(45).

وهذا ما ترسخ في المنظور النسوي من ذكورية اللغة ومركزيتها، وهذا ما تشير إليه “ديل سبندري” إلى أن “اللغة صنعها الرجل، وهو الذي يهيمن عليها ويقمع بها المرأة. فاللغة ذكورية، مشحونة بوعي الرجل وبلا وعيه” (46). وهذا ما أدى بالباحثة اللغوية “مارينا ياغيلو”، إلى القول: “وجوب النظر إلى الفروق اللغوية بين الذكر والأنثى، على أنها مسألة ثقافية لا دخل فيها للطبيعة” (47).

ولا يخفى ما لهذه الدعوة من مخاطر كمعاول في الهدم والتقويض تتناول الدين والإنسانية والحياة بشكل عام، من خلال تلك المفاهيم والمعاني المتلاعب بها “إن الذي تغير ليس حرفا وكلمات وإنما مضامين ومعاني وثقافة وفكر، وإن إشاعة هذه الكلمات وترسيخها والدعوة إليها سوف تؤدي إلى ترسيخ أفكارها وتغير المفاهيم والقيم التي استقرت عليها إلى الآن” (48).

وعليه فإن ما سبق طرحه يظهر أن معايير النقد ومناهج التحليل في المنظومة النسوية أداة ثائرة ضد الفطرة والقيم والدين، داعية لانفصال الدال عن المدلول، اللفظ عن المعنى، والاسم عن المسمى، وزلزلة المعاني وتغيير المفاهيم الثابتة والمعهودة، وعزلها عن سياقها الديني والاجتماعي والتاريخي، والدعوة إلى نسبية اللغة والمفاهيم، وهذا ما يتبناه توجه النسوية ما بعد البنيوية “على أنه لا توجد للكلمات والنصوص معان ثابتة أو جوهرية”(49)، فهذا منعطف خطير إذا لم يتم التصدي له ونقده وبيان فساده على العقيدة والحياة البشرية قاطبة؛ فإن كل معايير القيم والأخلاق والتكاليف وحتى اللغات ومعانيها ستدرس تحت سطوته وتطبيقاته، فتعم الفوضى والعبثية وتسود مبادئ التشكيكية والنسبية.

 

                                                                                                                           مركز باحثات لدراسات المرأة


(1) دليل الناقد الأدبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي- بيروت، ط3، 2002م، ص62.

(2) See, Rosemary Radford Ruether,Feminism,Future Hope,and the Crisis of Modernity,’in’ Buddhist –Christian Studies,Ibid, p,72.

(3) الجندر الأبعاد الاجتماعيَّة والثقافيَّة، عصمت محمد حوسو، دار الشروق- الأردن، ط1، 2009م، ص101.

(4) المرجع السابق، ص102.

(5) النِّسويَّة وما بعد النِّسويَّة – المعجم النقدي، سارة جامبل، ترجمة: أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة، ط1، 2002م، ص 441.

(6) المرجع السابق، ص 458.

(7) النقد الجندري تمثلات الجسد الأنثوي في الكتابة النِّسائيَّة، عبد النور إدريس، دار فضاءات- تونس، ط1، 2013م، ص 93. وانظر، دليل الناقد الأدبي، ص 150.

(8) النقد الجندري، ص93.

(9) المرجع السابق، ص94.

(10) الجندر الأبعاد الاجتماعيَّة والثقافيَّة، عصمت محمد حوسو، ص47.

(11) انظر، النسوية مفاهيم وقضايا، مية الرحبي، الرحبة للنشر والتوزيع- دمشق، ط1، 2014م، ص76.

(12) دليل الناقد الأدبي، ص 150.

(13) انظر، النِّسويَّة وما بعد النِّسويَّة، ص 352.

(14) المرجع السابق، ص 458.

(15) المرجع نفسه.

(16) كيف تعمل الماركسيَّة، كريس هارمان، سلسلة الكتاب الاشتراكي- العدد الرابع، مركز الدراسات الاشتراكية- وحدة الترجمة، ص 70.

(17) الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، رائد جمال عكاشة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الولايات المتحدة الأمريكية، ط1، ط1436هـ_2015م، ص597-598.

(18) النِّسويَّة وما بعد النِّسويَّة، ص433.

(19) انظر: الأسس الفلسفيَّة للفكر النِّسوي، خديجة العزيزي، بيسان للنشر- بيروت، ط5، 2001م، ص36.

(20) المقومات الفكرية للحركة النسوية المغربية الليبرالية، فاتن محمد رزاق، مجلة العلوم السياسية- الجامعة المستنصرية- المغرب، ص88.

(21) انظر: فيمينزم الحركة النسوية، نرجس رودكر، ترجمة: هبة ضافر، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية- لبنان، ط1، 1440هـ_2019م، ص106.

(22) المقومات الفكرية للحركة النسوية المغربية الليبرالية، ص95.

(23) موقع الأمم المتحدة: https://www.un.org/ar/events/endviolenceday/

(24) الأسس الفلسفية للفكر النسوي، ص35.

(25) النظرية النسوية، ص21.

(26)  للاستفادة، انظر: ماهية وأهداف الحركة النسوية، د. أحمد إبراهيم خضر، https://www.alukah.net/culture/0/53861/#ixzz5h4Nt3FxR>

(27) المقومات الفكرية للحركة النسوية المغربية الليبرالية، ص88.

(28)  المرجع السابق، ص91.

(29) المرجع السابق، ص91-92.

(30) انظر: حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، مثنى الكردستاني، دار القلم- القاهرة، ط1، 1425هـ= 2004م، ص 180.

(31) انظر: المرأة واللغة، عبد الله الغذامي، المركز الثقافي العربي- بيروت، ط2، 1997م، ص22.

(32) النظرية النسوية مقتطفات مختارة، ويندي كيه. كولمار، فرانسيس بارتكوفيسكس، ترجمة: عماد إبراهيم، الأهلية للنشر والتوزيع- الأردن، ط1، 2010م، ص94.

(33) المرجع السابق.

(34) انظر: المرجع السابق، ص95-96.

(35) انظر: البطريركية الأبوية وتقويضها، إيمان رمادي، إيمان بوداب، شهادة ما جستير غير منشورة، جامعة العربي بن نهيدي- الجزائر، 2017-2018م، ص31.

(36) انظر: قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، عبد الوهاب المسيري، نهضة مصر- القاهرة، ط2، 2010م، ص26.

(37) انظر: النقدي النسوي العربي قراءة في المفاهيم والمرجعيات المعرفية، رسالة ماجستير غير منشورة، أحلام جفالي، جامعة العربي التبسي- الجزائر، 2061-2017، ص16-17.

(38) انظر: المرجع السابق، ص28-29.

(39) انظر: المرجع السابق، ص38.

(40) النقد الأدبي النسوي، ترجمة وتقديم: هالة كمال، سلسلة ترجمات نسوية-العدد (5)، مؤسسة المرأة والذاكرة، ط1، 2015م، ص15.

(41) انظر: البطريركية الأبوية وتفويضها، ص31.

(42) انظر: البطريركية الأبوية وتفويضها، ص31.

(43) انظر: حركات تحرير المرأة، ص182.

(44) انظر: مفهوم الكتابة الأنثوية لدى نسويات ما بعد الحداثة الغربية، أمل التميمي، مجلة الخطاب، العدد 21، ص21.

(45) مدخل في نظريَّة النقد النِّسوي، حفناوي بعلي، الدار العربية للعلوم-بيروت، ط1، 2009م، ص38.

(46) المرجع السابق.

(47) المرجع السابق، ص39.

(48) حركات تحرير المرأة، ص186.

(49) النظرية النسوية، ص349.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز