ترجمات: ميشيل فوكو والنسوية

تأليف: أوريليا آرمسترونج*
ترجمة: زينب صلاح

برزت الحركة ما بعد البنيوية والحركة النسوية كحركتين من أكثر الحركات السياسية والثقافية تأثيرًا في القرن العشرين، وتميز التحالف الحديث بينهما بارتباط حيوي خاص بأعمال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault. ورغم أن فوكو يشير إشارات قليلة إلى النساء أو قضية الجندر (1) في كتاباته، إلا أن معالجته للعلاقات بين السلطة والجسد والجنسانية أثارت اهتمامًا نسويًّا واسعًا. فقد أسهمت فكرة فوكو بأن الجسد والجنسانية بُنى ثقافية وليست ظواهر طبيعية إسهامًا كبيرًا في النقد النسوي للجوهرية (essentialism (2. وبينما رأت النسويات أن تحليل فوكو للعلاقات بين السلطة والجسد تنويريٌّ، فقد لفتن الانتباه إلى قصوره. فمن منظور السياسة النسوية التي تهدف إلى تعزيز استقلالية المرأة، يبدو ميل تفسير فوكو للسلطة إلى اختزال العوامل الاجتماعية في تطويع الجسد مُشكِلًا، ورغم أن العديد من المنظِّرين النسويين ما زالوا ينتقدون تشكيك فوكو في تصنيفات الذات والوكالة على أساس أن مثل هذا التشكيك يقوِّض الأهداف التحررية للنسوية، فقد جادل آخرون بأنه في عمله المتأخر يطوِّر تفسيرًا أكثر صلابة للذاتية والمقاومة، لديه الكثير ليقدمه للسياسة النسوية رغم أنه لا يخلو من المشكلات من المنظور النسوي، وفيما يلي سنناقش مواطن الشد والجذب بين فكر فوكو والنسوية المعاصرة.
جدول المحتويات:
1. خلفية: تأصيل فوكو للسلطة، والمعرفة، والذات.
2. بين فوكو والنسوية: نقاط الالتقاء والنقد.
3. السلطة والجسد والجنسانية.
4. الذاتية والهوية والمقاومة.
5. الحرية والسلطة والسياسة.
6. مراجع وقراءات أخرى.
1. خلفية: جينالوجيا(3)فوكو للسلطة، والمعرفة، والذات
يتتبع فوكو في أعماله في سنواته المتوسطة -المراقبة والمعاقبة، والمجلد الأول من تاريخ الجنسانية(4) – ظهورَ بعض الممارسات، والمفاهيم، وصور المعرفة، والمؤسسات الاجتماعية، وأساليب الحكم التي ساهمت في تشكيل الثقافة الأوروبية الحديثة. ويسمي منهج التحليل التاريخي الذي يستعمله بالمنهج “الجينالوجي genealogical”. والجينالوجيا هي صورة من صور التاريخ النقدي، بمعنى أنها تحاول تشخيص “الزمن الحاضر، وما نحن عليه في هذه اللحظة بالذات” من أجل “التشكيك… فيما يُفترض أنه بديهي… لتبديد ما هو مألوف ومقبول” (Foucault 1988a: 265). إن ما يميز التحليل الجينالوجي عن التأريخ التقليدي هو أنه “صورة من صور التاريخ يمكن أن تفسِّر تكوين المعارف، والخطابات، ومجالات الموضوعات وما إلى ذلك، دون حاجة إلى الإحالة إلى ذات إما أن تكون متجاوزة لمجال الأحداث، أو تدور في تماثلها الفارغ عبر التاريخ” (Foucault 1980: 149). وبدلا من افتراض أنه يمكن تفسير حركة التاريخ من خلال مقاصد وأهداف الأفراد الفاعلين، تدرُس الجينالوجيا شبكة العلاقات المعقدة والمتغيرة بين السلطة والمعرفة والجسد، والتي تنتج صورًا معينة من الذاتية على الصعيد التاريخي. يربط فوكو دراساته الجينالوجية بأحد أنماط النقد الاجتماعي الذي يصفه بأنه “الأنطولوجيا (5) النقدية للحاضر”. ويوضح في مقالة تالية أن أنطولوجيا الحاضر تتضمن “تحليلًا للحدود التاريخية المفروضة علينا” لخلق مساحة لـ “تجريب إمكانية تجاوزها” (Foucault 1984: 50). ومن ثم فإن الجينالوجيا هي صورة من صور النقد الاجتماعي تسعى إلى تحديد إمكانيات تغيرنا الاجتماعي وتحولنا الأخلاقي.
ومن الأسلاك الناظمة المركزية لجينالوجيا الحاضر عند فوكو، تحليل التحولات المتعلقة بطبيعة وعمل السلطة، والتي تميز الانتقال إلى المجتمع الحديث. تتحدى جينالوجيا السلطة الحديثة لدى فوكو الافتراضَ الشائع المعتقَد بأن السلطة قوة سلبية قمعية بالأساس، تعمل ببساطة من خلال آليات القانون والمحرمات والرقابة، فبحسب فوكو، لهذا المفهوم “القانوني-المنطقي” للسلطة (Foucault 1978: 82) أصوله في ممارسات السلطة التي تميز مجتمعات ما قبل الحداثة. فيزعم أن السلطة في هذه المجتمعات كانت مركزية ومنسقة من قِبَل حكم ذي سيادة يمارس السيطرة المطلقة على السكان، من خلال التهديد أو الإظهار الصريح للعنف، لكن منذ القرن السابع عشر وما بعده، ومع صيرورة نمو السكان ورعايتهم من الاهتمامات الأساسية للدولة، ظهرت آليات للسلطة تتمركز حول إدارة “الحياة” وتدبيرها، وفي القصة المعقدة التي يرويها فوكو، اجتمعت صورة “السلطة الحيوية bio-power” هذه حول قطبين. يهتم أحد القطبين بالسيطرة الفعالة على السكان ككل، ويركز على عمليات إدارة الحياة للهيكل الاجتماعي، ويتضمن تنظيم الظواهر مثل الميلاد، والوفاة، والمرض، والصحة، والعلاقات الاجتماعية وما إلى ذلك. ويستهدف القطب الآخر الذي يسميه فوكو “السلطة الرقابية disciplinary power” جسد الإنسان بوصفه شيئا ينبغي معالجته وتدريبه. يدرس فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة Discipline and Punish ممارسات المراقبة والتدريب المرتبطة بالسلطة الرقابية، ويشير إلى أن هذه الممارسات كانت تُغرَس في باديء الأمر في محيطات مؤسسية منعزلة مثل السجون، والمؤسسات العسكرية، والمستشفيات والمصانع، والمدارس، ولكنها طُبِّقَت تدريجيًّا على نطاق أوسع كأساليب للتنظيم الاجتماعي والسيطرة. إن السمة الرئيسية للسلطة الرقابية هي أنها تُمارَس مباشرة على الجسد. إذ تُخضع الممارساتُ الرقابية الأنشطةَ الجسدية لعملية مراقبة وفحص مستمرة تسمح بالتحكم المستمر والواسع في السلوك الفردي. والهدف من هذه الممارسات هو تحسين قدرات الجسد، ومهاراته، وإنتاجيته في آن واحد، وتعزيز فائدته وطواعيته: “وتشكَّلت بعد ذلك سياسةُ إكراه تعمل على الجسد، ومعالجةٌ محسوبة لعناصره، وإشاراته، وسلوكه. كان الجسد يدخل في آلية للسلطة تستكشفه وتفككه وتعيد ترتيبه… ومن ثم فإن المراقبة تنتج أجسادًا طيِّعة ومدرَّبة ‘أجسادًا سهلة الانقياد‘” (Foucault 1977: 138-9). لكن ليس الجسد وحده هو ما تستهدفه الأساليب الرقابية. يقدم فوكو السلطة الرقابية بوصفها مُنتِجًا لبعض أنواع الذات أيضا. ويصف في كتابه المراقبة والمعاقبة الطريقة التي يسيطر بها الأسلوب المركزي للسلطة الرقابية -المراقبة المستمرة- الذي يوجَّه ابتداءً نحو الرقابة على الجسد، على العقل بالإضافة إلى إحداث حالة نفسية من “الرؤية الواعية والدائمة” (Foucault 1977: 201). بعبارة أخرى، يقبل الأفراد المراقبة الدائمة لإنتاج نوع من الوعي الذاتي الذي يميِّز الذات الحديثة. ومع فكرة أن السلطة الحديثة تعمل لإنتاج الظواهر التي تهدف إليها، يتحدى فوكو الفكرة السياسية للسلطة كقانون والتي تفترض أن السلطة مجرد تقييد أو قمع شيء تم تكوينه بالفعل. فمن وجهة نظر فوكو، يستلزم الانتقال من الحداثة استبدال القانون بالمعيار كأداة أساسية للسيطرة الاجتماعية. ويربط فوكو الأهمية المفترضة للمعايير في المجتمع الحديث بتطور العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، فيصف في المجلد الأول من تاريخ الجنسانية كيف أصبح الجنس والجنسانية من القضايا السياسية الحاسمة في مجتمع يهتم بإدارة وتوجيه حياة الأفراد والسكان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويرى أن انتشار السلطة الحيوية يرتبط ارتباطا وثيقا بخطابات العلوم الاجتماعية حول الجنس والجنسانية التي تزايدت في هذه الآونة. كما يزعم أن هذه الخطابات تميل إلى فهم الجنس باعتباره دافعا بيولوجيًّا ونفسيًّا غريزيًّا له ارتباطات عميقة بالهُويَّة، ومن ثم بالتأثيرات المحتملة على السلوك الجنسي والاجتماعي للأفراد على المدى البعيد. وقد أدت فكرة أن الدافع الجنسي يمكن أن يعمل بطريقة صحية وطبيعية، ويمكن أن يُشوَّه ويَشذَّ نحو أشكال مرَضية إلى مشروع لتصنيف السلوك وفقا لمقياس التطبيع وأمراض الغريزة الجنسية (Dreyfus & Rabinow 1982:173). منذ تأسيس العلوم الاجتماعية (والجنسية) لتصنيفات الحياة الطبيعية والانحراف، صارت مختلف التقنيات السياسية التي تهدف إلى معالجة وإصلاح السلوك “المنحرف” مقبولة بوصفها في صالح الفرد والمجتمع. وهكذا يشير فوكو إلى أنه يمكن التحكم في سلوك الأفراد والجماعات في المجتمع الحديث بصورة متزايدة ومنتشرة من خلال معايير السواء المنتشرة في نطاق المعارف المعيارية الظنية، التشخيصية، والمحددة مثل علم الجرائم، والطب، وعلم النفس، والطب النفسي. ومن ناحية أخرى، يصبح الأفراد المعاصرون عملاء لـ”تطبيعهم” بقدر ما يخضعون له، ويتم استثمارهم في الطبقات، والتصنيفات، والمعايير التي تروجها الخطابات العلمية والإدارية التي تدعو إلى كشف “حقيقة” هويتهم. وبالتالي فإن المجتمع الرقابي الحديث يمكن أن يستغني عن صور من القمع والقيود بسبب تحقق السيطرة الاجتماعية، من خلال استراتيجيات أكثر براعة للتطبيع، وهي استراتيجيات تنتج أفرادا “متطبعين”، ومنظمين ذاتيًّا. إن رؤية فوكو حول إنتاجية الممارسات والتقنيات التي تميز تطبيع السلطة الحيوية هي التي تدعم استنتاجه العام بأن السلطة في المجتمعات الحديثة قوة إبداعية وليست قوة قمعية (Foucault 1977: 194). ففي المقام الأول يزعم فوكو أن أنظمة السلطة تعمل على إنتاجنا كمواطنين يمثلون غايات ووسائل السلطة. ويشرح هذا بقوله: “لا يجب أن يُنظر إلى الفرد على أنه نواة أولية، أو ذرة بدائية، أو مادة متعددة جامدة تأتي السلطة لتقيدها أو تجري ضدها لتهاجمها، وبذلك تقمع أو تسحق الأفراد. إذ إن أحد الآثار الرئيسية للسلطة بالفعل هي أن أجسادا معينة، أو إشارات معينة، أو خطابات معينة، تُحدَّد وتتشكل كأفراد. أي أن الفرد ليس مقابلا للسلطة؛ … بل هو أحد آثارها الرئيسية” (Foucault 1980: 98). يشير تحليل فوكو للسلطة الحيوية المنتجة إلى تفاعل معقد بين الصور الحديثة للسلطة والمعرفة: “فممارسة السلطة تخلق المعرفة باستمرار، والعكس بالعكس، حيث تحفِّز المعرفة آثار السلطة باستمرار” (Foucault 1980: 52). وبحسب فوكو، يمكن القول بأن السلطة تخلق المعرفة بمعنيين مترابطين. أولًا، بمعنى أن بعض مؤسسات السلطة تجعل صورا معينة من المعرفة ممكنة تاريخيًّا. ففي حالة العلوم الاجتماعية مثلا، يُسهِّل تحسين الأساليب الرقابية لمراقبة وتحليل الجسد في محيطات مؤسسية متعددة توسيع مساحات جديدة للبحث الاجتماعي. كما يمكن القول بأن السلطة تخلق المعرفة بمعنى أن مؤسسات السلطة تحدد الشروط التي تُعتبر التصريحات العلمية صحيحة أو خاطئة وفقا لها (Hacking 1986). فالحقيقة -وفقا لفوكو- “هي شيء من هذا العالم: تنتج فقط بفضل صور متعددة من القيود. وهي تحفِّز التأثيرات المنتظمة للسلطة” (Foucault 1980: 131). يوحي هذا الوصف بأن إنتاج الحقيقة لا يمكن فصله كلِّيًّا عن تقنيات السلطة أبدا، ومن ناحية أخرى يؤكد فوكو أن المعرفة تحفز تأثيرات السلطة بقدر ما تشكل موضوعات أخرى للبحث – “موضوعات” مثل “المجرمين”، “والشاذين جنسيا”، و”الجنائيين”- والتي يمكن بعد ذلك التلاعب بها والتحكم فيها (Rouse 1994: 97). على سبيل المثال، يرى فوكو أن المعرفة التي تنتجها العلوم الإنسانية هي التي تمكِّن السلطة الحديثة من الانتشار من خلال قنوات أكثر دقة، “وصولا إلى الأفراد أنفسهم.. إلى أجسادهم، وإشاراتهم، وكل تصرفاتهم اليومية” (Foucault 1980: 151). ومن أجل الإشارة إلى عمليات التكيف المتبادلة بين السلطة والمعرفة، يتحدث فوكو عن أنظمة “السلطة/المعرفة” أو “الخطابات”، أي الطرق المنظمة للمعرفة وممارسة السلطة.
2. بين فوكو والنسوية: التقارب والنقد
يكمن تأصيل فوكو لجينالوجيات السلطة/المعرفة -من منظور النظرية الاجتماعية والسياسية المعاصرة- في التحدي الذي تفرضه على الطرق التقليدية في التفكير بشأن السلطة. هذا التحدي هو الذي جعل فوكو مصدرًا مهما للنظرية النسوية وأثار جدلا ساخنًا بين المنظِّرين النسويين الاجتماعيين والسياسيين. ورغم وجود اتفاق واسع على أن إعادة تعريف فوكو لكيفية تفكيرنا في السلطة في المجتمعات المعاصرة تنطوي على رؤى مهمة للحركة النسوية، ما زالت النسويات منقسمات حول ما تتضمنه إعادة التعريف تلك فيما يتعلق بالنظرية والممارسة النسوية.
يعد تحليل علاقات السلطة أمرًا مركزيا في المشروع النسوي لفهم طبيعة وأسباب تبعية المرأة. وقد افترضت أنماط كثيرة من النظرية النسوية أن اضطهاد النساء يمكن تفسيره من خلال البنى الاجتماعية الأبوية التي تكفل سلطة الرجال على النساء اعتمادا على النموذج التقليدي للسلطة بوصفها قمعًا. لكن نسوياتٍ أخرياتٍ يشككن في هذا الافتراض بصورة متزايدة، أولئك اللاتي يعنين بمواجهة ما يعتبرنه مفهومًا مُخِلًّا لعلاقات السلطة تستلزمه تلك الرؤية، بالإضافة إلى الإشكالية المضمنة فيها، والمتمثلة في أن النساء مجرد ضحايا سلبية لسلطة الرجال، لا حول لهن ولا قوة. وفي سياق هذا النقاش، تستخدم بعض النسويات عمل فوكو حول السلطة لتطوير تحليل أكثر تعقيدا للعلاقات بين الجندر والسلطة، والذي يتجنب افتراض أن اضطهاد المرأة ناتج عن حيازة الرجل للسلطة بأي طريقة كانت. وعلى أساس فهم فوكو للسلطة بوصفها تمارَس ولا تمتَلك، بوصفها تنتشر في أنحاء الهيكل الاجتماعي بدلا من التحرك من أعلى لأسفل، وبوصفها إنتاجية وليست قمعية (Sawicki 1988: 164)، سعَت النسويات إلى تحدي تفسيرات علاقات الجندر التي تؤكد على الهيمنة والإيذاء؛ للانتقال إلى فهم أكثر إحكامًا لدور السلطة في حياة النساء. لقد أسهمت إعادة تعريف فوكو للسلطة إسهاما كبيرا ومتنوعا في هذا المشروع، وقد مكَّنت فكرة فوكو القائلة بأن السلطة تتكون مما تعمل عليه النسوياتِ، من استكشاف الطرق المعقدة في غالبها، والتي تُبنَى فيها خبرات النساء، وفهمهن الذاتي، وسلوكهن، وقدراتهن ضمن علاقات السلطة التي يسعين إلى تغييرها وعن طريقها. لقد لعبت فكرة أن السلطة الحديثة تتضمن إنتاج الأفراد وليس مجرد قمعهم دورًا في حراك مثير للجدل داخل النسوية بعيدا عن التوجهات السياسية التحررية التقليدية. وتحاشيا لبرنامج سياسي تحرري يهدف إلى تحرر كامل من السلطة، تركز النسوية المتأثرة بفوكو على كشف الأشكال المركزية التي تتخذها علاقات السلطة الجندرية على المستوى السياسي الدقيق لتحديد إمكانيات ملموسة للمقاومة والتغيير الاجتماعي، واستندت الباحثات النسويات في متابعة هذا المشروع إلى تحليل فوكو للبُعد الإنتاجي للسلطة الرقابية التي تمارَس خارج المجال السياسي ضيق الحدود؛ لمدارسة طريقة عمل السلطة في حياة النساء اليومية. كما وجدت بعض النسويات رأي فوكو بأن الجسد هو الموضع الأساسي للسلطة في المجتمع الحديث يفيدهن في سبر أغوار السيطرة الاجتماعية، من خلال أجسادهن وحياتهن الجنسية. وفي النهاية تبنت النسويات تحليل فوكو للسلطة/المعرفة، بتأكيده على المعايير التي تُضفَى الشرعية من خلالها على المعرفة، لتطوير نظرية تتجنب التعميم من خبرات الحركات النسوية الغربية، والبيضاء، والتي تميل للجنس الآخر، ونسويات الطبقة الوسطى. واعتمادا على تشكيك فوكو في الجواهر الثابتة ومفهومه النسبي عن الحقيقة؛ سعت النسويات إلى خلق فضاء نظري للتعبير عن أوضاع الذات المهمشة حتى الآن، وعن منظورها السياسي ومصالحها. ورغم أن هناك تداخلًا كبيرًا بين تحليل فوكو للسلطة/ المعرفة وبين الاهتمامات النسوية، إلا أن عمله كان موضوعًا للنقد القوي من قِبَل النسويات. تثير بنية العمل الأهم هذه جدلًا حول جوانب من مفهوم فوكو عن السلطة، والذي وجدته النسويات الفوكويَّات (6) مفيدًا على وجه الخصوص. وتتركز الاعتراضات النسوية الأكثر شيوعا على قضيتين: على نظرته إلى الذاتية بوصفها تُبنَى عن طريق السلطة، وفشله في تحديد المعايير التي تخص مشروعه النقدي.
تقول نانسي فريزر Nancy Fraser أن المشكلة في زعم فوكو أن صور الذاتية تتشكل عن طريق علاقات السلطة هي أنه لا يترك مجالا لمقاومة السلطة. فإذا كان الأفراد مجرد آثار للسلطة، أو مجرد “أجساد طيِّعة” تشكلها السلطة، سيصبح من الصعب تفسير من الذي يقاوم السلطة، ومن ثم تجد فريزر أن تأكيد فوكو على أن السلطة دائما ما تولد المقاومة غير متماسك، وتحتج من ناحية أخرى بأن رفض فوكو للتعبير عن المعايير المبررة بشكل مستقل والتي ستمكّنه من التمييز بين الصور المقبولة وغير المقبولة يعني أنه لا يستطيع إجابة الأسئلة الحاسمة حول السبب في أن الهيمنة يجب أن تُقاوَم، وبحسب فريزر “لا يمكن لفوكو أن يخبرنا بالخطأ في نظام السلطة/المعرفة الحديث ولماذا يجب أن نعارضه إلا بتقديم الأفكار المعيارية” (Fraser 1989: 29). ومن وجهة نظرها، يُقلِّل موقف فوكو المحايد معياريًا من السلطة من قدر عمله بالنسبة للنسوية؛ لأنه يفشل في توفير الموارد المعيارية المطلوبة لنقد بُنى الهيمنة، ولتوجيه برامج للتغيير الاجتماعي. تؤكد نانسي هارتسوك Nancy Hartsock -في محاكاة وامتداد لانتقادات فريزر- أن استشكال فوكو لتصنيفات الذاتية والوكالة يجب أن لا تثق فيه النسويات. وتتساءل: “لماذا الآن فقط عندما يبدأ كثير منا ممن أُسكِتوا في المطالبة بحق تحديد ذواتهم، والتصرف كذوات لا كموضوعات تاريخية، يصبح مفهوم الذاتية subjecthood حينئذ مشكلا؟” (Hartsock 1990: 164). وعلى غرار فريزر، ترى هارتسوك أن مفهوم فوكو عن السلطة الحديثة مشكلٌ كما أنه يختزل الأفراد إلى “أجساد طيِّعة” بدلا من كونهم ذواتٍ لها القدرة على مقاومة السلطة. وترى أن فهم فوكو للذات بوصفها تأثيرًا للسلطة يهدد استمرارية السياسة النسوية؛ لأنه ينكر الذات التحررية، ومن ثم يحكم على النساء بالاضطهاد الدائم. كما تحتج هارستوك بأن رفض فوكو للاعتقاد التنويري المتمثل في أن الحقيقة تعارض السلطة بشكل جوهري (وبالتالي تلعب دورا تحرريا لا محالة) يقوض الأهداف السياسية التحررية للنسوية. تؤكد هارستوك من خلال التأكيد على العمليات المتبادلة بين المعرفة والسلطة أن فوكو ينكر إمكانية المعرفة التحررية، أي ينكر إمكانية أن تؤدي المعرفة المتزايدة والأفضل للسلطة الأبوية إلى التحرر من الاضطهاد، ولهذا السبب فإنها تعتقد أن عمله يتعارض بشكل أساسي مع التوجه السياسي التحرري للنسوية. تتوجه انتقادات فوكو هذه إلى مفهومه الموسع عن الذات والسلطة في سنواته الوسطى، غير أن بعض النسويات جادلن بأن فوكو في عمله المتأخر قد عدِّل منظوره النظري بطرق تجعله أكثر فائدة لمشروع التعبير عن أخلاقيات وسياسات نسوية متماسكة، وستُناقَش الاستجابات النسوية لعمل فوكو المتأخر في البند الأخير.
3. السلطة والجسد والجنسانية
هناك عدة جوانب لتحليل فوكو للعلاقة بين السلطة والجسد والجنسانية حفزت الاهتمام النسوي. أولا: أن تحليلات فوكو للأبعاد الإنتاجية للسلطات الرقابية التي تمارَس خارج المجال السياسي الضيق تتداخل مع المشروع النسوي لاستكشاف السياسات الدقيقة في الحياة الشخصية، وكشف آليات السلطة الأبوية في أكثر المستويات حميمية من خبرة النساء. ثانيا: أن معالجة فوكو للسلطة وعلاقتها بالجسد والجنسانية أمدَّت المنظِّرين النسويين الاجتماعيين والسياسيين ببعض الأدوات المفاهيمية المفيدة لتحليل البناء الاجتماعي للجندر والجنسانية، وأسهمت في نقد الجوهرية في إطار النسوية. وأخيرا: أن النسويات استخدمن تعريف فوكو للجسد كهدف أساسي للسلطة في تحليل الصور المعاصرة للسيطرة الاجتماعية على أجساد النساء وعقولهن.
بدلا من التركيز على المصادر المركزية للسلطة المجتمعية في جهات مثل الاقتصاد أو الدولة، يؤكد تحليل فوكو على المستوى الدقيق لعلاقات السلطة، ويحتج بأنه نظرا لأن السلطة الحديثة تعمل بنمط دقيق على مدار البنية الاجتماعية؛ فمن الأفضل أن تُفهَم في آثارها الملموسة والمحلية وفي ممارسات الحياة اليومية التي تدعم علاقات السلطة وتعيد إنتاجها. وقد تلاقى هذا التأكيد على الممارسات اليومية التي يُعاد إنتاج علاقات السلطة من خلالها مع المشروع النسوي لتحليل سياسة العلاقات الشخصية، وتغيير علاقات السلطة الجندرية على مستويات الخبرة الأكثر حميمية “في مؤسسات الزواج، والأمومة، والحياة الجنسية الإلزامية بين الجنسين، وفي العلاقات “الخاصة” بين الجنسين، وكذلك في الطقوس اليومية، والأنظمة التي تحكم علاقات النساء بذواتهن وبأجسادهن” (Sawicki 1998: 93). تلاحظ نانسي فريزر أن عمل فوكو يعطي زخما متجددا لما يسمى “سياسة الحياة اليومية” بقدر ما يقدم “الأسس التجريبية والمفاهيمية لمعالجة ظواهر مثل الجنسانية، والمذهب، والطب النفسي، والطب، وعلم الاجتماع كظواهر سياسية”، وتحتج بأنه نظرا لأن مقاربة فوكو لتحليل السلطة تؤيد معالجة المشكلات في هذه المساحات بوصفها مشكلاتٍ سياسية؛ فإن ذلك “يوسع الحلبة التي يجابه الناس فيها أسلوب حياتهم ويفهمونه ويحاولون تغييره بصورة جماعية” (Fraser 1989: 26). يعد تعريف فوكو للجسد والجنسانية كموضع مباشر للسيطرة الاجتماعية أحد أكثر آرائه إثمارا على المستوى السياسي الدقيق. يؤكد فوكو على الخصوصية التاريخية للجسد. لقد جعل التركيز على الجسد باعتباره مستهدفًا بصورة مباشرة، وتكوِّنُه أنظمة السلطة الحيوية المتغيرة تاريخيًّا صياغةَ فوكو للنظرية ما بعد البنيوية هي الأكثر جاذبية بالنسبة للمنظرين النسويين الاجتماعيين والسياسيين. فقد كانت مشكلة كيفية تصور الجسد دون اختزال أهميته في جوهر بيولوجي ثابت واحدة من القضايا الرئيسية للنظرية النسوية، إذ تعتبر فكرة الجسد مركزية في التحليل النسوي لقمع النساء بصورة أساسية؛ لأن الاختلافات البيولوجية بين الجنسين هي القاعدة التي ساعدت على تأسيس عدم المساواة بين الجنسين، وإضفاء الشرعية عليها. وبموجب المطالبة بسمات بيولوجية غير تاريخية، تصبح فكرة أن المرأة أقل شأنا من الرجل فكرة طبيعية وشرعية، ويستلزم ذلك اثنين من الانتقالات المفاهيمية ذات الصلة. أولا: أنه يُحكم على أجساد النساء بأنها أقل شأنا اعتمادا على القواعد والمثُل القائمة على القدرات البدنية للرجال، وثانيا: أن الوظائف البيولوجية تنهار داخل الخصائص الاجتماعية، ففي حين يُعتقد تقليديًّا أن الرجال قادرون على تجاوز المستوى البيولوجي من خلال استخدام ملكاتهم العقلية، نجد ميلًا إلى تعريف النساء بموجب قدراتهن البدنية على الإنجاب والأمومة. وفي محاولة لتجنب خلط التصنيف الاجتماعي للنساء بالوظائف البيولوجية (الجوهرية)، طورت النماذج النسوية السابقة نظرية للبناء الاجتماعي، قائمة على التفريق بين الجنس والنوع. يمثل التفريق بين الجنس والنوع الاجتماعي [الجندر] محاولة من جانب النسويات لقطع الصلة بين التصنيف البيولوجي المتعلق بالجنس والتصنيف الاجتماعي المتعلق بالنوع، ووفقا لرؤية البناء الاجتماعي تلك، فإن النوع هو المعنى الاجتماعي الذي يتم ربطه بجنس الجسد باستمرار، وبمجرد فهم النوع بوصفه مبنيًّا على أساس ثقافي، يصبح من الممكن تجنب الفكرة الجوهرية القائلة بأن النوع مشتق من الجسد بأي صورة، لكن التفريق بين الجنسين البيولوجيين دون مرجعية تاريخية وبين الأدوار الجندرية المبنية على أساس ثقافي يتحدى فكرة أن التركيب البيولوجي للمرأة هو قدَرُها الاجتماعي، وهو يستلزم فصلًا مربكًا للأنواع التي بنيت على أساس ثقافي عن جنس الأجساد. كان أثر هذا الفصل هو أن جنس الجسد صار يُرى على أنه عديم الصلة بالهوية الثقافية لنوع الفرد. وقد قادت هذه النتيجة المقلقة لتصور التفريق بين الجنس والنوع بعضَ النسويات إلى تبني نظرية فوكو عن الجسد والجنسانية. يطوِّر فوكو في المجلد الأول من كتاب تاريخ الجنسانية تفسيرًا مناهضا للجوهرية بشأن الجسد الجنسي رغم أنه لا ينكر أهميته. وفي قلب كتاب فوكو تاريخ الجنسانية، يوجد تحليل لإنتاج تصنيف الجنس، ووظيفته في أنظمة السلطة التي تهدف إلى السيطرة على الجسد الجنسي. يحتج فوكو بأن البناء ‘الطبيعي‘ المفترض للجنس يحدث لإخفاء العملية الإنتاجية للسلطة فيما يتعلق بالجنسانية: فقد “أحدث مفهوم الجنس انعكاسا أساسيا؛ إذ أتاح قلب تمثيل علاقات السلطة إلى الجنسانية، مما تسبب في ظهور الأخيرة، ليس في علاقتها الجوهرية والإيجابية بالسلطة، ولكن بوصفها متجذرة في حتمية محددة وغير قابل للاختزال تحاول السلطة أن تهيمن عليها بقدر ما تستطيع” (Foucault 1978: 155). يزعم فوكو هنا أن العلاقة بين السلطة والجنسانية تُحرَّف حينما يُنظر إلى الجنسانية على أنها قوة طبيعية جامحة تعارضها السلطة ببساطة أو تقمعها أو تقيدها، وأنه ينبغي فهم ظاهرة الجنسانية بوصفها مبنية على ممارسة علاقات السلطة. وبناء على تفسير فوكو للبناء التاريخي للجنسانية، والدور الذي يلعبه تصنيف الجنس في هذا البناء، تمكنت النسويات من إعادة النظر في الجندر لا باعتبار المعاني الثقافية المرتبطة مسبقًا بالجنس، ولكن بصياغة جوديث بتلر Butler Judith “باعتبار الوسائل الثقافية التي ينتج من خلالها ‘طبيعة مجنَّسة‘ أو ‘جنسًا طبيعيًّا‘ وتؤسَّس بوصفها سابقة على الثقافة” (Butler 1990: 7). تحتج باتلر -تابعةً فوكو- بأن فكرة الجنس “الطبيعي” الذي يسبق الثقافة والتنشئة الاجتماعية مضمَّنة في إنتاج علاقات السلطة الجندرية والحفاظ عليها؛ لأنها تطبِّع الفكرة التنظيمية المتمثلة في المغايرة الطبيعية المفترض للجنس، وبالتالي فإنها تعزِّز القيود الإنجابية المفروضة على الحياة الجنسية. وبالإضافة إلى رؤية فوكو المناهضة للجوهرية فيما يتعلق بالجسد والجنسانية، فإنه يؤكد على الحقيقة المادية للجسد، ويحتج بأن هذه الحقيقة المعقدة يخِلُّ بها التصنيف البيولوجي للجنس، والذي يضم مجموعة من الوظائف والمتع الجسدية المختلفة والمنفصلة في “وحدة مصطنعة”. وهكذا يشرح فوكو في كتاب تاريخ الجنسانية أن: “الغرض من هذه الدراسة في الواقع هو إظهار كيف أن نشر قوات السلطة يرتبط بالجسد بشكل مباشر -بالأشخاص، والوظائف، والعمليات الفسيولوجية، والأحاسيس، والمُتَع؛ دون لجوء إلى محو الجسد، فمن الضروري جعله ظاهرا للعيان من خلال تحليل لا يتعاقب فيه البيولوجي والتاريخي… وإنما يرتبطان بصورة متزايدة بطريقة معقدة وفقا لتطور التقنيات الحديثة للسلطة التي تستهدف الحياة. وبالتالي فإنني لا أتصور “تاريخًا من العقليات” ينظر للأجساد من خلال الطريقة التي يتم إدراكهم وإعطائهم المعنى والقيمة بها فحسب، وإنما “تاريخ من الأجساد” والطريقة التي يتم بها استثمار أهم الجوانب المادية والحيوية فيها” (Foucault 1978: 151-2). ولأن رؤية فوكو المناهضة للجوهرية فيما يتعلق بالجسد تهتم مع ذلك بمادية الأجساد، فقد كانت جذابة للنسويات المهتمات بكشف العمليات التي تحوِّل جسد الأنثى إلى جسد مؤنث. وهكذا يهدم فوكو التمييز بين الجنس الطبيعي والنوع المبني على أساس ثقافي، زعمه أن السلطة تستهدف و”تنتج” الجسد مباشرةً، ومن ثم فإنه يصبح مجهولًا خارج دلالاتها الثقافية. ترى إليزابيث غروز Elizabeth Grosz أن تأكيد فوكو على الحقيقة المادية للجسد والتي تتشكل مباشرة بواسطة القوى الاجتماعية والتاريخية يتجنب التعارض الجندري التقليدي بين الجسد والثقافة على عكس بعض الروايات الأخرى للنظرية ما بعد البنيوية التي تحلل الأجساد دون الاهتمام بماديتها، ولهذا السبب تعتقد أنه رغم من فشل فوكو في دراسة قضية الاختلاف الجنسي، إلا أن فكره قد يسهم في المشروع النسوي لاستكشاف العلاقة بين السلطة الاجتماعية وإنتاج أجساد متباينة جنسيًّا (Grosz 1994). غير أنه ليس كل النسويات يشعرن بالراحة تجاه خطاب فوكو المناهض للطبيعانية. حيث تحتج كيت سوبير Kate Soper بأنه بالتخلص من فكرة الجسد الطبيعي، فإن مناهضة فوكو للجوهرية قد ‘تستسلم لقوى رد الفعل كما تقدم نفسها كتحذير وقائي ضد أي سياسة تهدف إلى إزالة القيود وتشويه آثار القوالب الثقافية‘ (Soper 1993: 33). توضح سوبير هنا قلقا نسويا مشتركًا بشأن العواقب السياسية المحافِظة المحتمَلة لرواية فوكو عن البناء الاجتماعي. وعلى النقيض من ذلك تحتج لوييس ماكناي Lois McNay بأنه على الرغم من أن نموذج فوكو للعلاقة بين الجسد والسلطة يستبعد الرؤية القائلة بأن العلاقة بين الجسد والجنسانية يمكن أن تتحرر من السلطة، إلا أنه يترك مجالا لإمكانية تغير الصور الحالية للجنسانية وعلاقات السلطة القائمة على اختلاف النوع. ووفقا لماكناي، يكشف كتاب تاريخ الجنسانية لفوكو ‘العلاقة المشروطة والمحددة اجتماعيا للجنسانية، ومن ثم يحرر الجسد من الخيال التنظيمي للغيرية الجنسية، ويفتح عوالم جديدة يمكن فيها استكشاف المُتَع الجسدية‘ (McNay 1992: 30). لقد تبنت الباحثات النسويات فكرة السلطة الرقابية التطبيعية لقدرتها على تسليط الضوء على السيطرة الاجتماعية المتعلقة بالنساء، في سياق معاصر في مشاركة أخرى مثمرة مع عمل فوكو عن الجسد والسلطة. على سبيل المثال، يأخذ رصد ساندرا بارتكي Sandra Bartky لفوكو شكل الفحص المفصَّل لخضوع جسد الأنثى للممارسات الرقابية، مثل الحمية الغذائية، والتمارين الرياضية، وأحكام الجمال التي تنتج صورة من صور التجسيد تتوافق مع المعايير السائدة للجمال الأنثوي والجاذبية. وفقا لها، تُخضِع هذه الممارساتُ الرقابية النساءَ، ليس عن طريق نزع السلطة منهن وإنما عن طريق توليد مهارات وكفاءات تعتمد على الحفاظ على صورة نموذجية للهوية الأنثوية. تشير بارتكي إلى أن قبول النساء واستعدادهن للعديد من المعايير والممارسات التي تعزز عدم تمكينهن الواسع يرجع على ما يبدو إلى حقيقة أن ‘البناء الأبوي للجسد الأنثوي… قد يثير الشك حول هذا الجانب من الهوية الشخصية، والذي يرتبط بتطور الشعور بالكفاءة‘ (Bartky 1988: 77; Sawicki 1994: 293). وعلى نفس المنوال، تلتفت سوزان بوردو Susan Bordo إلى رؤى فوكو في تحليلها لغالبية اضطرابات الطعام عند الإناث مثل فقدان الشهية العصبي، والشره المرَضي للطعام (Bordo 1988). وتحتج تابعةً في ذلك فوكو بأن هذه الاضطرابات قد تُفهَم على أنها أساليب رقابية على الجسد. تتخذ المرأة التي تعاني من فقدان الشهية الممارساتِ التي تخضع لها النساء في جهودهن إلى أقصى حد؛ لتتكيف مع المعايير الثقافية لنموذج أنثوي مثالي. ففي مثال فقدان الشهية، ترى بوردو ارتباطًا للسلطة والسيطرة الذاتية باحتمالية تحقق نحول مهلك، ويمثل هذا الارتباط في نظرها توضيحا تامًّا للطريقة التي ترتبط السلطة الرقابية من خلالها بالسيطرة الاجتماعية على المرأة. إن الأساليب الرقابية صور فعالة للسيطرة الاجتماعية بشكل خاص؛ لأنها تحكم قبضتها على الأفراد على مستوى الجسد، والإشارات، والرغبات، والعادات لإنتاج أفراد يرتبطون بخضوعهم الخاص، ومن ثم يكونون هم أنفسهم وكلاؤه الجاهلون. بعبارة أخرى، تصنع السلطة الرقابية أفرادًا يُخضِعون أنفسهم ‘طوعًا‘ للمراقبة والتطبيع الذاتيين، وهكذا تجد بوردو، على غرار بارتكي، عمل فوكو مفيدا لتفسير تواطؤ النساء مع المعايير الأبوية للأنوثة.
4. الذاتية، والهوية، والمقاومة
على الرغم من أن الاستفادة التي حققتها بارتكي وبوردو من رؤى فوكو في عملية التطبيع المتعلقة بالسلطة الرقابية كانت مصححة لإخفاقه في تنظيم الطبيعة الجندرية للتقنيات الرقابية، إلا أن بعض النسويات احتججن بأن عملهما أعاد إنتاج بُعدٍ إشكالي لتقرير فوكو عن السلطة الرقابية الحديثة. تشرح جانا ساويكي Jana Sawicki أن المشكلة التي يواجهها هذا الرصد النسوي لفوكو هي عدم قدرته على تفسير المقاومة الفعالة للممارسات الرقابية. فعلى أثر فوكو، تتصور بارتكي وبوردو السلطة الرقابية الحديثة بوصفها كلِّية الوجود ولا مفر منها؛ حيث تختزل السلطة الفوكوية الأفراد إلى أجساد طيِّعة خاضعة، ومن ثم فيبدو أنها تنكر إمكانية الحرية والمقاومة. وفقا لساويكي، ‘صورت بارتكي وبوردو أشكالا من السلطة الأبوية تسللت إلى عمق الذوات بحيث يصعب تصور كيف يمكنها (يمكننا) الفرار. إنهما تصفان تواطؤنا في الممارسات الأبوية المتمثلة في الإيذاء دون تقديم مقترحات حول كيفية مقاومته‘ (Sawicki 1988: 293).
يحتج نقاد فوكو من النسويات مثل نانسي هارستوك Nancy Hartsock بأن إخفاقه في تطوير فكرة مناسبة للمقاومة هو نتيجة اختزاله للأفراد في كونهم آثارًا لعلاقات السلطة. تعكس هارستوك قلقا نسويا واسع النطاق يتمثل في أن فهم فوكو للسلطة يختزل الأفراد إلى أجساد طيِّعة، أو إلى ضحايا للأساليب الرقابية أو إلى أدوات للسلطة بدلا من أن يكونوا ذواتٍ لها القدرة على المقاومة (Hartsock 1990: 171-2). يتمثل استشكال هارتسوك وآخرين في أنه بدون افتراض ذات أو فرد يسبق وجودُه بناءَه عن طريق تقنيات السلطة، يصبح من الصعب شرح من الذي يقاوم السلطة؟ فإذا لم يوجد أفراد مجهَّزون ولديهم مصالح محددة قبل بنائهم بواسطة السلطة، فما هو مصدر مقاومتنا إذَن؟ لقد أجابت بعض النسويات عن هذه المخاوف بزعم أنه على الرغم من أن فوكو يرفض فكرة أن المقاومة يمكن أن تؤسَّس في ذات أو نفس يسبق وجودُها بناءَها بواسطة السلطة، إلا أنه لا ينكر إمكانية مقاومة السلطة. يوضح فوكو في كتابه الأخير أن نظريته عن السلطة تتضمن كلًّا من إمكانية ووجود أشكال للمقاومة. فبحسب فوكو: “لا توجد علاقات للسلطة دون مقاومة؛ فالأخيرة أكثر واقعية وفاعلية لأنها تتشكل بشكل صحيح في المرحلة التي تمارَس فيها علاقات السلطة” (Foucault 1980: 142). إن المقاومة الفوكويَّة لا تسبق السلطة التي تعارضها، ولا تصدر من موقع خارج عن السلطة. وإنما تعتمد على الموقف الذي تناضل ضده وتنمو من داخله. يرفض فهم فوكو للمقاومة بوصفها داخلية بالنسبة للسلطة ذلك الحُلمَ الطوباوي المتمثل في تحقيق الانعتاق التام من السلطة. وفي مقام التحرير الكامل، يتصور فوكو صراعات محلية أكثر تحديدًا ضد صور من الخضوع تهدف إلى فكِّ القيود المفروضة على إمكانية الفعل. ويشير إلى أن الصراع الأساسي في الوقت الحاضر يتمثل في ميل السلطة الرقابية التطبيعية إلى ربط الأفراد بهوياتهم بطرق مقيِّدة. يؤكد فوكو أنه لأن الممارسات الرقابية تقيد إمكانيات ما يمكن أن نكون عليه عن طريق تحديد هوياتنا، فإن هدف المقاومة يجب أن يكون ‘أن نرفض ما نحن عليه‘ أي أن نكسر القيود المفروضة علينا من قِبَل تصنيفات تطبيع الهوية. قابلت النسويات فكرة فوكو عن المقاومة من جهة كونها تتألف -في المقام الأول على الأقل- من رفض للهوية الثابتة أو المستقرة أو المجنَّسة ببعض الشكوك. فكثير من النسويات يعارضن التنازل عن الالتزام ‘ببعض الموضوعات الأساسية التحررية المتجذرة في “خبرة النساء” أو (طبيعتهن) كنقطة انطلاق لنظرية التحرر‘ (Sawicki 1994: 289)، فبحسب هارستوك، تعمل الوظائف من منظور فوكو على منع إمكانية وجود سياسة نسوية والتي تتأسس بالضرورة على الهوية من وجهة نظرها، إذ ترتكز على مفهوم هوية المرأة واحتياجاتها ومصالحها. يركز بعض الرصد النسوي الأكثر إثارة لفوكو على قضية الهوية هذه ودورها في السياسة، فتحتج جوديث بتلر بأن عمل فوكو يزود النسويات بموارد لإعادة التفكير فيما وراء قيود سياسة الهوية، وينبغي -بحسب بتلر- أن تكون النسويات على حذر من فكرة أن السياسة يجب أن تقوم على فكرة ثابتة تتمثل في طبيعة المرأة ومصالحها، وتناقش ذلك بقولها: ‘إن الإصرار النسوي المسبق على ذات ثابتة تُفهم بوصفها تصنيفًا متصلًا للنساء، ينتج عنه حتمًا العديد من حالات الرفض لقبول هذا التصنيف. تكشف مجالات الاستبعاد هذه عن النتائج القسرية والتنظيمية لذلك البناء، حتى في حال تطوير البناء لأغراض التحرر. في الواقع، يشير الانقسام الموجود داخل الحركة النسوية والمعارضة المتناقضة لها من “النساء” اللاتي تدَّعي النسوية أنها تمثلهن إلى القيود الحتمية لسياسة الهوية‘ (Butler 1990: 4). تفطن بتلر إلى إشكاليتين على الأقل في محاولة تأسيس السياسة على هوية أنثوية جوهرية ومتطبعة. وتحتج بأن الدفاع عن تصنيف ‘المرأة‘ كأساس للعمل السياسي يستبعد، ويهمش، ويحرِّف حتمًا أولئك الذين لا يعترفون بأنفسهم ضمن شروط تلك الهوية. إذ تتجاهل المطالبة بالهوية -بحسب بتلر- الاختلافات في السلطة والموارد بين النساء في الغرب ونساء العالم الثالث على سبيل المثال، وتميل إلى جعل هذه الاختلافات مصدرًا للصراع بدلا من أن تكون مصدرًا للتآزر. ومن ناحية أخرى ترى أن سياسة الهوية النسوية التي تطالب ‘بذَات نسوية‘ ثابتة، “تفترض ‘الذوات‘ المعيَّنة التي تود تمثيلها وتحريرها وتحددها وتقيِّدها مسبقًا” (Butler 1990: 148). وترى بتلر في تمثيل فوكو للهوية كأثر إمكانياتٍ جديدة للممارسة السياسية النسوية، وهي إمكانيات تحول دونها المواقف التي تَعتبِر الهوية ثابتة أو مؤسسية. فمن المميزات البارزة لفهم فوكو للطابع المكون للهوية في نظر بتلر أنه يمكِّن الحركة النسوية من تسييس العمليات التي ينتج من خلالها أشكال نمطية للهوية الذكورية والأنثوية. يمثل عمل بتلر محاولة لاستكشاف هذه العمليات بهدف فكِّ قيود الغيرية الجنسية المفروضة على تكوين الهوية. وتحتج في متابعة هذا المشروع بأن وصف فوكو للهوية بأنها مبنيَّة لا يعني أنها محددة بالكامل أو مصطنعة وتعسفية. وإنما تشرح المقاربة الفوكويَّة لإنتاج السلطة الدورَ الذي تلعبه المعايير الثقافية في تنظيم الكيفية التي نجسِّد أو نمارس بها هويتنا الجندرية. والهوية الجندرية وفقا لبتلر هي مجرد “مجموعة من الأفعال المتكررة ضمن إطار تنظيمي صارم للغاية يتجمد بمرور الزمن ليُنتج مظهرًا للجوهر، مظهرًا لنوع طبيعي من الكائنات” (Butler 1990: 33). إن السلطة التنظيمية التي تحكم ممارستنا للجندر يخفيها ويعززها الافتراض المتمثل في أن الهويات الجندرية طبيعية وجوهرية. وبالتالي ينبغي -بحسب بتلر- أن يكون أحد أهم الأهداف النسوية هو تحدي المعايير الجندرية المهيمنة عن طريق كشف الأفعال الممكنة التي تنتج ظهور هوية جندرية ‘طبيعية‘ ضمنية. وفي مقابل الادعاء بأن السياسة النسوية هي بالضرورة سياسة هوية، تقترح بتلر أنه: “إذا كانت الهوية لم تعد ثابتة بوصفها مقدمة منطقية للقياس السياسي، وإذا كانت السياسة لم تعد تُفهَم بوصفها مجموعة من الممارسات المستمدة من المصالح المزعومة التي تنتمي إلى مجموعة من الذوات المجهَّزة، لانبثق تكوين جديد للسياسة من أنقاض التكوين القديم” (Butler 1990: 149). تتصور بتلر هذا التكوين الجديد للسياسة بأنه سياسة ائتلافية معادية للمؤسساتية تتقبل الحاجة إلى الفعل ضمن التوتر الناتج عن التناقض والتشرذم والتنوع، وبينما تؤكد رؤية بتلر على استراتيجيات مقاومة الهوية وتدميرها، تجادل ويندي براون Wendy Brown بأن الحركة النسوية المعاصرة ينبغي أن تتوخى الحذر بشأن كل من سياسة الهوية و ‘سياسة المقاومة‘ المرتبطة بعمل فوكو وبتلر. تحتج براون بأن سياسة الهوية تستلزم الالتزام بموثوقية خبرات النساء التي تعمل على تأمين السلطة السياسية. ولكن في الوقت نفسه ترغب معظم النسويات في الاعتراف بأن الهوية والخبرة الأنثوية تُبنى تحت وطأة السلطة الأبوية. وتشير براون إلى أن هذا التضارب في الفكر السياسي النسوي -الاعتراف بالبناء الاجتماعي من جهة، ومحاولة الحفاظ على عالَم من الخبرة الموثوقة متحررًا من البناء من جهة أخرى- يمكن تفسيره من خلال حقيقة أن النسويات يعارضن التنازل عن المطالبة بسلطة أخلاقية تكفلها المطالبة بحقيقة وبراءةِ خبرة المرأة. وقد تمكَّنت النسويات عن طريق المطالبة بالحقيقة الصامتة لخبرة المرأة من إدانة الآثار القمعية للسلطة الأبوية. تمثل محاولة تأسيس سلطة أخلاقية بتأكيد الحقيقة الخفي لخبرة النساء وهويتهن -بحسب براون- رفضا للسياسة. فهي تحتج بأن هذا الحراك بداخل الحركة النسوية: “… يشي بتفضيل للشروط والممارسات الخارجة عن السياسة: كتفضيل الحقيقة (الثابتة وغير القابلة للجدل) على السياسة (التقلب، والتنافس، وعدم الاستقرار)؛ واليقين والحماية (الأمان، والثبات، والخصوصية) على الحرية (التعرض للمخاطر، والعلانية)؛ والاكتشافات (العلم) على القرارات (الأحكام)؛ والذوات القابلة للانفصال والمسلحة بحقوق معترف بها على التعددية المتغيرة وغير العملية، والتي تحكم على نفسها ومستقبلها على أساس عاداتها وحججها فحسب” (Brown 1995: 37). تكتشف براون إخفاقا مشابهًا في مجابهة التحديات التي تواجه السياسة المعاصرة في ‘سياسة المقاومة‘ المستوحاة من فوكو. إن المشكلة مع المقاومة بوصفها سياسة -بحسب رؤيتها- هي أنها لا تحتوي على “نقد، أو رؤية، أو أسس لتنظيم جهود جماعية لإحداث أي شيء… فهي [مقاومة] لا تنحو نحوًا محددًا، ولا يوجد بها أي ارتباطات متأصلة، ولا تنادي برؤية محددة” (Brown 1995: 49). تدعو براون في ضوء أوجه القصور تلك إلى تكميل سياسة المقاومة بممارسات سياسية تهدف إلى رعاية “فضاءات سياسية لإثارة ومساءلة المعايير السياسية [و] لمناقشة طبيعة ‘مصلحة‘ النساء” (Brown 1995: 49). وترى براون أن خلق مثل هذه الفضاءات الديموقراطية للنقاش سوف يسهم في تعليمنا كيفية إجراء حوارات عامة مع بعضنا البعض، وسيمكِّننا من النقاش انطلاقًا من وجهات نظرنا المتنوعة حول رؤية الصالح العام (“ما أرجوه لنا”) وليس انطلاقًا من بعض الهويات العامة المفترضة (“من أكون”).
5. الحرية، والسلطة، والسياسة
يعالج فوكو المشكلات الأساسية التي عرَّفَتها الانتقادات النسوية بأنها تمنع التقارب الشديد بين عمل فوكو والحركة النسوية -اختزاله للعوامل الاجتماعية إلى أجساد طيِّعة ونقص التوجيه المعياري في نموذجه للسلطة والمقاومة- بصورة غير مباشرة في عمله المتأخر حول الأخلاق. وبينما تؤكد جينالوجيا فوكو المبكرة على العمليات التي يخضع الأفراد من خلالها للسلطة، فإنه يوجه انتباهه في كتاباته المتأخرة إلى البنية الذاتية، أو ‘ممارسات الحرية‘ التي يسميها أخلاقيات ethics.
تعتبر فكرة ممارسة الحرية مركزية في بحث وتحليل فوكو للممارسات الأخلاقية في العصور القديمة، فهي تشير إلى الطرق التي كان يقاد بها الأفراد في العصور القديمة إلى ممارسة السلطة على أنفسهم، في محاولة لتكوين وتغيير هويتهم وسلوكهم في ضوء أهداف محددة. وما يهم فوكو في هذه الممارسات الأخلاقية و ‘فنون الوجود‘ القديمة هو الحرية التي تقتضيها. فهو يشير إلى أن الحرية التي تستلزمها ممارسة تكوين الذات self-fashioning لا تتمثل في مقاومة السلطة، ولا في السعي لتحرير الذات من القانون. وإنما تستلزم انتحالا نشطا وواعيا من قِبَل الأفراد لسلطة التنظيم بهدف التحول الذاتي الأخلاقي والجمالي. تلاحظ ساويكي في تأملاتها لتفسير فوكو الإيجابي للحرية أنه يقدِّم بديلا أكثر إيجابية لتأكيده المبكر على استراتيجية رد الفعل لمقاومة التطبيع (Sawicki 1998: 104). فبحسب فوكو المتأخر، ما زال يُفهَم أن الأفراد يتشكلون من خلال تضمينهم في علاقات السلطة، مما يعني أن قدراتهم على الحرية والعمل المستقل محدودة بالضرورة، ومع ذلك فهو يقترح أنه من خلال النشر الفعال لتقنيات ونماذج التكوين الذاتي ‘المعروضة، والمقترحة، والمفروضة‘ عليهم من قِبَل المجتمع (Foucault 1988b: 291)، يمكن للأفراد أن يغيِّروا أنفسهم بصورة خلاقة، وفي أثناء ذلك يزيلوا التطبيع الذي يتم بالأساليب المدمرة الحديثة التي تتعلق بالذات (Sawicki 1998: 105). ترى ساويكي أن ثمة صلة بين فكرة فوكو عن ممارسة الحرية ودعوة دونَّا هارَاواي Donna Haraway إلى سياسة السايبورغ (7) التي تؤكد على التمثيل الواعي للذوات المهمشة القادرة على مقاومة الهيمنة. وفي سياق أكثر أهمية، ترى نسويات مثل جين غريمشو Jean Grimshaw وماكناي بأن تحوُّل فوكو الواعد إلى نموذج أكثر نشاطا فيما يتعلق بالذاتية ما زال يترك قضايا حاسمة دون حلّ. فإن فوكو، بتعبير غريمشو، يتهرب من السؤال الحيوي المتمثل في “متى يمكن اعتبار أشكال التأديب الذاتي أو المراقبة الذاتية… ممارسات للحكم الذاتي أو خلق الذات، أو بالأحرى متى ينبغي النظر إليها كصور من التأديب تخضع الذات لها، ويتقيد بواسطتها الحكم الذاتي؟” (Grimshaw 1993: 66; McNay 1992: 74). وردًّا على هذا النقد، تشير مويا لويد Moya Lloyd إلى أن مفهوم فوكو السابق عن الجينالوجيا بوصفها نقدًا يسمح لنا بالتفريق بين الممارسات الذاتية المستقلة وتقنيات التطبيع. وبحسب لويد، فإن الممارسة الفوكويَّة للنقد -وهي ممارسة تتضمن جهدا مبذولًا في التعرف على الطرق التي تنتج الذات وفك رموزها وحل إشكالاتها- توفر إمكانيات لممارسات بديلة للذات، ومن ثم لتجارب أكثر استقلالية في تكوين الذات. توضح لويد أن “تكوين الذات في حد ذاته ليس أمرا بالغ الأهمية، وإنما المهم هو الطريقة التي يتمكن بها تكوين الذات عندما يتحالف مع النقد من إنتاج مواطن للنزاع حول معاني الهوية وأبعادها، وحول الطرق التي تُعَدُّ بها بعض الممارسات” (Lloyd: 1988: 250). يوضح فوكو أيضا بتقديم عمله المتأخر عن الحرية الأسس المعيارية لمعارضته بعضَ أشكال السلطة. فيشير في نقاشه للأخلاق إلى أن الأفراد لا يقتصرون على رد الفعل ضد السلطة، ولكنهم قد يُغيِّرون علاقات السلطة بطرق توسع إمكانياتهم للفعل. وبالتالي يمكن ربط عمل فوكو حول الأخلاقيات باهتمامه بالهيمنة المضادة، أي بأشكال السلطة التي تقيد إمكانيات التطوير المستقل لقدرات الذات. ومن خلال التفريق بين علاقات السلطة القابلة للتغير، والتكيف، والانعكاس، وبين أوضاع الهيمنة التي تُمنَع فيها المقاومة، يسعى فوكو إلى تشجيع ممارسات الحرية ‘التي تسمح لنا بلعب… ألعاب السلطة بأقل قدر ممكن من الهيمنة” (Foucault 1988b: 298). ترى ساويكي أن فكرة فوكو عن ممارسات الحرية لها القدرة على توسيع فهمنا لمعنى الانخراط في السياسة التحررية. وتوضح في تصور فوكو عن الحرية بوصفها ممارسة تهدف إلى تقليل الهيمنة، نقدًا ضمنيا للسياسة التحررية التقليدية التي تميل إلى تصور الحرية على أنها حالة خالية من أي قيود اجتماعية يمكن تصورها. تقول ساويكي -تابعة فوكو- أن المشكلة في فكرة التحرر أنها لا تحقق نجاحا كبيرا بما فيه الكفاية: ‘فقلب أوضاع السلطة دون تغيير علاقات السلطة نادرا ما يكون تحرريًّا. كما أنه ليس وضعا تحرريا كافيا للانعتاق من نير الهيمنة‘ (Sawicki 1998: 102). إذا كانت الحرية -كما يقترح فوكو- توجد فقط حين تُمارَس، وبالتالي فهي تمثل صراعا دائمًا ضد ما سيُفعَل بالأفراد ولأجلهم من ناحية أخرى، فمن الخطورة أن نتصور أنها حالة وجودية يمكن أن تضمنها القوانين والمؤسسات. يشير فوكو من خلال التأكيد على أن التحرر من الهيمنة لا يكفي لضمان الحرية إلى أهمية تأسيس أنماط جديدة من السلوك، والمواقف، والأشكال الثقافية التي تعمل على تمكين الضعفاء، وكذلك ضمان أن العلاقات المتغيرة المتعلقة بالسلطة لن تتجمد في حالة من حالات الهيمنة. وهكذا تتمثل قيمة عمل فوكو المتأخر بالنسبة للحركة النسوية من وجهة نظر ساويكي في الأدوات المفاهيمية التي يقدمها للتفكير فيما وراء النظريات والممارسات التحررية التقليدية.

6.المصادر وقراءات أخرى:

  •  Bartky, S., ‘Foucault, femininity and the modernization of patriarchal power’ in I. Diamond & L. Quinby (eds), Feminism and Foucault: Reflections on Resistance, Boston: Northeastern University Press, 1988.
  •  Bordo, S., ‘Anorexia Nervosa: Psychopathology as the Crystallization of Culture’ in I. Diamond & L. Quinby (eds) Feminism and Foucault: Reflections on Resistance, Boston: Northeastern University Press, 1988.
  •  Brown, W., ‘Postmodern Exposures, Feminist Hesitations’ in States of Injury: power and freedom in late modernity, Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1995.
  •  Butler, J., Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity, NY: Routledge, 1990.
  •   Butler, J., Bodies that Matter: On the Discursive Limits of “Sex”, NY: Routledge, 1993.
  •   Diamond, I. & Quinby, L., (eds.) Feminism and Foucault: Reflections on Resistance, Boston: Northeastern University Press, 1988.
  •   Dreyfus, H. and Rabinow, P., Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, Sussex: The Harvester Press, 1982.
  •   Foucault, M., Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. A. Sheridan, Harmondsworth: Peregrine, 1977.
  •   Foucault, M., The History of Sexuality, translated by R. Hurley, Penguin Books, 1978.
  •   Foucault, M., ‘Body/Power’ and ‘Truth and Power’ in C. Gordon (ed.) Michel Foucault: Power/Knowledge, U.K.: Harvester, 1980.
  •   Foucault, M., ‘The subject and power’ in H. Dreyfus and P. Rabinow, Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, Chicago: Chicago University Press, 1982.
  •   Foucault, M., ‘What is Enlightenment?’ in The Foucault Reader, P. Rabinow (ed.) NY: Pantheon, 1984a.
  •  Foucault, M., ‘On the genealogy of ethics: an overview of work in progress’ in The Foucault Reader, P. Rabinow (ed.) NY: Pantheon, 1984b.
  •   Foucault, M., Politics, Philosophy, Culture: Interviews and Other Writings, 1977-1984, L. Kritzman (ed.), London: Routledge, 1988a.
  •  Foucault, M., ‘The ethic of care for the self as a practice of freedom’ in J. Bernhauer and D. Rasmussen (eds), The Final Foucault, Cambridge: Mass.: MIT Press, 1988b.
  •   Fraser, N., Unruly Practices: power, discourse and gender in contemporary social theory, Cambridge: Polity Press, 1989.
  •   Grimshaw, J., ‘Practices of Freedom’ in Up Against Foucault, C. Ramazanoglu (ed.), London and NY: Routledge, 1993.
  •  Grosz, E., Volatile Bodies: Toward a Corporeal Feminism, Bloomington: Indiana University Press, 1994.
  •   Gutting, G., (ed.) The Cambridge Companion to Foucault, Cambridge: Cambridge University Press, 1994.
  •   Hacking, I., ‘The Archaeology of Knowledge’ in D. Couzens Hoy (ed.), Foucault: a critical reader, NY: Basil Blackwell, 1986.
  •  Hartsock, N., ‘Foucault on power: a theory for women?’ in L. Nicholson (ed.), Feminism/Postmodernism, London & NY: Routledge, 1990.
  •   Hekman, S. (ed.) Feminist Interpretations of Michel Foucault, Pennsylvania: Pennsylvania University Press, 1996.
  •   Lloyd, M., ‘A Feminist Mapping of Foucauldian Politics’ in Feminism and Foucault: Reflections on Resistance, I. Diamond & L. Quinby (eds), Boston: Northeastern University Press, 1988.
  •  McNay, L., Foucault: a critical introduction, Cambridge: Polity Press, 1994.
  •   McNay, L., Foucault and Feminism: Power, Gender and the Self, Polity Press, 1992.
  •  Ramazanoglu, C., Up Against Foucault: Explorations of Some Tensions Between Foucault and Feminism, London & NY: Routledge, 1993.
  •   Rouse, J., ‘Power/Knowledge’ in Gary Gutting (ed) The Cambridge Companion to Foucault, Cambridge: Cambridge University Press, 1994.
  •   Sawicki, J., ‘Feminism and the Power of Discourse’ in J. Arac (ed.) After Foucault: Humanistic Knowledge, Postmodern Challenges, New Brunswick and London: Rutgers University Press, 1988, pp. 161-178.
  •  Sawicki, J., ‘Foucault, feminism, and questions of identity’ in ed. G. Gutting, The Cambridge Companion to Foucault, Cambridge: Cambridge University Press, 1994.
  •  Sawicki, J., ‘Feminism, Foucault and “Subjects” of Power and Freedom’ in The Later Foucault: politics and philosophy, J. Moss (ed.), London; Thousand Oaks: Sage Publications, 1998.
  •   Soper, K., ‘Productive contradictions’, Up Against Foucault: Explorations of Some Tensions Between Foucault and Feminism, London & NY: Routledge, 1993.

 

ترجم من هنا.

                                                                                                                     مركز باحثات لدراسات المرأة


(*) أوريليا آرمستروج: محاضِرة في الفلسفة بجامعة كوينزلاند في استراليا، وقد حصلت على الدكتوراة من جامعة سيدني عام 1998م، ونشرت العديد من المقالات حول سبينوزا، ونيتشه، وفوكو، ودولوز، والحركة النسوية.

(1) المقصود بالجندر gender هو النوع الاجتماعي، وهو مصطلح يعبر عن الدور الاجتماعي للفرد استنادا إلى نوعه رجلا كان أو امرأة، فحينما نقول “الأدوار الجندرية” (الجنسانية) نعني الأدوار الاجتماعية المبنية على أساس الجنس، وحينما نقول “الهوية الجندرية” (الجنسانية) نعني شعور الفرد بنوعه وفي بعض الحالات يتوافق هذا الشعور مع تركيبه البيولوجي، وليس ثَمَّ تعريف متفق عليه لمصطلح الجندر حتى الآن، ولذلك سنعتمد استخدامه بالمفهوم السابق في هذه المقالة كما هو. (المترجمة).

(2) نظرية تقدم الجوهر أو الماهية على الوجود. (المترجمة).

(3) الجينالوجيا genealogy: مصطلح يعني (علم الأنساب)، وقد أطلقه ميشيل فوكو للإشارة إلى دراسة جذور الموضوعات عبر التاريخ، ورصد الأسباب التي أدت إلى ظهور موضوعات معينة في أجزاء معينة من التاريخ. (المترجمة).

(4) كلاهما كتابان لفوكو. (المترجمة).

(5) الأنطولوجيا ontology: علم الوجود. (المترجمة).

(6) نسبة إلى فوكو. (المترجمة).

(7) السايبورغ cyborg: مصطلح مختصر لـ cybernetic organism أو الكائن السيبرناطيقي، والمقصود به الامتزاج بين الجانب العضوي والجانب الميكانيكي، وتعد دونّا هاراواي هي مبتكرة هذا المفهوم، وسعت إلى تطبيقه لإزالة الحدود بين ثنائيات عديدة، كما تزول الحدود بين الكائن والآلة ويمتزجان معا في حالة السايبورغ. وتتشابه هذه الفكرة مع رؤية فوكو للحرية هنا؛ لأنه يجمع بين كون الأفراد يتشكلون من خلال علاقات السلطة وبين كونهم يستطيعون تغيير أنفسهم وإزالة التطبيع. (المترجمة).

 

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز