قراءات: قراءة في كتاب خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية

يُعد هذا الكتاب وبحق واحدا من الكتب التي يتسمر المرء فيها لا يبرح مكانه، حتى ينتهي من قراءة آخر حرف فيه، سواء للقضايا التي يتناولها، حيث يتقاطع فيها النسوي مع الديني، أو لخطورة الإشكاليات والمقولات التي يسردها الكاتب لثلة ممن اعتبرهن مفكرات، تجعل المرء يفغر فاه من هول ما يقرأ، أو لسلاسة وعذوبة أسلوب الكاتب وتحليلاته المنطقية لبعض ما أورده من مقولات. وهذا ليس بغريب على مؤلفه الدكتور فهمي جدعان، الكاتب الأردني ذو الأصول الفلسطينية، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من السوربون بفرنسا، والذي تجلت براعته الفلسفية في مقارعته النسويات بذات المنطق الذي لا يفقهون سواه، حيث كانت أداته الحوارية “العقلانية النقدية”، دون إهمال الأبعاد الروحية والوجدانية والميتافيزيقية المرافقة للإنسان، التي أجاد فيها أيضاً لخلفيته الإسلامية. وكانت كتابته دالاً على مدلول أنه يمكن الاحتكاك بالغرب، وتلقي العلوم والمعارف فيه، دون التيه أو الانخداع بزخرف القول فيه.

عنوان الكتاب:

وسم المؤلف كتابه بعنوان “خارج السرب”؛ في تشخيص أراد به توضيح طبيعة التناقض الذي ينطوي عليه وصف “مسلمة” و “نسوية”، بأن جعل الراديكاليات الكارهات للإسلام الرافضات “خارج السرب”، وإن كان هذا يعني ضمناً التسليم، بل والإقرار بوجود نسوية مسلمة داخل السرب، وهذا ما رمى إليه بالفعل، عبر طرح نماذج في بداية الكتاب اعتبرها دالة لمدلول مصطلح النسوية الإسلامية التأويلية، والتي اعتبرها حصرياً هي الجديرة بأن ترقى إلى مرتبة منظور نسوي إسلامي وإنساني -على حد قوله- جدير بالزمن الراهن[1].

أي أنه يُرسخ في وجدان القارئ حقيقتان: أن النسوية الرافضة الكارهة للإسلام والتي تُحمّل -بشكل تعسفي- الدين كافة أزمات المعمورة، إنما هي تطرح مقولاتها خارج حدود المقبول الذي يرتضيه العقل الجمعي سواء كان هذا السرب والذي يعني ضمناً المجموع: المجتمع ذو الثقافة الإسلامية، أو مفسري نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية والفقه والسيرة، أو المقدسات (الله جل جلاله، والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم). والثانية: أن المجموع الفقهي النسائي بحاجة إلى إعادة قراءة للاجتهاد وفق المقاصد الكلية للقرآن قراءة تنظر بعين الاعتبار للمستجدات، وتقدم الإسلام للعالم بشكل جاذب، وهذا ما تقوم على شأنه -بحسب رأيه- ثلة من المفكرات، أمثال فاطمة المرنيسي، وأمينة ودود، وعزيزة الهبري.

غلاف الكتاب:

لم يصاحب التوفيق الكاتب في عنوانه فحسب، وإنما غلافه الذي اختار له الخيول؛ ليعبر عن فضاءات الحرية، وإن كنا نظن أن اللوحة المرسومة على الغلاف لو كانت لإبل نافرة منطلقة من عُقلها لكان أوقع وأنسب لمضمون الرسالة والنتيجة التي خلص إليها الباحث.

إشكالية الكتاب:

طرح الكاتب من خلال بحثه إشكالية رئيسة: هل يمكن أن نتكلم عن نسوية إسلامية في إطار إسلامي وفي إطار كوني عالمي؟ وهل كل من تناول الإسلام كطرف أساسي مركزي في أطروحاته داخل الفضاء النسوي يمكن أن نطلق عليه مصطلح “نسوية إسلامية” سواء صرح بإيمانه كأمينة ودود، أو جاهر بإلحاده كنسرين تسليمة؟

الهدف الرئيس للكتاب:

هدف الكاتب بالأساس إلى التنبيه على خطر العولمة، وأن فضاءات الحرية التي أتاحتها قد تشكل تهديداً للهويات، إذا ما قُدم لهم إسلام طارد عبر قراءات ظاهرية غاب عنها الوعي بالمقاصد الكلية للقرآن. وللتدليل على صحة ما يقول ساق نماذج لفريق من الكاتبات اللواتي ينتمين أصلا إلى مجتمعات إسلامية، لكنهن لسبب أو لآخر أو لأسباب متعددة اضطررن إلى الرحيل عن الفضاءات الإسلامية الأصلية، والذهاب إلى عالم العولمة الليبرالي الأوروبي والأميركي، واستخدمن هذه الحرية؛ من أجل التعبير عن قضايا نسوية عانين هن منها حين كن في بيئاتهن الإسلامية الأصلية، إحداهن من أصل صومالي تجنست بالهولندية، والثانية من أصل تركي تجنست بالألمانية، والثالثة أوغندية من أصل هندي تجنست بالجنسية الكندية، والرابعة من أصل باكستاني تجنست بالجنسية السويدية. وقد ساق طرفاً من أطروحاتهن؛ لتوضيح حملتهن الشرسة على المقدسات، وفي القلب منها القرآن الكريم والنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وحتى رب العزة جل جلاله لم ينج من التطاول تعالى عما يقولون علواً كبيرا!!

وقبل أن يسوق هذه النماذج ساق نماذج اعتبرها تُجسد الفكر الإسلامي “المستنير” ناعتاً إياها بأجل ّ الصفات، مبرراً ذلك برأيه أن الإسلام في العالم المعاصر في عالم العولمة لا يستطيع أن يجابه هذا العالم بالتوسل بقراءة للنصوص الدينية، قائمة على أساس الفهم الظاهري الخارجي المادي الحسي للنصوص القرآنية المتشابهة، المتشابهة بالمعنى الاصطلاحي، يعني الحمالة للوجوه، وكي يكون الإسلام جاذب في العالم وليس طارد، فإن هذا الفريق من النساء الكاتبات اللواتي يعتبرن أنفسهن feminist  أي نسويات، لكن نسويات مسلمات لا غربيات، كأمينة ودود، وأسماء بارلاس، ورفعت حسن، وفاطمة المرنيسي، و… هن اللواتي يحققن هذه المعادلة الصعبة.

أي أنه جعل مصطلح النسوية متصلاً أفقياً، على يمينه تقف النسوية الإسلامية الإصلاحية، والتي ضمت رجال عند مطلع القرن التاسع عشر، وعلى أقصى يساره النسوية الإسلامية الرافضة، وقد أسماها بالنسوية الارتكاسية “الارتدادية”، المطلقة، الكارهة، وفي الوسط النسوية التأويلية، وهي محط الثناء والتمجيد، وتضم رجال أيضاً أمثال طارق رمضان، والقاسم المشترك في اجتهادات الأخيرين: كيف تتم المواءمة بين الإسلام والغرب كي تسهل عملية اندماج الأقلية المسلمة في المجتمعات الغربية؟

            لن نتناول الشبهات التي وردت في أطروحات النسويات اللواتي أوردهن الكاتب، سواء التي رفضت بعضهن نقاشاً عقلانيا حولها، لفهم علة ورودها على هذا النحو، أو التي قام الجناح التأويلي بتقديم قراءة مغايرة لما قام به السلف الصالح، كتعدد الزوجات والطلاق والقوامة والإرث و …، فإن هذا يحتاج إلى أبحاث تُطرح فيها كل مسألة للنقاش، ولا يتولى الإجابة إلا مالكوا أدوات الاجتهاد.

لكننا سوف نثير بعض النقاش حول ما ورد بالكتاب بشكل عام:

أولاً: هل التقاطع الذي أورده الكاتب بين ما هو نسوي وما هو ديني وليد ظروف هؤلاء النسويات كما أورد الكاتب، وما عانينه في طفولتهن المبكرة بما أفرز هذا الفكر، أم أنه ترديد لمفردات غربية بالأساس، نتاج لمشكلات تتعلق بالمسيحية ضاقت نساء الغرب بها ذرعاً، فتولت المفكرات المسلمات -حتى ينلن شرف بطاقة الانتساب إلى مجتمعات الحداثة الغربية- دفة تغليب إسقاطات هذه المشكلات على الإسلام؟

باستقراء صفحات التاريخ نجد من جهة: أن هذا التقاطع ليس وليد البيئة الإسلامية، بل إن المجتمع الإسلامي وقت ما أطلقوا عليه طلائع النهضة أواخر القرن التاسع عشر، إبان الاحتكاك بالغرب واستعمار المجتمعات بزعم نشر رسالة الرجل الأبيض، كانت أوضاع النساء سيئة للغاية في سائر البلدان الغربية، وكانت هي الأولى برسالة التحرر، فقد كانت المرأة “إذا تزوجت حُرمت من حق التملك، لأن ما تملكه ولو كان قد آل إليها عن طريق الميراث يؤول إلى زوجها. وإذا تركت منزل الزوجية لا تستطيع أن تأخذ شيئاً معها ولا أطفالها ولا أي شيء مما كانت تملكه، بل لا يسمح لها القانون بالقيام بتجربة الزواج سوى مرة واحدة.. ومهما بلغت إساءة استخدام الزوج لسلطته -فضلاً عن خيانته الزوجية لها- فإن الزوجة لا تستطيع أن تتخلص من معذبها”[2]، بعكس المرأة المسلمة التي كان لها حق طلب الطلاق، ولها ذمة مالية مستقلة، وتملك كالرجل سواء بسواء، ولا فرق بين كونها متزوجة أو غير متزوجة، وهي تملك وتتصرف بمالها كيفما شاءت من بيع وشراء وهبة وصدقة… وقد حظر الإسلام التعدي على مال الغير بغير إذن منه ورضا، وجواز تصرف المرأة في مالها كيفما شاءت من بيع وشراء وإجارة وتوكيل، فلا حجر عليها في ذلك من أب أو أخ أو زوج، ما دامت بالغة رشيدة.

من جهة أخرى: تقاطع النسوي بالديني قد ظهر بالغرب مع نمو الموجة الثانية للنسوية، والتي صبت جام غضبها على المسيحية خاصة، وأديان العالم عامة، واعتبرتها جميعها تشكل ما أسمته أركان السيطرة الذكورية أو النظام الأبوي. وتنظر النسوية إلى الدين هنا على أنه أحد المصادر التي تعمل على التقليل من شأن المرأة، وأن مكانتها ثانوية في النصوص، بما يستدعي فهم الدين ليس من خلال الفهم الذكوري، بل من خلال التفسير النسوي له. ومن ثم أصبح الشغل الشاغل للنسويات استخراج أدلة تثبت وجهة نظرهن القائلة بأن بِنى ومنظومات القوة الذكورية كامنة داخل النصوص والمعايير والقيم الدينية، أي انصب جل اهتمامهن على (اتهام الدراسات الدينية (مع كثير من التخصصات الأخرى بالتحيز والذكورية[3].

ثانياً: أن الكاتب تناول جناحين داخل التيار النسوي أسبغ على الأول صفات العدل والإنصاف والأصالة، إذ أنه بالمقارنة بالجناح الثاني الكاره للإسلام جملة وتفصيلاً يبدو ناصع البياض.

لكن دراسة تحليلية لبعض ما ورد بأطروحاتهن تضع الجميع في سلة واحدة -من حيث الفكر لا الحكم بإسلامهن أو ارتدادهن-، فحينما تتحدث فاطمة المرنيسي عن “الجنون السامي الذي تملك كل واحد من الأنبياء الستة الكبار”[4] وفي موضع آخر “كلمة الشرك”، حرية التفكير هي نقيض الإسلام”[5] ونوال السعداوي حين يطرح كتابها أسئلة من قبيل: “لماذا يكون إله المسيحية أبا”، “لماذا يكون الإله ذكراً”، “لماذا يتغلغل الفكر العنصري في الدين” ،”لماذا لا يفرض النقاب على الرجل عملاً بقاعدة المساواة”[6]، وعندما تتناول رفعت حسن: “بحسب الدين الإسلامي، يحق للرجل أن يكون له أربع زوجات في وقت واحد، وليس للمرأة الامتياز نفسه. ولقد تسبب ذلك في الكثير من التعاسة للنساء، ولذا دعونا نناقش المشكلة …”[7]، فإنه لا يمكن قبول أطروحاتهن دون تفنيد، وأن نمضي قُدما خلف الكاتب بأن نعتبر هؤلاء جيدات بالمقارنة بالأخريات أمثال تسليمة نسرين وأخواتها.

ثالثاً: فيما يتعلق بالنسوية كفكر ومذهب الـ feminism، لا يخفى أن منطلقاتها تختلف تماماً عن منطلقات الإسلام، فكيف يلتقيا ونسقهما المعرفيان متقابلان: فالأولى نسقها المعرفي ذو مرجعية أفقية من صنع العقل البشري الفردي والجمعي المكتفي بذاته، بينما المرجعية الإسلامية مرجعية رأسية متجاوزة، تمثل ميزاناً مجعولاً (ما المقصود؟) من قبل الله تعالى وليس من صنع البشر[8].

 وبينما الكلمة الإلهية المنزلة (الوحي) والكون كمصدرين للمعرفة في النسق الأول، فإن الإنسان نفسه مصدراً للمعرفة بذاته وبالكون في النسق الغربي. ومن ثم لا مجال للمهادنة أو القول بنسوية إسلامية، حتى وإن تسمت بمسميات “إصلاحية” “تأويلية” فذات المنطق التفكيكي، وتوحد المطالب يكمن في التفاصيل.

مثال ذلك ما أورده الكاتب على لسان إحداهن -سهام إدريسي، الفرنسية من أصل مغربي- يكشف بجلاء توحد مطالب النسويات مع اختلاف أساليب الاحتجاج، فتقول: “إن النسويات المسلمات لن ينزلن إلى الشارع ويحرقن صداراتهن وإن كان مطلبهن هو حرية التصرف في أجسادهن”[9].

وتقول أخرى “أعتقد بحرارة بكونية حقوق الإنسان، وبصفتي عضواً في منظمة العفو الدولية فإنني أجد أنه أمر يبعث على الأسى العميق أن الغالبية من المسلمات ما زلن مقيدات بعقيدة العذرية”[10].

رابعاً: كثرة المغالطات الواردة بأطروحات هؤلاء النسويات حتى التأويليات منهن:

كقول لفاطمة المرنيسي: “غداة رحيل النبي انطفأت شعلة الحدس النبوي النسوي: عائشة انضمت إلى الجنرالات السنة، وفاطمة ذهبت إلى جانب الشيعة. ثم استبعدت النساء من الحقل السياسي، أي من الحياة العامة، وضرب عليهن السياج والستر والحجاب حتى العصر الحديث. ولم تبدأ هذه الحواجز بالتمزق إلا بفضل تعليم النساء في الجامعات”[11].

أي تاريخ هذا الذي تستقي منه معلوماتها؟ لقد تُوفّيت فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بأشهرٍ قليلةٍ، وقد كانت أوّلَ أهل بيته لَحاقاً به، أي قبل ظهور الشيعة فكيف لحقت بهم؟

وتسترسل المرنيسي بإيهام القارئ بحالة من السلبية والتواكل والانكفاء حول الذات قد غلبت على مشاركة المرأة في التاريخ الإسلامي، وهذه الحالة من السلبية لم يتم تجاوزها إلا بعد الاحتكاك بالغرب. وهذا وهم تكرر فيه مقولات المستشرقين التي يكذبها نماذج من مشاركة المرأة في الوقف، وهو عمل اقتصادي وتنموي وخيري، نجد أن المرأة المسلمة كانت رائدة فيه وحاضرة، ومشاركة بمالها في تنمية مجتمعها، والعمل على سد احتياجاته[12]، وعلى الصعيد العلمي حفلت كتب السير والتاريخ الإسلامي وموسوعات رواة الأحاديث بدور النساء في مجال العلم كالرجال تماما، ويذكر اسم أكثر من سيدة بين الشيوخ الذين روى عنهم الإمام ابن عساكر، كما كانت فقيهة تجلس للفتيا، وتدرس العلم للرجال والنساء[13].

خامساًيعُجُّ الكتاب بمقولات للنسويات بها ذم صريح بالصحابة رضي الله عنهم، برغم أنه من المعلوم من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كلهم عدول، وهناك كثير من الآيات التي تبين مكانة الصحابة ورفعة درجاتهم، كيف لا؟ وهم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأبنائهم وأموالهم، وقاتلوا دونه، ورفعوا رايته، وأعزوا سنته، ونصروا شريعته[14].
وطعن النسويات في الصحابة له ما يبرره، فهو السبيل لرد أي تشريع يرغبونه بدعوى أنه صادر عنهم وليس عن أصل الشريعة، مثال ذلك ما تسوقه المرنيسي لإسقاط فرضية الحجاب بقولها: “الحجاب.. الصيغة الضيقة التي تجذرت تاريخياً له لم يصدر عن الإرادة النبوية، وإنما عن ظرف عارض وعما فرضه مزاج عمر بن الخطاب الناطق الرسمي باسم المقاومة الذكورية لمطالب النساء”[15].

سادساً: للأسف الشديد لم ينج النبي صلى الله عليه وسلم من القدح في شخصه الكريم، كقول إحداهن: “إن كل ما يجعل الإسلام على هذا القدر العظيم من المقاومة لتحديات الحداثة، يجد مسوغه وأصله في حياة مؤسسه”[16]. وتقول أخرى “لن أسلم أبداً بأن المساواة بين النساء والرجال التي أثبتها القرآن، يمكن أن تكون قد نُقضت من قبل النبي. فإذا كان هذا التناقض موجوداً، فإنني أختار أن أكون إلى جانب القرآن”[17].

ومن المعلوم أن من آمن بالقرآن مصدرا للتشريع اقتضى منه ذلك بالضرورة الإيمان بالسنة المطهرة، واعتبارها مصدرا للتشريع أيضا؛ وذلك لأن في نص القرآن التصريح بأن السنة من الوحي، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبين لما جاء مجملا في القرآن.  وجاء في السنة المطهرة التحذير من رد سنته -صلى الله عليه وسلم- بحجة الاكتفاء بالقرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: “لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه”[18].

سابعاً: لا يتقاطع النسوي مع الإسلام فحسب في فكر هؤلاء النسويات، وإنما تلتقي المصالح. حيث تلتقي مصالح التبشير بالمسيحية، مع العلمانية، مع الإلحاد، فكلها سهام تُطلق على المرأة المسلمة، وأي منها يُصيب سوف يحقق الهدف، وهو إخراج المرأة المسلمة من دينها لتصير بلا هوية فيسلس قيادها.

تصرح إحداهن بأن قائدها الروحي الأول هو سيبنوزا[19]، فهو أول أوروبي ينكر وجود إله، ويصرح بأن الطبيعة صانعة ذاتها[20]… وقائدها الروحي الثاني هو المسيح، فهو يحض البشر على ألا يخافوا لأنه بينهم. أما القرآن فإن هاجسه ملاحقة الكفار وقتلهم، والمسيح يعلم أتباعه أن يحبوا القريب والعدو، وابن الله يولد الثقة ولا يثير الخوف، وبينما العهد الجديد رسالة محبة وأمل، فإن القرآن مثقل بقصص العنف والدم، وبينما إله المسيحيين يقدم ابنه الوحيد يسوع ليفدي البشرية، يطلب القرآن تقديم الأضاحي لله”[21].

ثامناً: حسناً فعل الكاتب حين أورد السيرة الذاتية لهؤلاء النسويات “المفكرات”؛ لأنها أوضحت العلة الحقيقية لتحاملهن على الإسلام، وكيف أنه ضابط وميزان للسلوك يُشعرهن بالخطأ، والخطورة ليست في تجاربهن الشخصية فـ “كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[22]، لكن تعميم التجارب الشخصية من إباحية وشذوذ وجعلها نموذجاً للتنظير هذا هو الجانب غير المقبول، فتقول إحداهن “التوتر الذي كنت أعاني منه منذ أن مارست علاقات جنسية دون أن أكون متزوجة، وإنني كنت أشرب الخمر، وأنني لم أكن أتقيد بأي فرض ديني ..كل ذلك تبدد واتسع أفقي. الله، الشيطان، الملائكة.. كانت مخلوقات من صنع الخيال، لكن الأرض تحت قدمي حقيقية وهكذا تركت عالم الإيمان من أجل العقل والتحرر الجنسي”[23].

والسبيل لتزييف وعي النساء هو دغدغة أحلامهن بالحرية، فتفخر إحداهن بدعوتها للنساء للانطلاق “ولإحداهن قلت: إن كنت تريدين أن تفعلي كل ما أمر الله العلي القدير به فابقي إذن في قفصك! إن هذا السلوك شبيه بالعبيد الذين يفضلون أمن العبودية على شبهات الحرية”[24].

الخلاصة:

حقيقةً إن تقسيم الكاتب النسويات اللواتي أورد طرفا من مقولاتهن إلى إصلاحيات ورافضات، أظن أنه غير صحيح إلى حد ما، فالخط الفاصل بينهن ليس الرفض، فكلا الجناحين يرفض. لكن الفاصل الحقيقي يكمن برأينا في أسلوب المعالجة وتكتيك المواجهة، فالأخريات يرفضن براديكالية، أي لا يرضين بأقل من تغيير جذري لبنى المجتمع والدولة وتحطيم قيود الدين، بينما الجناح الأول يلجأ إلى التأويل الذي قد يصل إلى ليّ عنق النصوص؛ كي يقبل المجتمع الغربي -الذي يرغبن بأن يقبل إندماجهن فيه- هذا الإسلام، ويصرحن بإصلاح الإسلام، وكأنه في عوج، أو عطب، ومهمتهن الرسالية التي يتبوأن على أساسها الصدارة والشهرة في الغرب إصلاح ماشابه من قصور.

حسناً فعل الكاتب حين تجنب إطلاق أحكام بصدد “تقييم أحوال هؤلاء النسويات الاعتقادية، نقضاً أو إثباتاً”، إنهن في نهاية المطاف جزء من مشكل “النسوية الإسلامية الرافضة”، كما وصفهن في عنوان كتابه.

لنطالع هذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه مقدمة وستة فصول وخاتمة تتناول: في النسوية الإسلامية، ثم مرافعة امرأة غاضبة، ثم قفص العذارى، ثم تلفزيون شاذ، ثم العروس الغريبة والأنا الطاردة، وأخيراً معركة التنوير، فلنقرأ هذا الكتاب الذي يحوي ثراءً غير عادي في المعلومات والتحليلات.

 

                                                                                                                               مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] فهمي جدعان، خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012م، ص19.

[2]جون استيوارت ميل، “استعباد النساء”، ترجمة وتعليق وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1998، ص16.

[3] لمزيد من التفاصيل، انظر: أميمة أبو بكر (محررة)، النسوية والدراسات الدينية، ترجمة رندة أبو بكر، القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، الطبعة الأولى، 2012.

[4] فهمي جدعان، خارج السرب، ص44.

[5] فاطمة المرنيسي، الخوف من الحداثة، ترجمة محمد دبيات، دمشق: دار الجندي، 1994، ص 114.

[6] انظر: نوال السعداوي، معركة جديدة في قضية المرأة، القاهرة: سينا للنشر، الطبعة الأولى 1992م.

[7] رفعت حسن، “إسلام ما بعد الأبوية”، في: أميمة أبو بكر، مرجع سبق ذكره.

[8] منى أبو الفضل، “جامع الشرق والغرب”، تعريب وتقديم السيد عمر، هيرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1437هـ – 2016م، ص27.

[9] فهمي جدعان، خارج السرب، ص40.

[10] المرجع السابق، ص144.

[11] المرجع السابق، ص45.

[12] لمزيد من المعلومات حول دور المرأة الاقتصادي على مدار التاريخ الإسلامي، انظر:

صفاء محمد الزفتاوي، دور المرأة في النشاط الاقتصادي- نموذج: أوقاف النساء، جامعة زايد، ماجستير الدراسات الإسلامية المعاصرة، 2013.

[13] وحيد الدين خان، “المرأة بين شريعة الإسلام وحضارة الغرب”، ترجمة سيد رئيس أحمد الندوي، مراجعة ظفر الإسلام خان، القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع، 1414هـ – 1994م، ص195:205. وأيضاً سامية منيسي، محمد صلى الله عليه وسلم والمرأة، القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 1416هـ – 1996م، ص 117- 130.

[14] https://www.alukah.net/sharia/0/93020/#ixzz65K82Fp3y

[15] فهمي جدعان، خارج السرب، ص46.

[16] المرجع السابق، ص197.

[17] فهمي جدعان، خارج السرب، ص55.

[18] https://www.islamweb.net/ar/fatwa/99360/

[19] يُعد أول يهودي علماني في أوروبا الحديثة، ولطالما انتقد الأديان والمعتقدات اللاهوتية والأخلاقية، وطوال حياته جعلت منه أفكاره ومعتقداته شخصًا مثيرًا للجدل، لمزيد من التفاصيل انظر:

https://www.arageek.com/bio/baruch-spinoza 

[20] فهمي جدعان، خارج السرب، ص 125.

[21] المرجع السابق، ص188.

[22] سورة الطور، 21.

[23] المرجع السابق، ص125.

[24] المرجع السابق، ص143.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز