قراءات: عرض لكتاب رؤية الرحالة الأوربيين لأوضاع الحرم السلطاني المغولي في الهند

بين أيدينا كتاب بعنوان رؤية الرحالة الأوربيين لأوضاع الحرم السلطاني المغولي في الهند إبان القرن الحادي عشر الهجري – السابع عشر الميلادي، لمؤلفه د. صاحب عالم الأعظمي الندوي، وهو من إصدارات مركز باحثات لدراسات المرأة 1438هـ، ويتكون الكتاب من توطئة، وثلاثة أقسام، وخاتمة، بمجموع صفحات تبلغ 200 صفحة.

حدود الدراسة:
تتناول الدراسة حياة المرأة الهندية في الحرم السلطاني، وفي حرم الأمراء، وأعيان الدولة المغولية، وتركز على حياتها الاجتماعية والأسرية داخل الحرم السلطاني وخارجه، إلى جانب دورها السياسي والاجتماعي في عصر الدولة المغولية، لاسيما في عهدي كل من السلطان جهانگير المتوفى عام 1037هـ/1628م، والسلطان شاهجهان المتوفى عام 1076هـ/1666م، والسلطان أورنگ زيب عالمگير المتوفى عام 1118هـ/1707م. وتمتد فترة الدراسة من بداية القرن الحادي عشر الهجري، الموافق القرن السابع عشر الميلادي، إلى نهاية القرن نفسه. وقد تميزت هذه الفترة التاريخية في شبه القارة الهندية بتطورات هائلة على جميع الأصعدة، لاسيما الحياة السياسية، والعسكرية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية، والثقافية، حيث أسهمت الدولة المغولية بتوحيد الهند في بوتقة واحدة، من خلال توسيع نطاق السيادة المغولية في القارة الهندية.
الدولة المغولية:
قامت الدولة المغولية في الهند على يد السلطان ظهير الدين بابر الگورگاني (932- 1526ه)، وسقطت عندما احتل الإنجليز شبه القارة الهندية، بعد فشل الثورة عام 1274هـ/1858م.
مدلول كلمة حرم:
أُطلق لفظ القصر السلطاني، أو الحرم السلطاني، أو مجرد “محل” في معناه العام على الجزء المخصص من المنزل الذي يعيش فيه الرجل مع أهل بيته، من النساء، والأبناء، والقائمات على خدمتهم، ولا يحق للأجانب من الرجال انتهاك حرمته؛ وهي تسمية ذات دلالة حضارية عمّا يكتنف هذا المكان من مظاهر الاحترام.
الشرق شرق:
بالرغم من الحجاب، وحاجز اللغة والثقافة، ومن قوانين القصر التي لم تكن تسمح بدخول الرجال الأجانب، وحشمة الأميرات، ونساء القصر بشكل عام، فإن ذلك لم يمنع الرحالة الأوروبيين من إطلاق خيالاتهم، ومن ثم توثيقها كوقائع تاريخية صحيحة، أصبح بعضها مراجع معتمدة لمعرفة ذلك الجزء من التاريخ المغولي في الهند.
تتكرر نفس النظرة الاستشراقية للنساء في الحرم الهندي، حيث كانوا يرونه مرتعًا لقضاء الشهوات “السلطانية”، ومحلًا لأنواع الفسق والمجون، والتهب الخيال الغربي بالحرم السلطاني، فانطلقوا بوحي من خيالاتهم إلى خلق عالم حريم، أودعوه كل ما فاض من تهيؤاتهم، ما هيأ هذه الكتابات لأن تحتل الجزء الأكبر من كتب الرحلات الغربية للهند.
فالرغبة الشديدة في اختراق ما وراء القصر السلطاني، وتجاوز أسواره، دفعت الرحالة للتعويض عن ذلك بالخيال الموغل في الغرابة، والذي يكاد يكون أسطورة بحد ذاته.
يقول المؤلف:
وفقًا لتقارير بعض الرحالة الأوربيين المعاصرين كان المسلمون مولعين جدًا بالنساء اللواتي كن بالنسبة لهم من أهم الوسائل للترفيه والراحة، بل الوسيلة الرئيسة للمتعة والملذات والسرور والابتهاج، ومن هنا “فكانوا يتجاوزون الحدود في الانغماس في الملذات معهن وكانوا يستعملون المحظيات، والجواري، لتحقيق الأهداف الجنسية والمتعة”.
وحسب الرحالة الإنجليزي جون مارشال (John Marshall)، فإنهم يقومون بذلك؛ لأن التراث العربي مليء بالحكايات والروايات التي تؤكد على أن لذة الحياة تكمن في النساء، والتمتع بهن فقط لا غير.
فالخلفية الاستشراقية للمجتمعات المسلمة كانت حاضرة، إذ تصورت المجتمع -والطبقة الحاكمة بالأخص- جنسانيًا فاسقًا، يقضي جل وقته في التمتع بالشهوات الطبيعية والشاذة، فبالإضافة إلى النساء اللاتي تغص بهن جنبات القصر، كان هناك الأولاد الصغار المحبوسين لمجون السلطان!
ومن اعتقادات الرحالة الأوروبيين أن نساء الحرم السلطاني يعشن حالة من القلق والهموم، ويفتقدن إلى الاهتمام، مما يدفعهن إلى الاهتمام بأنفسهن؛ سعيًا لنيل رضا السلطان، وبالتالي الحظوة لديه.
إضافة لذلك، كان هذا القصر أرضًا خرافية، يمتلئ بالكنوز والأحجار الكريمة من اللؤلؤ والمرجان والألماس، وبهيج الحدائق والبساتين والقناطر، وكل ذلك أُعد لتتزين به تلك النسوة، كما تُمنح هذه الكنوز كهبات وعطايا بحسب قربهن من السلطان، ورضاهن عنه، وليس لهن أي حظ بما سوى ذلك كالمعرفة والعلوم.
فالجدول اليومي لهؤلاء النسوة لا يعدو الأكل، والتزين، ونقل الكلام، والاستلقاء متكاسلات على أحواض الاستحمام.
وفي الحقيقة فإن السلطان -بحسب الرحالة- أطلق الأسماء على ممتلكاته، والتي تحتوي على المجوهرات والجواري والزوجات، فمثلًا هناك من يطلق عليها “گولال”، و”نرگس”، و”زهرة”، و”چميلي”، و”ياسمين” وغيرها.
كما أن السلطان لا يكتفي بنساء القصر، فيعقد البازارات التسوقية داخل الحرم، ودعوة النساء بشكل عام، ومن ثم الاختيار منهن حتى لو كانت على ذمة رجل آخر، حتى لو كان زوجها أحد وزراء السلطان أو قواده.
بل تعدى الأمر إلى زنا المحارم، كما فعل السلطان شاهجهان، فقد افترى عليه الرحالة بأنه كان ذا علاقات جنسية مع ابنته “چمني بيگم” الأميرة “جهان آرا بيگم”، بعد وفاة أمها الملكة ممتاز محل.
وقد شكل الحجاب مصدر غم للرحالة، وحائلًا دون رؤية النساء، مما دفعهن إلى تبريره بأن فرضه عائد إلى فرط غيرة الرجال المسلمين، وقلة العفة من جانب النساء، فهن يمارسن الرذائل في غياب أزواجهن، كما يتحايلن عليهم أثناء وجوده، مما يورث انعدام الثقة فيهن.
وعلى عكس هذه التصورات المفرطة في الإباحية والانحلال، فقد كانت نساء القصر على قدر بالغ من الحشمة والعفة والعلم والتدين والإحسان، كما شاركن بفاعلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفيد الروايات بأن حبة ظهرت على صدر الأميرة “جهان زيب بانو بيگم” زوجة الأمير محمد أعظم بن السلطان أورنگ زيب، وتحولت إلى بثرة كبيرة ومؤلمة مع الوقت، ولما عجز الأطباء في القصر عن العلاج، وحال كمالها بين الأطباء وبين رؤية علتها، فقال الطبيب الفرنسي المسيو مارتن (Monsieur Martin) إن هناك طبيبة جراحة ماهرة، وهي من أقربائي تسكن في دهلي، ولو تم استدعاؤها وتم فحص المريضة ثم أخبرتني بتفاصيل المرض، لتمكنا من علاج هذه العلة بسرعة وبسهولة. ولما وصلت هذه الطبيبة، فطلبت بيگم من شقيقها التحقيق والاستفسار عن سنها وعادة شرب الخمر. ولما علمت أنها تشرب الخمر رفضت العلاج لفرط كمالها؛ وشدة وقارها، قائلةً: “من المؤكد أنني لن أكون قادرة على إنقاذ حياتي من هذا المرض الذي يزداد سوءًا كل يوم، ولا أريد أن يتم لمس جسدي بأيدي الفاسقة”. ولم يفلح زوجها في إقناعها، وفي نهاية المطاف توفيت بيگم من هذا المرض في حيدر آباد، وأُتي بنعشها إلى دهلي، وتم دفنها في جوار قبر الشيخ الصوفي الچشتي قطب الدين بختيار كعكي، المتوفى عام 632هـ/1234م.
وتفيد الروايات أيضًا أن الأميرة “جهان آرا بيگم” خرجت للتنزه على الفيل إلى الحديقة، وكان الشاعر صيدي طهراني مختبئًا في مكان ما للنظر إليها، ولما تقدم الفيل من أمامه قرأ شعرًا غزليًا بصوت عال، وسمعته الأميرة، فأمرت الخدام بطرده من المدينة.
ومن الصعب -كما يؤكد المؤلف- قبول آراء بعض الباحثين بأن النساء المغوليات كن يرغبن المشاركة في النشاطات التجارية؛ بسبب تهميشهن في الشؤون السياسية والإدارية، والإهمال المالي من جانب السلاطين المغول لا سيما السلطان جهانگير، وتدل الحقائق على أنهن مارسن النشاطات التجارية العالمية؛ لأنهن كن يتمتعن بالحرية التامة من جانب السلاطين المغول، إلى جانب الطابع الثقافي في الأعمال الخيرية؛ حيث كانت السفن التجارية تؤدي دورها الديني كذلك، من خلال نقل الحجاج على متنها مجانًا إلى الحرمين الشريفين، ومنها إلى الهند بعد الموسم.
ولقد قاد اهتمام المرأة المغولية بأعمال التجارة إلى امتلاك العديد من السفن التجارية، التي كانت تقدر البعض منها حمولتها ألف ومائتين طن، وكانت تمتلك زوج السلطان أكبر وأم السلطان جهانگير “مريم زماني” من الأنواع الجيدة من السفن، ومنها سفينة “جنگ” أي الحرب، والتي تبحر من خلال الموانئ الموجودة في المناطق الگجراتية، لا سيما ميناء سورت، فقد قامت الملكة مريم زماني بتنشيط هذه الموانئ عندما اتخذتها وموانئ البحر الأحمر معبرًا للبضائع التجارية.
وفي الخاتمة يتوصل المؤلف إلى نتيجة مهمة، مفادها من الممكن فهم الحياة الاجتماعية والأسرية في الحرم السلطاني المغولي، بواسطة الدراسة المقارنة بين ما سجله الرحالة الأوروبيون، وما كتبه المؤرخون المحليون.
وكذلك يجب مراعاة توظيف المواد المستخرجة من كتب الرحالة، في إطار فهم التكوين العام للدولة المغولية، وطبيعة حياتها العامة والخاصة، مع الحيطة من أوهام وخيالات الرحالة، ويعد كتاب رؤية الرحالة الأوربيين لأوضاع الحرم السلطاني المغولي في الهند كتاب مهم في بابه، وجدير بالقراءة.

 

إعداد مركز باحثات لدراسات المرأة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء الثاني من اللقاءات الثقافية.. مع أ.بدر الثوعي – أ.منال الدغيم – أ.نورة الصبيح

جميع الفعاليات