تقارير: “الجندر” لم يعد شطحات خيال مع وثيقة التنمية الجديدة

سيدة محمود[1]

من المقرر أن يجتمع رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء المائة والثلاث والتسعين في الأمم المتحدة في نيويورك من الخامس والعشرين إلى السابع والعشرين من سبتمبر الجاري 2015؛ احتفالا بالذكرى السنوية السبعين للمنظمة، والذي يوافق أيضاً الذكرى السنوية العشرين لإعلان ومنهاج عمل بكين[2].

وسوف يعتمد المشاركون في المؤتمر القادم وثيقة هي الأخطر على الإطلاق منذ نشأة الهيئة الدولية، فهي من جهة تؤكد على كافة وثائق المرأة والسكان السابقة، بما فيها من قضايا شائكة سبق وإن تحفظ عليها الكثيرون لتعارضها مع الدين والفطرة والقيم الإنسانية… ولكن يبدو أن التحفظات قد ذهبت أدراج الرياح.

ومن جهة أخرى وهي الأشد خطورة، أن الوثيقة المزمع اعتمادها تضع خارطة طريق لأبنائنا وأحفادنا أو على حد ما وصَفت به الوثيقة نفسها في المادة الواحدة والخمسين بأنها “ميثاق للناس والأرض في القرن الحادي والعشرين”.

ومن ثم فإن إقرارها بكل ما فيها يُعد ترسيخاً لقيم وسياسات وتشريعات سوف تسود القرن المقبل.

وسوف نتناول عبر هذا المقال واحدة فقط من القضايا الشائكة الواردة بهذه الوثيقة وهو “الجندر” (Gender) ذلك المصطلح المنظومة الذي شهد كثيرا من الجدل حوله، وهو مصطلح مضلل ظهر للمرة الأولى عام 1979 في الفقرة التمهيدية لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والمعروفة اختصارا باسم “سيداو”، ولم ينتبه إليه أي من وفود الدول الإسلامية، ربما لأنه ورد مرة واحدة فقط، فضلاً عن ترجمته آنذاك في النسخة العربية للاتفاقية إلى المساواة بين الجنسين، وهي ترجمة مغلوطة.

ثم ورد في وثيقة مؤتمر القاهرة للسكان 1994 في (51) موضعاً، منها ما جاء في الفقرة التاسعة عشرة من المادة الرابعة من نص الإعلان الذي يدعو إلى تحطيم كل التفرقة الجندرية، ولم يثر المصطلح أحداً؛ لأنه ترجم أيضاً بالعربية إلى (الذكر/الأنثى)، ومن ثم لم يُنتبه إليه[3].

ومراعاة لخطة التهيئة والتدرج في فرض المفهوم، ظهر المصطلح مرة ثالثة ولكن بشكل أوضح في وثيقة بكين 1995، حيث تكرر مصطلح الجندر (233) مرة[4].

وشهد مؤتمر بكين صراعا رهيبا بين الوفود المشاركة حول توضيح ماهية المصطلح، إذ أصرت الدول الإسلامية على تعريفه بالذكر والأنثى، بينما رفضت الدول الغربية هذا التعريف، وهذا ما كان يُنبئ حينها بنية مبيتة وإصرار كامل على فرض المفهوم بتداعياته على كافة الشعوب.

واستمر الصراع أياماً في محاولة لتعريف المصطلح، وفي النهاية تم الاتفاق على عدم تعريف المصطلح، وإدراجه في قاموس مصطلحات الأمم المتحدة بأنه المصطلح غير المعرف (The non definition of the term Gender) وتختار كل دولة له التعريف الذي تشاء!!

وظهرت له ترجمات شتى منها “النوع الاجتماعي”، “الجنسانية”، “الجنوسة”، “نوع الجنس”، “الجنسين”، “الجنس الاجتماعي”، والقاسم المشترك في جميعها أنها لا تشير إلى معنى واضح.

وجاءت الوثيقة الجديدة التي سيتم اعتمادها في الخامس والعشرين إلى السابع والعشرين من سبتمبر الجاري، لتؤكد على مصطلح الجندر ومشتقاته، بدءاً من تتويجه كأحد أهداف الألفية، مرورا بسريانه في كثير من بنود الوثيقة، وصولا إلى مطالبة الحكومات بإدماجه داخل سياساتها المختلفة، غير عابئة بالدول التي تحفظت فيما سبق على كثير من الفقرات ذات الصلة بمصطلح الجندر.

هذا يعني أن قضية مساواة النوع وما يستتبعها من إقرار الشذوذ وحقوق الشواذ، والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، إنما هي قضية مفصلية مستهدَف حسمُها عالميا من خلال الأجندة الجديدة، وهو ما يتم التأكيد عليه تحت عنوان “الأجندة الجديدة The New Agenda” من أن: “التعميم الممنهج للمنظور الجندري في تطبيق الأجندة الجديدة أمر بالغ الأهمية”[5].

السياقات التي ورد فيها مصطلح الجندر في الأجندة الجديدة:

ورد مصطلح الجندر بمشتقاته في الوثيقة المطروحة للاعتماد سبعة عشر مرة، يرد ذكره أحياناً مرة واحدة في البند الواحد، وأحيانا أخرى يرد ذكره أكثر من مرة.

أول ما تجلى ظهوره كان في المقدمة، ثم البند (3)، البند (8)، البند (14)، البند (20) الهدف (1/b) و (4.5) و (4.7) و (4.a) و (5) و (5.c) و (17.18) من “المحاسبة والمتابعة”، والبند (74-e) من المتابعة.

ويأتي المصطلح تارة في إطار مطالبة الوثيقة الحكومات بمساواة الأنواعgender equality ، وتارة بالقضاء على التفاوت بين الأنواع gender disparities، وثالثة بتقليص الفجوة بين الأنواع gender gap، ورابعة بمراعاة حساسية الجندر في استراتيجيات التنمية gender-sensitive development strategies، وخامسة  بإدماج منظور الجندر في كافة السياسات العمومية The systematic mainstreaming of a gender perspective، … وهلم جرا، بل وتضع الوثيقة سقفا زمنيا على الحكومات الالتزام به في سياساتها العمومية، فكثير ما تبدأ البنود بعبارة “بحلول عام 2030…”.

الجندر: المصطلح والدلالة:

جاء في الملحق الرابع لتقرير المؤتمر الرابع للمرأة المنعقد ببكين ما يلي:

“1- استُخدمت كلمة «جندر» وفهمت في إطار استعمالها الاعتيادي والمقبول عموماً في عدة ملتقيات ومؤتمرات للأمم المتحدة.

2- ليس ثمة دليل على أن معنى أو مدلولاً جديداً للمصطلح يختلف عن استعماله المقبول السابق قد ضُمِّن في منهاج العمل.

3- بناء على ذلك يؤكد فريق الاتصال[6]على أن كلمة «جندر» المستعملة في منهاج العمل يُقصد أن تُترجم وتُفهم وفقاً لاستخدامها الاعتيادي والمقبول عموماً”[7].

وهكذا لم ينص التعريف على أن كلمة (جندر) تعني (جنس)، وإنما تُرك المصطلح مبهما ليتم استخدامه وتفسيره حسب الاستراتيجيات المرجوة من وراء استخدامه وهنا مكمن الخطر.

وسوف نتناول تعريفين فقط للمصطلح؛ لأن كل منهما يشير إلى أحد وجهي العملة:

وفقًا لهيئة اليونسكو:

يشير (الجندر) إلى «الأدوار والمسئوليات التي يتولاها الرجال والنساء، والتي نشأت في عائلاتنا ومجتمعاتنا وثقافاتنا، ويتم اكتساب هذه الأدوار والتطلعات بواسطة التعلم، وهي عرضة للتغير مع الوقت، كما أنها تختلف من ثقافة إلى أخرى وداخل الثقافة الواحدة، ويبقى مفهوم النوع الاجتماعي حيويًّا؛ لأنه في حال تطبيقه على التحليل الاجتماعي، فإنه يكشف الأسلوب الذي يتم بموجبه تأسيس تبعية النساء (أو سيطرة الرجال) في المجتمع، وبالتالي تكون هذه التبعية بحد ذاتها عرضة للتغيير أو الإلغاء، فهي ليست محتمة قضاءً وقدرًا، ولا مثبتة إلى الأبد»([8]).

ومفاد هذا التعريف:

أن المجتمع هو السبب في وعي الفرد بذكورته أو أنوثته، بعيدًا عمَّا يُسمَّى بالاختلافات البيولوجية بين الجنسين، أي أن المجتمع _من المنظور الجندري_ هو المسئول عن تحديد أدوار كل من الرجل والمرأة والعلاقات الاجتماعية بينهما _وليست الخلقة التي خلق الله الناس عليها_، وأن هذه العلاقات والأدوار قابلة للتغيير، وبناءً عليه، يصبح للمرأة القدرة على أن تؤدي نفس العمل الذي يقوم به الرجل، مهما اختلف نوع العمل، وفي المقابل يمكن للرجل أن يقوم بكل الأدوار الرعائية التي تقوم بها المرأة داخل الأسرة مهما اختلف نوع العمل[9]!

وفقا للموسوعة البريطانية:

((الهوية الجندرية Gender Identity)) بأنها: “شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى… كما أنه من الممكن أن تتكون هوية جندرية لاحقة أو ثانوية، لتتطور وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية، حيث يتم اكتساب أنماط من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة، إذ أن أنماط السلوك الجنسي وغير النمطية منها أيضًا تتطور لاحقًا حتى بين الجنسين!”[10].

ومفاد هذا التعريف:

أن نوع الإنسان وهويته يحددها شعوره بنفسه، وليس خلقته التي خلقه الله عليها، بما يفتح الباب واسعًا أمام تغيير تلك الهوية تأثُّرًا بالعوامل الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى تغيُّر ميول الشخص الجنسية فيما يعرف بالتوجُّه الجنسي Orientation)Sexual)، فإذا كان الإنسان قد خُلِق ذكرًا، ويشعر أنه أنثى، فهويته الجندرية (أنثى)، وبالتالي يتوجه جنسيًّا نحو ذكر مثله، فتكون العلاقة الجنسية بين ذكرين (فيكونان شاذَّين ذكرين Gays)، وإذا كان الإنسان قد خلق أنثى، وتشعر أنها ذكر، فستتوجه جنسيًّا نحو أنثى، وتكون العلاقة الجنسية بين أُنثَيَين (فتكونان سحاقيتين Lesbians)[11].

هكذا يصير مصطلح “الجندر” عملة ذات وجهين يعبر أحدهما عن المساواة التماثلية بين الرجل والمرأة، بإسناد الأدوار إلى كل منهما كـ “نوع” وليس كـ “جنس”، وغض الطرف عن الفوارق البيولوجية.

والوجه الآخر يعبر عن الشذوذ، وأن يُحدد كل شخص هويته كيفما شاء ومن ثم توجهه الجنسي، وعلى المجتمع الانصياع لرغبات الشخص ومنحه القبول المجتمعي والقانوني.

تداعيات إقرار مصطلح الجندر:

أولاً: مفهوم الجندر كمساواة تماثلية بين الرجل والمرأة، وغض الطرف عن الفوارق البيولوجية:

مساواة في كافة فرص العمل:

بدءاً من انخراط المرأة في سلك الأمن: الجيش والشرطة والجندية داخل وخارج البلاد، مرورا بالقضاء والولاية، وصولاً إلى المهن والصناعات الخطرة حتى ما كان يُشفق على أنوثتها منها ليلاً كان أو نهارا.

في واحدة من الوثائق المشار إليها كمرجعية في الوثيقة المزمع اعتمادها في البند 188:

“استمرار الإصلاحات القانونية بغية إزالة الأحكام التمييزية من قوانين العمل الوطنية، وعن تحديث تشريعات العمل وتنقيتها وتعزيز تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل، وتتراوح هذه الإصلاحات بين إزالة الحواجز القانونية أمام مشاركة المرأة في بعض المهن والصناعات (التي تعتبر “خطرة”) والقيام بالنوبات الليلية” [12].

دفع المرأة للخارج ودفع الرجل للداخل:

طبقا لسياسة التدرج التي تتبعها الأمم المتحدة في تنميط الشعوب على نموذج أوحد، جرى التمهيد لتبادل الأدوار في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة الذي أقيم في بكين عام 1995:

“… ويجري بصورة تدريجية تجاوز تقسيم العمل بين الجنسين إلى أدوار إنتاجية، وأدوار إنجابية، وبدأت النساء يدخلن تدريجياً في مجالات العمل التي كانت حكراً في السابق على الرجال، كما بدأ الرجال يقبلون تدريجياً للقيام بمسئولية أكبر تدخل في نطاق المهام المنزلية”[13].

لتطالب الهيئة الدولية هذا العام صراحة بالتناصف، حيث جاء في واحدة من الوثائق المرجعية التي أشارت إليها الوثيقة المزمع اعتمادها هذا الشهر وهو مؤتمر البيئة والتنمية بريو دي جانيرو عام 1992 ليطالب بـ:

“ينبغي أن تتخذ الحكومات خطوات نشطة لتنفيذ برامج للتشجيع على تخفيف العبء الثقيل الذي تقوم به النساء في المنزل وخارجه، عن طريق إنشاء مزيد من دور الحضانة، ورياض الأطفال بواسطة الحكومات و …، وتقاسم الأعمال المنزلية بين الرجال والنساء بالتساوي”[14].

وهكذا يتم دفع المرأة للعمل المأجور بالخارج، مهما كان الثمن الذي سيتم دفعه، سيحل الأب محل الأم في إرضاع ورعاية الوليد، وسوف تتيح له الحكومات إمكانية الاضطلاع بهذا الدور بتوفير “إجازة أبوة” و “إجازة والدية” ولا يهم إن كان الرجل يصلح لهذا الدور ويتقنه كالأم أم لا؟

أو أن يُعهد بالأطفال إلى دور رعاية وحضانات، حتى وإن أدى هذا إلى نقصان تنشئتهم؛ لأن الإخلاص للطفل والحرص على ابتغاء الكمال له من كل وجه لن يتوافر إلا في الأم؛ لغريزة الأمومة التي جُبلت عليها رغماً عن الوثائق الدولية التي تحاول تزييف وعينا بأنها ليست غريزة، وإنما هي وظيفة اجتماعية يمكن لأي كائن أو مؤسسة القيام بها.

الحملة على نظام الإرث في الإسلام والمطالبة بتساوي أنصبة الذكور والإناث:

“بحلول عام 2030 ضمان أن جميع الرجال والنساء، وبخاصة الفقراء والضعفاء، لهم حقوق متساوية إلى الموارد الاقتصادية، وكذلك الحصول على الخدمات الأساسية، والملكية، والسيطرة على الأراضي وغيرها من أشكال الملكية والميراث والموارد الطبيعية والمناسبة التكنولوجيا الجديدة، والخدمات المالية بما في ذلك التمويل الأصغر”[15].

إعادة النظر في قوانين الأسرة المنبثقة من الشريعة الإسلامية:

فتلك القوانين من منظور الجندر تضع فوارق بين المرأة والرجل أو بالأحرى تمييزاً ضد المرأة، مثل اختصاص الرجل بالتعدد وبسلطة التطليق، اشتراط الولي في زواج الأنثى دون الذكر، الوصاية للذكور على الإناث، العدة للمرأة، إلزام الزوجة بالسكن في منزل الزوجية، أو الفتاة بالسكن في منزل والديها، وإلزام الزوجة باستئذان الزوج أو استئذان الفتاة أباها في الخروج والسفر والعمل، أي إلغاء القوامة جملة وتفصيلا واستبدالها بالشراكة.

ومن يطَلع على الملاحظات الختامية التي تبديها اللجان الدولية التي يتم تشكيلها لمتابعة الدول الأطراف في تنفيذ الاتفاقيات يرى هذا بوضوح.

مثال ذلك الملاحظات الختامية التي علقت بها اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الوفد المغربي:

“وتلحظ اللجنة مع الأسف استمرار تعدد الزوجات في المغرب رغم القيود التي فرضتها المدونة الجديدة للأسرة، وتذكر بأن تعدد الزوجات إهانةٌ لكرامة المرأة وتمييز ضدها، ورغم التقدم الذي أحرزته المدونة الجديدة للأسرة، لا سيما في إجراءات الطلاق بالتًراضي، وإلغاء الولاية الإجبارية للمرأة، والقيود المفروضة على الطلاق من جانب واحد، لا يزال القلق يساور اللجنة إزاء استمرار وجود بعض الأحكام التمييزية في التشريع المغربي، وخصوصاً في مجال الإرث والمجال الجنائي.

وتشجع اللجنة الدولة الطرف على تكثيف جهودها لاحترام حقوق المرأة وحمايتها، وتوصيها بحظر تعدد الزوجات نهائياً”[16].

ثانياً: مفهوم الجندر كهوية يحددها شعور الإنسان بنفسه، وليس خلقته التي خلقه الله عليها.

التطبيع مع الشذوذ الجنسي ومنح الشواذ القبول المجتمعي.

ترى الوثائق الدولية أن هناك بعض الأنظمة الثقافية للدول الأطراف تضع الشواذ في دائرة الوصم، وأن الخلل ليس في هذه الفئة وإنما في المنظومة العقدية التي ترفض إدماجهم استجابة لنداء فطرة أو تطبيقا لشرع.

ومن ثم تطالب صراحة بإحداث تعديلات بُغية الاعتراف بهؤلاء وتقبلهم.

منها ما ورد صراحة في وثيقة استعراض بكين والتي أشارت الوثيقة المطروحة للاعتماد إليها كأحد المرجعيات لها:

“أما الفئات المهمشة من النساء من قبيل… والنساء المثليات، ومزدوجات الميل الجنسي، ومغايرات

الهوية الجنسانية، فهي فئات معرضة بشدة للتمييز والعنف”[17].

وفي ذات الوثيقة:

” الصعوبات التي يواجهها المثليون والمثليات ومغايرو الهوية الجنسانية في الحصول على الاعتراف باحتياجاتهم الصحية وتلبيتها، إلا أن انخراط الأفراد في سلوك جنسي مع أفراد من نفس الجنس ما زال يعتبر جريمة في بعض البلدان، إذ يعاقب أصحاب ذلك السلوك ويحرَمون من التمتع بالحق في الصحة وبحقوق الإنسان الأخرى”[18].

إدماج الشواذ في كافة مؤسسات الدولة:

لا تكتفي الوثيقة _المزمع اعتمادها الشهر الجاري أو الوثائق التي تشكل مرجعيتها وأُشير إليها في صلب الوثيقة_ بطلب الاعتراف بهؤلاء، وإنما تسعى إلى إدماجهم في كافة قطاعات المجتمع السياسية والتعليمية والصحية …

في المجال السياسي على سبيل المثال:

وتتعرض نساء الأقليات اللواتي يسعين إلى تولي مناصب سياسية أحيانا للتمييز على أساس أصلهن الاثني أو العرقي أو ديانتهن أو إعاقتهن أو ميلهن الجنسي و/أو سنهن”[19].

وفى التعليم أيضا:

“بحلول عام 2030 القضاء على الفوارق الجندرية في التعليم …”[20].

وفي البند الذي يليه:

“بحلول عام 2030، ضمان أن جميع المتعلمين قادرين على اكتساب المعارف والمهارات اللازمة … من خلال التعليم من أجل التنمية المستدامة وحقوق الإنسان والجندر …”[21].

وجُلَ ما نخشاه أن نستيقظ من سباتنا يوماً لنجد أنفسنا وأبنائنا يطالعون مناهج دراسية تدعو إلى تقبل الشذوذ الجنسي بدعوى أن تتناسب المناهج مع التوجه العالمي، وأن نقبل بلا حرج شذوذ من هم في دوائر صنع واتخاذ القرار بدعوى احترام حقوق الإنسان!!

تقنين أوضاع الشواذ:

لا تقف الوثائق عند حد تقبل المجتمع لهؤلاء الشواذ، وإنما تريد إضفاء الحماية عليهم، فلا سبيل إلى عقاب أو زجر.

“وبدأت بعض البلدان في توفير آليات قانونية محددة لحماية المثليات والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسانية… ووضعت بعض الدول إجراءات محددة للتعامل مع الشكاوى؛ من أجل حماية حقوق المجموعات المهمشة من النساء بمن فيهن المشتغلات بالجنس”[22].

وفي بند آخر:

“وقامت بضع دول بإصلاح قانون العقوبات لمنع تجريم السلوك إزاء نفس الجنس”[23]

ومغايرات الهوية الجنسانية”[24].

امتداد الحماية لتشمل المنظمات والأشخاص الذين يجاهرون ب “حقوق” الشواذ:

في وثيقة (العيش بكرامة بحلول عام 2030: القضاء على الفقر) وهي أيضا واحدة من الوثائق التي أشارت إليها الوثيقة المطروحة للاعتماد كمرجعية:

” … وتوافر ضمانات لحماية الأمن الشخصي جزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة، لذا يجب تأمين بيئة مواتية في ظل سيادة القانون من أجل المشاركة الحرة… وللمجتمع المدني وللقائمين بالدعوة الذين يعبرون عن أصوات النساء وجماعات المثليات والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية”[25].

مساواة الشواذ بالطبيعيين في الحقوق:

كما ترث الزوجة زوجها يحق للشاذ أن يرث شريكه، وكذلك أبناؤهما بالتبني، ويحصلوا على كافة الضمانات الاجتماعية التي يحصل عليها الأزواج الطبيعيون.

الخلاصة:

لم يظل مصطلح “الجندر” حبيس الغرب، بل صار يُفرض فرضاً عن طرق الاتفاقيات الدولية على شعوب المعمورة، وفي القلب منها عالمنا العربي والإسلامي، ولن نعدم في المرحلة القادمة بعض الأقلام _مأجورة أو بحسن نية_ تداعب أحلام البسطاء، مروجين لتلك الوثيقة الخطيرة بزعم تنمية المجتمعات، في تزييف كامل للوعي بأن قضية المصطلحات ليست بهذه الخطورة بل ينبغي علينا أن نتجاوزها وننتبه إلى التنمية.

وفات هؤلاء أن اعتراضاتنا ليست على مجرد صياغات، أو مصطلحات، أو حتى فقرات، وإنما هي تعبر عن هويات فـ “تقدير المصلحة في تبني مفهوم معين أو ربما رفضه، أو التحفظ عليه أو على جوانبه، هذه عمليات يجب حسابها بدقة؛ فإنها فضلاً عن أنها تشكل “عقل الأمة”، فإنها داخلة في صميم “هويتها واختصاصها”[26].

وليس هذا بدعا من القول، فالمتأمل لتراثنا الفكري يلاحظ مدى أهمية ضبط الكلمات والألفاظ، ولا سيما ما ارتبط منها بموقف فكري، لدرجة الحرص التام على إلزام المسلمين بمصطلحات وألفاظ بعينها، والنهي عن الحيدة عنها أو تسميتها بغير مسمياتها ولو كان التقارب بين اللفظين شديدا (لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا) [البقرة: 104].

والحمد لله رب العالمين.


[1] باحثة علوم سياسية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقا.

[2] في سبتمبر عام 1995 حضر بصورة غير مسبوقة 17.000 مشارك و 30.000 من النشطاء في افتتاح المؤتمر العالمي الرابع عن المرأة في بكين بالصين، كان في أذهانهم هدف وحيد: هو تحقيق مساواة الجندر وتمكين (استقواء) النساء، وبعد أسبوعين من النقاش السياسي صاغ ممثلو 189 حكومة التزامات جاءت تاريخية من حيث مداها، وأنتجوا إعلان ومنهاج عمل بكين ليكون خارطة طريق لكل ما يتعلق بالمرأة.

[3] مصطلح الجندر المفهوم والأثر، إعداد اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، إصدار كرسي أبحاث المرأة السعودية بجامعة الملك سعود، 2013، ص8.

[4] رؤية نقدية لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، الملحق، ص7.

[5] وثيقة خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، البند 20. https://sustainabledevelopment.un.org/post2015

[6] الفريق الذي أوكلت له مهمة تعريف كلمة جندر في أعقاب التساؤل عن معناها في الجلسة التاسع عشرة للجنة وضع المرأة التي مهدت لانعقاد مؤتمر بكين، كان الفريق برئاسة سلمى أشيبالا من ناميبيا.

[7] Report of the Fourth World Conference On Women, Beijing 4-15 sep. 1995, Annex iv para. 2,3, p. 218.

 [8] موقع نساء سورية، مدخل في تعريف الجندر، 27 /4/ 2008م:

http://nesasy.org/index.php/-mainmenu-309/5961

[9] مصطلح الجندر: المفهوم والأثر، سلسلة توعوية في قضايا المرأة المعاصرة، إعداد اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، إصدار كرسي أبحاث المرأة، السعودية، 2013، ص19.

gender identity, Britannica Encuclopaedia, 22 August 2012 [10]

http://cutt.us/wwJK4

[11] مصطلح الجندر المفهوم والأثر، سلسلة توعوية في قضايا المرأة المعاصرة، كرسي أبحاث المرأة السعودية بجامعة الملك سعود، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، الطبعة الأولى، 2013، ص18.

[12] استعراض تقييم وتنفيذ إعلان ومنهاج عمل بكين، مرجع سبق ذكره، البند 188.

[13] تقرير المؤتمر العالمي الرابع، بكين، الفصل الثاني، الفقرتان 25، 27.

[14] تقرير المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية، ريو دي جانيرو، عام 1992، الفصل 24، ص400،401.

[15] خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، مرجع سبق ذكره، البند 1.4.

[16] اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الدورة السادسة والثلاثون، مايو 2006.

[17] استعراض وتقييم تنفيذ إعلان ومنهاج عمل بيكين، مرجع سبق ذكره، البند 15.

[18] المرجع السابق، بند 105.

[19] المرجع السابق، بند 215.

[20] خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، مرجع سبق ذكره، البند4.5.

[21] المرجع السابق، البند 4.7.

[22] المرجع السابق، البند 281.

[23] استعراض وتقييم وتنفيذ إعلان ومنهاج عمل بكين، مرجع سبق ذكره، البند 267.

[24] المرجع السابق، البند 345.

[25] تقرير العيش بكرامة بحلول عام 2030، الدورة التاسعة والستون، مرجع سبق ذكره، البند 78.

[26] سيف الدين عبد الفتاح، المفاهيم: مفاتيح الفهم ومرايا الحضارة 1-7-2003.

http://cutt.us/5WimJ

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاءات الثقافية

5م - 8م
جميع الفعاليات