مقالات: الأسرة بين الدين والوثائق الأممية اتحاد المسمى، واختلاف المضمون

أ.سيدة محمود

هلل الجميع لاعتماد مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مؤخرًا قرارًا حول حماية الأسرة، يحذر فيه من “الضعف المتزايد” الذي تواجهه الأسرة.

وقد تم التصويت على القرار في 3 يوليو 2015 بالموافقة من قبل معظم الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، ويؤكد القرار أن الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية للمجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

وهي خطوة –وإن تأخرت كثيرًا– إلا أننا نثمنها، لا سيما وأنها صدرت من هيئة دولية مازالت محط آمال الشعوب.
نعم، خطوة تأخرت رغم مساسها بأهم وحدة في حياة المجتمعات؛ وهي الأسرة.

فرغم ما للأسرة من دور رئيس في تربية النشء، إلا أن المواثيق الدولية لم تعطها الاهتمام اللائق بها إلى حد أن جاءت كثير من المواثيق وقد خلت بنودها تمامًا من أية إشارة لمصطلح الأسرة، رغم تناولها لموضوعات المرأة بما يفرض عليها التطرق للحديث عن الأسرة، ومع ذلك تناولت المواثيق المرأة كفرد تم اجتزاؤه من سياقه الاجتماعي.

كالبيان الصادر عن الدورة الثامنة والأربعين للجنة مركز المرأة، والذي جاء بعنوان “تنفيذ استراتيجيات نيروبي التطلعية للنهوض بالمرأة”:

 تحدث البيان عن التدابير اللازمة لتنفيذ هذه الاستراتيجيات من أجل تحقيق الأهداف المتمثلة في “المساواة والتنمية والسلم”، ولم يرد فيه ذكر الأسرة على الإطلاق، بل كان تركيز البيان بالأساس على إدماج المرأة بشكل كامل في صنع القرار في الحياة العامة، سواء على المستوى المحلي أو في الهيئة الدولية [1].

وكذلك في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي لعام 1995 أحد الوثائق الرسمية للجمعية العامة في الدورة الخمسين لم يرد ذكر الأسرة على مدار التقرير الذي بلغ تعداده 227 صفحة عبر أربعة عشر فصلاً، رغم تناوله لمسائل ذات صلة؛ كحقوق الإنسان، والنهوض بالمرأة، ودور المرأة في التنمية.. الخ [2].

والطامة الكبرى أنه حين اعترفت بعض المواثيق بالأسرة جانبها الصواب إلى حد كبير، حيث أتت بمصطلح الأسرة ضمن سياقات منفرة، إما عبر تصويرها كسجن يلعب فيه الرجل دور الجلاد، وتؤدي المرأة دور الضحية في سياق ما أطلقت عليه “العنف الأسري” وأرجعت ذلك إلى الأدوار الموكولة لكل منهما، سواء باسم الفطرة، أو الأديان، أو العادات، وطالبت بإعادة تقسيم الأدوار بدعوى إنصاف المرأة.

أو أن يتم استخدام مصطلح الأسرة ليضفي مشروعية على العلاقات خارج إطار الزواج، والعلاقات الشاذة.

أما عن السياق الأول/ إعادة تقسيم الأدوار داخل الأسرة:

من أبرز السياقات التي تناولت مفهوم الأسرة في الوثائق الدولية، عند الحديث عن أدوار الجنسين داخل الأسرة تحت مسمى “ديناميات القوة داخل الأسرة”، والتي تعني بالأساس رفع القوامة، واستبدالها بالشراكة: في التقرير الأممي الصادر عام 1985م بمناسبة تقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة، اعتبروا أن الحائل، والعقبة الكؤود أمام تمكين المرأة؛ هو جعل الرجل مسؤولاً عن الأسرة، وطالب التقرير الدول الأطراف بتغيير التشريعات [3]:

“إن التشريعات والأنظمة ذات الصلة التي تقصر دور العائل، ورب الأسرة على الرجل تعوق حصول المرأة على الائتمانات، والقروض، والموارد المادية، وغير المادية.

ويلزم إدخال تغييرات على هذه المجالات تضمن للمرأة المساواة في الحصول على الموارد، وهناك حاجة إلى استبعاد عبارات، مثل: “رب الأسرة”، وإدخال عبارات أخرى على درجة من الشمول تكفي للتعبير عن دور المرأة على نحو مناسب في الوثائق القانونية؛ ضمانًا لحقوقها”[4].

ولا يقتصر الأمر على مجرد مطالبة الدول الأطراف بتغيير التشريعات، وإنما الحث على إدخال تغييرات جذرية وشاملة على كافة أنظمة المجتمع، من أجل الوصول إلى وضع نهائي يتشارك فيه الرجل والمرأة في الإنفاق على الأسرة، ويتشاركا  أيضاً في المهام المنزلية، وعلى الدولة الطرف تمهيد المجتمع لتقبل بل وتشجيع الأدوار الجديدة والمعدلة للذكر والأنثى، وقد ورد في نفس التقرير:

“ينبغي إعطاء الأولوية لتوفير هياكل أساسية اجتماعية تمكن المجتمع من ..تحقيق تغييرات، في المواقف الاجتماعية تؤدي إلى قبول، وتشجيع أدوار للجنسين جديدة أو معدلة، وبحيث يمكن ممارسة هذه الأدوار، وينبغي إعادة النظر في الواجبات المنزلية، وفي مسؤوليات الوالدين” [5].

– السياق الثاني/ تقييد سلطة الزوج /الأب بدعوى القضاء على العنف:

في التقرير الذى صدر مؤخراً عن مجلس حقوق الإنسان في دورته  التاسعة والعشرين:

” ..حقوق المرأة مهددة بشكل خاص على الصعيد الأسري، فالأسرة هي مكان لاستمرار القيم التقليدية، وهي نابعة من الثقافة الأبوية، وتشكل مؤسسة أساسية للحفاظ على النظام الأبوي”[6].

وهكذا صارت الأسرة “نظاما أبويا”، وصارت قيمها من قوامة الرجل، وطاعة المرأة وما يترتب عليها من إذن سفر، وإذن خروج و… قيماً تعدها الأمم المتحدة “تقليدية” نابعة من ثقافة أبوية ينبغي التصدي لها، فهي متحيزة للرجل، وتهدد حقوق المرأة!

– السياق الأخطر: إضفاء المشروعية على العلاقات غير الشرعية والشذوذ:

ورد مصطلح الأسرة في الوثائق الدولية في سياق هو أخطرهم جميعًا، حين طالب بضرورة الاعتراف بوجود أشكال أخرى للأسرة، وهذا يعني ليس فقط الاعتراف بالشذوذ، والإباحية، وإنما تقنينهما عبر إعطاء الجميع نفس الحقوق من الضمانات الاجتماعية، والإرث، و… سواء بسواء.

ففي أواخر القرن الماضي دعت الوثيقة الصادرة عن مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية عام 1994م إلى إزالة كل عقبات وأشكال التمييز بين العلاقات السوية، والشاذة في الفصل الخامس منها، والذي جاء بعنوان “الأسرة وأدوارها، وحقوقها، وتكوينها، وهيكلها” مبحث كامل بعنوان: (تنوع هيكل الأسرة وتكوينها) من مواده:
“وينبغي أن تتخذ الحكومات إجراءات فعالة للقضاء على جميع أشكال الإكراه، والتمييز في السياسات، والممارسات المتعلقة بالزواج، وأشكال الاقتران الأخرى”[7].

وفي عامنا هذا تجددت الدعوات الأممية لترسيخ المضامين الشاذة وغير الشرعية ضمن مفهوم الأسرة، وصار الأمر أكثر وضوحا وفجاجة، حيث دعا مجلس حقوق الإنسان في تقريره الصادر 2 أبريل من هذا العام تحت عنوان: باء- الأسرة: الجوانب المفاهيمية والاجتماعية /1- إعادة تعريف الأسرة بإدراج منظور جنساني:

“هناك أشكال مختلفة للأسرة؛ وعلى سبيل المثال تشمل عبارة (أسر مختلفة) الأسر ذات العائل الواحد، والأسر التي ترعاها نساء، والأسر التي تجمع بين الأجيال، مثل:

الأجداد، والأسر التي يرعاها أطفال (مثل الأيتام أو أطفال الشوارع)، وأسر المثليات والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسانية، وحاملي صفات الجنسين، والأسر التي فيها تعدد الزوجات، والأسر غير التقليدية (من الزيجات المختلطة بين الأديان، أو بين المجتمعات المحلية، أو بين الطوائف)”[8].

ولا يغيب عن الوثائق الدولية أن تتفنن في اللعب بالمصطلحات، ففي حين تطلق على ما سنته الأديان، وتعارفت عليه الفطرة مسميات منفرة “تقليدي” “نمطي” فإنها تطلق على زواج المسلمة؛ من مسيحي، أو يهودي، أو حتى دين بشري، وليس سماوي  مسمى جاذب “غير تقليدي”.

وهي لا تطالب فقط بالتطبيع مع مصطلح الأسرة بالمفهوم الذي سنته الوثيقة، وإنما تطالب في البند التالي لما سبق ذكره بتقنين الإباحية، والشذوذ حتى يضمن أصحاب العلاقات غير الشرعية، والشواذ نفس الحقوق من إرث، وحضانة أطفال، ومعاشات.

“لا يحظى العديد من أشكال الأسر غير التقليدية السالفة الذكر باعتراف جميع الدول، وغالباً ما تعرَّف الأسرة في النظام القانوني كوحدة تقوم على الزواج بين رجل وامرأة، وتؤثر في حقوق الميراث، والملكية، وحضانة الأطفال، والمعاشات التقاعدية، والإعفاء من الضرائب، والخدمات الاجتماعية، وغير ذلك.

وتقتضي التشريعات، أو المؤسسات العامة في بعض الدول أن يكون الشخص الذي يبدأ أو ينهي معاملة رسمية واحدا من أفراد الأسرة الذكور، أو وصياً ذكراً، وبما أن اعتراف الدولة غالباً ما يكون شرطاً لتمكين الأسر من الحصول على الخدمات والإعانات، مثل: السكن، والحماية التي توفرها الدولة، أو جهات فاعلة غير حكومية، فإن عدم الاعتراف يؤدي إلى تهميش تلك الأسر”[9].

 وفي حين يطالب التقرير الأممي بفتح الباب على مصراعيه أمام الاعتراف بصور الاقتران غير الشرعية، وغير الطبيعية، وتقنينها فإنه يطالب بعدم الاعتراف بالزيجات الشرعية كتعدد الزوجات.

ففي التقرير سالف الذكر، وفي بندين متتاليين 25، 26 ورد أن:

“ويرى الفريق العامل أنه ينبغي توسيع نطاق مفهوم الأسرة وتعريفها القانوني في التشريعات الوطنية للاعتراف بالأشكال المختلفة للأسرة، والاعتراف بالأزواج من نفس الجنس، سواء كانوا رجالاً أو نساء، وبأشكال أخرى للأسرة هو ممارسة جيدة سبق أن طبقتها دول عديدة. وفي هذا الصدد، أكدت محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان أنه ينبغي ألا تحرم الأمهات المثليات من الحق في حضانة أطفالهن[10]“.

“ومع ذلك؛ فإن جميع أشكال الزواج ليست جديرة بالاعتراف، وقد دعا الفريق العامل إلى عدم الاعتراف بالزيجات التي فيها تمييز ضد المرأة و التي لا تضمن المساواة، والعدل للنساء، بغض النظر عن النظام القانوني، أو الدين، أو العرف، أو التقاليد.

وتشمل هذه الزيجات، من بين ما تشمل، الزواج المبكر أو القسري، والزواج المؤقت، وتعدد الزوجات”[11].

وهكذا وفقا للوثائق الدولية الزواج المبكر، وتعدد الزوجات لا ينصف النساء، و لا يضمن العدل لهن.
أما تقنين أسر غير شرعية، وأسر شاذة هو الذي يضمن للنساء حقوقهن !!

الحديث في هذا الشأن يطول، وما كنا نعدَه بديهيا صرنا بحاجة لتأكيده، وترسيخ معانيه بما يستلزم التنبيه على حقيقة هامة هي:
أن الارتباط بين معنى الأسرة في الشريعة الإسلامية، ومعناها في المواثيق هو ارتباط مسمى فقط، أما الحقيقة فمختلفة، ومتباينة تمامًا، فبينما تعني في الأولى رجل وامرأة بينهما رباط شرعي، تتسع في الأخيرة لتشمل أشكالا أخرى، سواء كانت طبيعية، أو شاذة، شرعية كانت أو خارج إطار الزواج.

فضلاً عن أن مفهوم الأسرة إذا تطابق في المواثيق والشريعة، فإنه سيكون مصحوبًا بمحاذير، وسلبيات إما التهميش، أو التنفير، والأخطر مساواتها بأشكال أخرى منحرفة.

ونحن نصر إصرارا على رفض أي شكل آخر للأسرة عدا هذا المفهوم: “الجماعة التي ارتبط ركناها بالزواج الشرعي، والتزمت بالحقوق، والواجبات بين طرفيها، وما نتج عنهما من ذرية، وما اتصل بهما من أقارب”[12].


[1] http://www.un.org/ar/documents/index.shtml

[2] http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N96/171/94/PDF/N9617194.pdf?OpenElement

[3]  في قوانين بلدان المغرب العربي لمزيد من التفاصيل انظر رد تونس على استجوابات لجنة السيداو عام 2003  تم استبدال عبارة (رب الأسرة) وحق الطاعة ب(الشراكة) http://www.arabhumanrights.org/publications/countries/tunisia/cedaw/cedaw-c-sr-566-03a.pdf

[4] الأمم المتحدة، تقرير المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة، والتنمية، والسلم، نيروبي، كينيا، 15- 26 تموز/ يوليه 1985، ص 106

[5] المرجع السابق، ص 46.

[6]  الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، 2 أبريل 2015، البند 3 من جدول الأعمال، تقرير الفريق العامل المعني بمسألة التمييز ضد المرأة في القانون والممارسة، البند 22.

[7] جوبه هذا المؤتمر بموجة عارمة من الانتقادات والتحفظات الواردة على الوثيقة، والتي تتعمد الهيئة الدولية تجاهل هذه الاعتراضات كأن لم تكن، بل تمضي قدما وبقفزات أعلى، لمزيد من التفاصيل حول الاعتراضات والتحفظات الواردة بشأن برنامج العمل وتحديدا الفصل الخامس المتعلق بالأسرة، انظر:
 العامة المعقودة في 12 سبتمبر .1994(A/CONF.171/L3) العامة في الجلسة تقرير اللجنة الرئيسية والبيان الذي ألقاه رئيس اللجنة فريد ساي (غانا)

[8] تقرير مجلس حقوق الإنسان، مرجع سبق ذكره، البند 23.

[9] تقرير مجلس حقوق الإنسان، مرجع سبق ذكره، البند 24.

[10] محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، قضية آتالا ريفو وبناتها ضد شيلي، الحكم المؤرخ 24 شباط/فبراير 2012 (الأسس الموضوعية والتعويضات والنفقات).

[11] تقرير مجلس حقوق الإنسان، مرجع سبق ذكره، البند 26.

[12] أكرم رضا، قواعد تكوين البيت المسلم، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004،ص50.

 

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريبًا..

8م-5م
جميع الفعاليات