تقارير: منظمة “مراقبة حقوق الإنسان” هي آخر من يتحدث عن حقوق الإنسان

سيدة محمود[1]

انتصف القرن العشرون مخلفًا ورائه حربًا عالمية أزهقت أرواح ملايين وشردت آخرين، وتنفست الشعوب الصعداء، ولاسيما شعوبنا بعد أن أدخلنا الغرب – رغم أنوفنا – حربا لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

خضنا معارك الاستقلال، ونما لدينا الأمل في أن نخوض غمار معارك التنمية؛ لننفض عن أنفسنا غبار التخلف الذي أصابنا جراء استنزاف البغي الاستعماري لثرواتنا، غير أن المحتل أبى أن يدعنا وشأننا، ليغرقنا في تمزقات ذاتية، وصراعات وهمية، تمتص طاقاتنا وتصرفنا عن المسار الصحيح، تارة على أساس العرق، وتارة على أساس الدين، وثالثة على أساس الجنس في “فوضى خلاقة”، تجعلنا ندور حول أنفسنا في حلقات مفرغة، ديدنه في ذلك الشعارات البراقة والأماني الخادعة.

خلع الغرب بزته العسكرية، وتسربل هذه المرة بدثارات إنسانية، فالمقاومة في هذا الشأن ستكون ضعيفة، فمن الذي يستطيع أن يرفض حقوق الإنسان!!

وبالفعل انتظمت الفكرة الحقوقية داخل المجتمع الدولي، وانعقدت عليها الكثير من آمال الشعوب، خاصة بعد أن اتخذت هذه الفكرة طابعا مؤسسيا، من خلال إنشاء آليات وهيئات دولية لحماية الحقوق والحريات في العالم.

لكن ما جرى على أرض الواقع جعلنا نبحث بجدية في جذور هذه الآليات، ومدى مصداقيتها في تناول العمل الحقوقي، لنشهد – وللأسف الشديد – مآس من الكيل بمكيالين، والنظر بعين واحدة، وتسييس للعمل الحقوقي، وتدخل في  شؤون الدول ذات السيادة، والتجرؤ على ثوابت الأديان السماوية، ومحاربة الفطرة الإنسانية السوية.

سوف نتناول واحدة من المنظمات “الحقوقية” الشهيرة، وهي منظمة هيومان رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان) كأنموذج، وذلك بمناسبة التقرير الذي عكفت على إعداده قرابة عام، شهد من الفظائع ولاسيما ضد النساء والأطفال ما يندى له جبين العالم الحر، من قتل وحرق وتشريد… لم تستنفر هذه المجازر المنظمة، بل استنفرها مشهد امرأة سعودية سئمت من جلب السائق الخاص لها القهوة لترتشفها، لأنها تريد الحرية كي تذهب هي بنفسها لشرائها[2].

بداية سوف نتناول المنظمة، ثم ننثني بالحديث عن التقرير الصادر عنها، ولنبحث أولا عن أصل تأسيس هذه المنظمة، ذلك أن البحث عن الجذور قد يفسر علة التحيز الرهيب داخل تقاريرها، ولن يحتاج المرء إلى بذل مجهود ذهني لتعقب جذور نشأة وتأسيس هذه المنظمات “الحقوقية”، وسير العاملين خلف مكاتبها، إذ يكفي النقر على أي اسم داخل أي منظمة في الشبكة العنكبوتية لتتوالى المعطيات، كاشفة عن تبادل للأدوار والمهام بين أجهزة المخابرات، وأجهزة صنع السياسة الخارجية الغربية من جهة، والمنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية من جهة أخرى، فالحبر الذي تملأ به التقارير حول بلداننا هو ذاته الحبر الذي تملأ به الجهات سالفة الذكر بياض أوراقها[3].

وقراءة مسارات «هيومان رايتس ووتش» “مراقبة حقوق الإنسان” يعطي الدليل على ذلك، فهذه المنظمة تأسست  في مدينة نيويورك عام 1978م لمراقبة مدى امتثال الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الشرقي للأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان، بالصورة التي خطها الغرب، وذلك أثناء الصراع الذي كان دائرا بين المعسكر الاشتراكي الشرقي والمعسكر الرأسمالي الغربي.

فور انهيار الشيوعية حل الإسلام محل الشيوعية عدواً للغرب (شرقيه وغربيه)، وبدأت تسمية الإسلام (العدو الأخضر) بعد أن غاب عن الوجود العدو الأحمر (الشيوعية)، وتحولت مهام المنظمة لمراقبة دول العالم الإسلامي والتدخل في شئونها بدعوى حقوق الإنسان، غاضة الطرف تماما عن الانتهاكات الحقيقية في بلدان أخرى، ولا عجب فقد كان يرأسها منذ إنشائها وحتى سنة 1999م روبرت برنشتين، وهو الآن رئيسها الشرفي وهو يهودي الديانة، بالإضافة إلى أن ممولها الرئيسي هو جورج سورس الملياردير اليهودي المعروف، فضلا عن أن “القائمين على هيومان رايتس ووتش، كينيث روث، وجو ستورك، وويتسن يتسمون بتحيز ممنهج يعكس بدوره بالضرورة تحيزا أصيلا داخل المؤسسة، ففي حين يهتمون ببعض القضايا، يغضون الطرف عن بعضها الآخر، ويدعمون ضحايا مجموعة معينة من الجرائم، ويتجاهلون محن أقوام آخرين، أي أنهم يتجاهلون تلك الجرائم التي تقع خارج نطاق معاييرهم الأخلاقية المحددة سلفا، أو تلك غير المدرجة على أجنداتهم الخاصة”[4].

أما عن التقرير الصادر عن المنظمة المذكورة، والذي تتهم فيه المملكة العربية السعودية بانتهاكات وتجاوزات وظلم للمرأة السعودية، فحسبي – دون الدخول في تفاصيل التقرير فهذا موضع حديث آخر- أن أسوق بعض الدلائل التي تبرهن على عدم مصداقية وصحة التقرير، وأنه تقرير ملفق صادر عن جهة يبدو تحيزها واضحا رغم ادعاءاتها الموضوعية والعلمية.
أولا: أن كافة ما ورد بالتقرير وتم التعامل معه باعتباره “حقائق” كالوا على أساسها الاتهامات للمملكة بكافة أجهزتها، يخلو من أسانيد ومن إحصاءات أو بيانات أو أدلة.

إن هو إلا شهادات لا يعلم أحد مدى صحتها، وقد تكون مفبركة مع كلمات تشكيكية مثل (يبدو أن، نعتقد أن، …) ولم تسجل أي فقرة فيها إقرارا بوجود انتهاك أو تأكيدا على تجاوزات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم مصداقية التقرير من الناحية القانونية والسياسية.

ثانيا: لقد استندت المنظمة في تقريرها إلى بعض تقارير شخصيات لا يعلم عنها أحد، ولا تحمل أي صفة للمصداقية، زودتها بالمعلومات والبيانات غير الصحيحة وغير الموثقة.

ثالثا: الدليل الصارخ على تحيز هذه المنظمة أن المقابلات والاتصالات لم تكن إلا مع أناس لا يرون  إلا بعين واحدة لمعلومات ومقاطع لحالات يرفضها المجتمع، ويطالب بمواجهتها بسن قوانين رادعة، ويتم التغاضي عن النماذج المتميزة لعموم الآباء والأزواج والإخوة والأبناء الأسوياء، الذين تزخر بهم المملكة، ويشهد بها القاصي والداني، ممن يتسنى له الإقامة بالبلاد لعمل أو زيارة أو …

رابعا: كما أن المنظمة استندت في تقريرها إلى بعض الشهادات التي لا يتجاوز عددها 61 شخصاً، من واقع 27،136،977  شخص[5] في المملكة، ومن هؤلاء الواحد والستون شخصا  سبع نساء، يا للعجب تقرير يطلق على نفسه صفة “الدولية” و”العالمية” عن المرأة يعتمد على مقابلة سبع نساء من جملة 13 مليون امرأة سعودية  بالمملكة، الأمر الذي يعكس واقعا حقيقيا عن ضعف هذا التقرير، وأنه لا يمكن الأخذ به كمؤشر أو مقياس للممارسات التي ذكرها التقرير.
خامسا: عجز التقرير عن ذكر أسماء الشهود للتحقق من مصداقية شهاداتهم التي أدلوا بها للمنظمة، مما يفقده الصفة القانونية الشفافة، وفي هذا يحق للمعنيين في المملكة الطعن في التقرير وفي صحة البيانات التي جاء بها، ومقاضاة من أعده قانونيا، وتحميل المؤسسة المسؤولية الكاملة عن كل صغيرة وكبيرة جاءت في التقرير هي مغايرة للحقيقة، و إلزامها قانونيا وأخلاقيا بالاعتذار رسميا وسحب تقريرها الكاذب.

سادسا: وهو الأخطر، تعلن المنظمة في منهجيتها للتقرير بأنها ضمن من قابلته للتدليل على الانتهاكات بشأن حقوق النساء امرأة مثلية.

وهذا تمهيد لخطوة تالية تنبئ عن تقرير قادم تطالب فيه المنظمة بحق الشواذ داخل المملكة، كما فعلتها سابقا مع بلدان محافظة أيضا كالمغرب، عندما طالبت وزير العدل والحريات المغربي بالتوقف عن الإدلاء بتعليقات تعادي المثلية، رغم أن هذا الأخير صرح فحسب بأن المثليين مطالبون بعدم استفزاز المجتمع، مؤكدًا أنه يفضل تقديم استقالته على السماح  بالمثلية، ومناديًا المثليين بإجراء عمليات جراحية تجعلهم يعيشون جنسهم.

بل وطالبت بأن يرفع المغرب التجريم عن هذه الممارسات، وعن كل أشكال العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين الحقيقين، وأن يلغي الفصل 489 من القانون الجنائي، الذي يعاقب على المثلية بعقوبة حبسية قد تصل إلى ثلاث سنوات، مبرّرة ذلك بأن المغرب يشهد “نظام عدالة يرفض المحاكمة العادلة”، و “يميز اجتماعيًا بين المثليين”، زيادة على “خرقه لمواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان التي صادق عليها”، فضلا عن تعارض هذا التجريم مع “تفسير الدستور المغربي الذي يحث على احترام الحياة الخاصة”[6].

وكذلك فعلت في الإمارات حين طالبت في تقريرها السنوي الجديد، باحترام حقوق المثليين والمثليات في دولة الإمارات[7].

كما طالبت المنظمة المذكورة السلطات المصرية بعدم استهداف الشواذ بسبب ميولهم الجنسية، وحثت الجهات المانحة للمعونات على الضغط على القاهرة كي تستجيب لمطالبها[8].

إن علامات التسييس واضحة في إصدار التقرير من قبل المنظمة الأمريكية التي تدعي أنها حقوقية وغير منحازة، ولعل الأمر الذي يبرهن على صحة ذلك الأسئلة التالية: لماذا أصدرت المنظمة هذا التقرير في هذا الوقت بالذات؟ وماهي الدوافع التي تقف وراء إصداره؟ أتريد تخفيف الضغط على الكيان الصهيوني وما تفعله بحق الفلسطينيات وتحويله الى الحكومات العربية المحيطة، أتريد شغل العرب بأنفسهم بقضايا صراعية كي لا يطالبوا بأبسط حقوق النساء وهو حقهن في الحياة؟

إننا كمسلمات ينبغي علينا رفض هذا التقرير شكلا وموضوعا، جملة وتفصيلا، فقطار كيل الاتهامات لنا لن يتوقف عند هذه المحطة، بل سيستمر سيره – إن لم نوقفه – حتى يهدم كافة ثوابتنا الشرعية، فالمطالب الحالية ليست بإصلاح بعض الجوانب التي قد يتعسف فيها بعض الرجال، وإنما المطالبة صراحة بإلغاء منظومة الولاية بالكامل على حد ما ورد بالتقرير “ما لم تُلغ السعودية نظام ولاية الرجل بالكامل، ستبقى مخالفة لالتزاماتھا الحقوقية”، كما أن المطالبات التي وردت في خاتمة التقرير تظهر بجلاء مدى سيطرة المعايير الغربية على توجهات المنظمة، وتؤكد تجاهلها للخصوصيات الثقافية والاجتماعية لمجتمعاتنا العربية، وهو ما سوف نوضحه بمزيد من التفصيل في تحليل مضمون التقرير في المقال القادم إن شاء الله.


[1] باحثة سياسية، وعضو بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقًا.

[2] واحدة من الوقائع التي سردها التقرير الصادر عن المنظمة كعينة من الأدلة على انتهاكات حقوق المرأة السعودية.

” ليس سھلا أن تقولي إنك تنعمين بالحياة، أنت فقط على قيد الحياة… للقيام بأبسط الأشياء، مثل فتح الباب والذهاب إلى العمل… عليّ الاتصال بالسائق ليجلب لي قهوتي. أريد الخروج بمفردي لإحضار قهوتي والعودة إلى ھنا”:

ھيومن رايتس ووتش، تقرير بعنوان ” كمن يعيش في صندوق: المرأة ونظام ولاية الرجل في السعودية” نيويورك، ھيومن رايتس.

ووتش، 2016، ص23.

[3] لمزيد من التفاصيل حول تبادل الأدوار بين شخصيات أجهزة صنع السياسة الخارجية الغربية والعاملين بالمنظمات الحقوقية  انظر هذا الرابط:https://goo.gl/a6ZM3B

[4] نور ساندرسون، شبهات أخلاقية حول “هيومان رايتس ووتش” ، مجلة الدراسات الأمنية بوسط أوروبا، ( سنترال يوروبيان جورنال آن انترناشونال آند سيكورتي ستديز)

في:https://goo.gl/NkJD1Z

[5] مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات بوزارة الاقتصاد والتخطيط ، المملكة العربية السعودية ، التعداد العام للسكان والمساكن للعام 1431هـ:http://www.alriyadh.com/579235

[6]http://arabic.cnn.com/world/2015/07/15/hrw-morocco-gay

[7] http://www.alnilin.com/12747316.htm

[8] http://www.albawaba.com/ar/

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

(بناء الهوية في ضوء السيرة النبوية) مع أ‌.عبدالله عادل

4 - 9 مساءً
جميع الفعاليات