مع اقتراب انتهاء دور الانعقاد الرابع تعديلات الأحوال الشخصية حائرة بين البرلمان و«قومي المرأة» و«الأزهر»

اشتعل الجدل حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية، خاصة بعد خروج مشروع القانون الذي أعده الأزهر الشريف وأقرته هيئة كبار العلماء للنور، وعبر عدد من النواب عن استيائهم الشديد من عدم رد الأزهر على مشروعات القوانين المقدمة منهم إليه لابداء الرأي الشرعي فيها، وخروجه بمشروع قانون مستقل له، مؤكدين أن الأزهر ليست مؤسسة تشريعية حتى يقوم على إعداد مشاريع القوانين.. فى حين رأى أخرون أن مقترحات الأزهر استرشادية وليست ملزمة لمجلس النواب، وأنه يتعين على المؤسسة الدينية أن تسلك المسارات القانونية فى تقديم تلك المقترحات إلى مجلس النواب، وبحسب ما أقرته لائحة البرلمان، يتعين على تعديلات الأزهر لكى تصبح مشروعا بقانون، أن تقدم إلى مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية عبر 3 حلقات، إما أن يتبنى تلك التعديلات أحد النواب ويجمع لها ما يعادل توقيع 60 نائبا، أو أن يتبناها مجلس الوزراء ويقدمها كمشروع قانون من الحكومة للبرلمان، أو يقدمه رئيس الجمهورية كمشروع قانون. ومن ناحية أخرى، أعلن المجلس القومي للمراة تمسكه بمشروع القانون الذي تم إعداده على مدار أكثر من عام ونصف، تم خلاله تشكيل لجنة صياغة، مكونة من اللجنة التشريعية بالمجلس بشراكة بعض الخبراء والمتخصصين ورجال القضاء.
وقامت اللجنة بمراجعة ودراسة قوانين الأحوال الشخصية للدول العربية والإسلامية المقارنة، للاستفادة من الخبرات الايجابية للدول العربية الأخرى، كما قامت اللجنة بعقد العديد من جلسات العمل وجلسات الاستماع، واجتماعات مع العديد من الجهات المعنية والمجتمع المدني، وتم الخروج من تلك الجلسات بآراء ومقترحات تم وضعها فى الاعتبار أثناء الإعداد لمسودة مشروع القانون.
مشروع قانون الأزهر
كانت هيئة كبار العلماء قد انتهت من المراجعة النهائية لمواد مشروع قانون الأحوال الشخصية، الذي أعدته لجنة شكلها شيخ الازهر فى 18 أكتوبر 2017لإعداد مقترح مشروع القانون لتعديل بعض أحكام القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية، لضمان توسيع نطاق الحفاظ على حقوق الأسرة المصرية، عبر تجميع جميع القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية فى قانون واحد. وأبرز ما تضمنه مشروع القانون – البالغ عدد مواده 192 مادة، والذى سيحال إلى مجلس الوزراء، لتتم مراجعته مع مشروعات القوانين المقدمة من الجهات المختصة الأخرى لإقراره، تمهيدا لإحالته إلى مجلس النواب – تنظيم فوضى استخدام حق الطلاق، وتوضيح الأسباب التى تمنحه للزوج، مثل الكره والبغضاء الذى يدفع الشخص للانحراف والتجاوز فى حق الطرف الآخر، أو شك الزوج فى أخلاق زوجته وسلوكها، مع إلزام المطلق بمنح نفقة متعة لزوجته، ونفقة لتربية أولاده، فضلا عن توفير جميع متطلباتهم من مأكل وملبس ونفقات الدراسة وخلافه.
توثيق الطلاق
ومشروع القانون يتضمن نصوصا تشدد على ضرورة الالتزام بتوثيق الزواج، ومنع زواج العرفي واعتباره مثل جريمة الزنا، وكذلك إلزام المطلق بتوثيق الطلاق خلال فترة قصيرة من إيقاعه، وإلا تعرض للعقاب، حتى لاتضيع حقوق الزوجة، فضلا عن عدم عقد قران البنت قبل سن 18 عاما، مع ثبوت حقها فى اختيار من تريد الزواج به، وأحقية المرأة فى النفقة التى يقرها القاضي طبقا للحالة الزوجية للرجل.
حق الرؤية
وبالنسبة لحق الرؤية، أكد المشروع أنها تعد حقا شرعيا وقانونيا للأب، لا يجوز منعه منها، على أن تعاقب الأم التي تمنع ذلك، أما إذا أراد الأب استضافة ابنه أو ابنته لمدة معينة، كأسبوع أو شهر على سبيل المثال، فيجب أن يكون ذلك بالتراضي، حتى تضمن الأم أن الأب سيعيده بعد الفترة المتفق عليها.كما تضمن المشروع تحديد سن حضانة الأم لطفلها بـ 15 عاما، وفى حالة زواجها تنتقل الحضانة لأمها، وإن لم تكن لها أم فتنتقل لأم الأب.
حق الطفل
ومن المواد التي يشملها مشروع القانون أيضا، حق الطفل، والذى يبدأ قبل ولادته منذ أن كان جنينا فى بطن أمه، وحق رعايته وحرمة الاعتداء عليه وعلى حياته بأى أذي، بالإضافة إلى تجريم زواج الأطفال، والزواج القسري، وختان الإناث، وعمل الأطفال، واغتصابهم، واستغلالهم فى النزاعات المسلحة والاتجار بهم. وحول القضاء على فوضى تعدد الزوجات والمشكلات المترتبة عليه، قيد المشروع هذا الحق للزوج، كرخصة مشروطة بعدة شروط، منها العدل بين الزوجات.
ويحدد المشروع آلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، لسرعة الفصل فى القضايا، لاسيما نفقة الزوجة والطلاق والخلع وحضانة الأطفال عند انتهاء الزواج، وتقديم مصلحة المحضون، وإنصاف الأم والأب، وتمكين كل منهما من رؤية المحضون ومتابعته فى الدراسة والمعيشة واختيار نوع الدراسة والمتحمل لنفقاتها، فضلا عن مشكلات إثبات نسب الأبناء والاعتداد بالوسائل العلمية الحديثة لإثبات النسب أو نفيه عند التنازع.
مقترحات نواب البرلمان
وكان النائب «محمد فؤاد» رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد قد تقدم بمشروع قانون اثار جدلا واسعا خاصة لدى المجلس القومي للمرأة، حيث طالبت التعديلات تخفيض سن الحضانة من 15 سنة إلى 9 سنوات، وأن تعطى الولاية التعليمية للأب،ويقوم على مبدأ الاستضافة.
كما تقدمت النائبة «عبلة الهوارى» عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب بمشروع قانون لتعديل قانون الأحوال الشخصية. ويتضمن التعديل الذى قدّمته تنظيم العلاقة الزوجية منذ بدايتها، بدءاً من الخطبة، ثم مرحلة الزواج، وكذلك إذا وقع الطلاق أو التطليق أو الخلع، وتتيح التعديلات حق الاستضافة بأمر من القاضى وتحت إشراف وزارة الداخلية، على أن يتم تحديد مدتها، وتكون فى منزل الجد، أو إذا رغب الصغير فى غير ذلك، بعد سؤال القاضى له، وتضمنت التعديلات وضع الطفل المحضون فى قوائم الممنوعين من السفر، وشدّدت على ضرورة مراجعة آليات صرف النفقة للمطلقة، وذلك وفقاً لحالة الزوج.
المادة 20
وتقدمت النائبة «هالة أبو السعد» رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المحافظين، بمشروع قانون لتعديل نص المادة 20 من قانون الأحوال الشخصية، بحصر الحضانة فى الأب والأم فقط، ويستند إلى رؤية القاضي فى تحديد الأصلح، كما استحدثت تنظيم الاستضافة، وإقرار عقوبات حبس وغرامة على مخالفة مواده، تتضمن نقل الحضانة،وأقرت التعديلات أن فى حال وفاة أحد الطرفين تكون الحضانة للطرف الآخر، و استحدث المشروع تنظيم الاستضافة بالنص على أنه يكون للطرف غير الحاضن الحق فى استضافة الصغير أو الصغيرة يومين فى الأسبوع، ومناصفة في الإجازات الرسمية وفى حال أن الأب هو طالب الاستضافة يشترط الإلتزام بالنفقات المقررة عليه او المتفق عليها.
مشروع قومي المرأة
المجلس القومي للمرأة اعلن مؤخرا عن أهم الملامح الرئيسية لمشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة الذى أعده وحرص فيه على الحفاظ على مبادئ ثابتة، تتمثل فى أنه قانون يحمي الأسرة واستمرارها ويعظم فرص زيادة الترابط الأسري، ويحمى حقوق المرأة ويضمن حصولها عليها، بالإضافة إلى مراعاته المصلحة الفضلى للطفل.
وتضمن مشروع قانون المجلس العديد من البنود أهمها وضع تعريف مفصل لكل ما يرتبط بمراحل انعقاد الزواج بمشروع القانون من بينها الخطبة، ومنح مهلة اختيارية لتوثيق عقود الزواج العرفي خلال 5 سنوات من تاريخ نفاذ القانون، وعدم السماح بسفر الأبناء للخارج إلا بموافقة الوالدين أو بإذن القاضي، وتغليظ العقوبات الجنائية على الزوج حال تراخيه فى إثبات الطلاق، فضلا عن إنشاء مراكز دعم الأسرة فى المحافظات لمتابعة ومراقبة تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية بشأن الحضانة والرؤية، وأهلية الزواج للزوجين 18 عاما، مشروع القانون يلغى مسألة إنذار الطاعة كآلية إجرائية لإثبات نشوز الزوجة.
وشدد المجلس على أن مشروع قانون المجلس جاء نتيجة عمل وجهد متواصل على مدى عام ونصف العام، وأكد عدم تغيير سن وترتيب الحضانة، إلى جانب استحداث مادة لمواجهة الزواج العرفي بما يمثله من إهدار لحقوق المرأة، كما يقر المشروع بأحقية من طلقت بعد زواج دام أكثر من 20 عاما تعويضا إضافيا.
غير مطروح
ومن جانبها اكدت د»آمنه نصير»استاذ العقيدة والفلسفة وعضو مجلس النواب أن تعديلات الأزهر على قانون الأحوال الشخصية لم تصل إلى البرلمان حتى هذه اللحظة، وغير مطروح فى الخريطة العامة مناقشته فى الجلسات العامة خلال الأيام القادمة، مشيرة إلى اننا نطالب منذ فترة طويلة بتعديل قانون الأحوال الشخصية من أجل الحفاظ على سلامة واستقرار المجتمع المصري ككل.. و أوضحت أننا نحتاج إلى رفع كفاءة الرجل المصري وقت الغضب مع أهل بيته،ولابد أن يتعلم القانون الإلهي «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، إلا أن العناد يدفع الرجل إلى الإمتناع عن الإنفاق على أولاده و إفساد الأبناء لإذلال الزوجة، والمرأة لابد أن تتمتع بالأخلاق في حالة الطلاق وتتذكر الفضل بينهما فى هذه الحالة نضمن المصلحة الفضلى للاطفال ونحفظ كيان الأسرة.
فلسفة القانون
ومن جانبها طالبت د»ثريا عبد الجواد» أستاذ علم الاجتماع السياسي بضرورة تعديل قوانين الأحوال الشخصية بعيدا عن الأراء الفقهية التي تمتد إلى ألف عام للوراء ولم تعد مناسبة لما حدث من تطور لظروف المرأة المصرية..فنحن نحتاج قانون يقوم على العدل والمساواة بين الرجل والمراة وأوضحت أن كل المشكلات الناتجة عن القانون الحالي سببها فلسفة القانون القائمة على مبدأ القوامة للرجل ومشروع الازهر لا يختلف كثيرا عن هذه الفلسفة حيث أن اعضاء اللجنة المنوط بها وضع التعديلات هم اصحاب المنظور الثقافي للمستوى الديني وهذا المنظور يقف عائقا أمام تغيير القانون خاصة وأن نظرة أصحابه قائمة على التمييز وتفوق الرجل، وبالتالي ستدور التعديلات في فلك أن الرجل له القوامة، ويملك حق الطلاق ومن حقه تعدد الزوجات.
وتابعت: إذا نظرنا إلى التدرج التشريعي لقوانين الأحوال الشخصية منذ عام 1920 وحتى الآن، نلاحظ أن كل التعديلات لا تمس جوهر القانون فهي تدور فى إطار أن المراة في درجة أدنى من الرجل، فالتعديلات لا تغير فى العلاقات بين الرجل والمرأة ولكن التغير يكون في الروابط القانونية وتدور في أربع نقاط أساسية وهي النفقة والتعدد والرؤية والحضانة.
وأضافت مهما بذلت لجنة كبار العلماء من جهد في تعديلات القانون فسوف تظل قضية التعدد قائمة، وسيظل الرجل له حق الولاية والقوامة مشيرة الى أن مقترح الازهر يحرم الام من حضانة ابنها اذا تزوجت باخر رغم أن هذا لا يحدث فى حالة زواج الاب لا يسقط عنه حق الحضانة، فهيئة كبار العلماء ترى أنه من الأفضل أن يعيش الطفل مع زوجة أبيه على أن يعيش مع زوج الأم..
وأكدت أن فلسفة القانون القديم هي القائمة في تعديلات الأزهر فلا يمكن أن تسيير التعديلات فى إتجاه رفض القوامة وتعدد الزوجات والولاية على الطفل.. ولكن كل ما فعلوه هو تحسين في العلاقة بين الرجل والمرأة وليس تغيير فى العلاقة، وبالتالي سيظل الرجل هو المتفوق على المرأة.
قانون الحكومة
واوضحت د»هبة هجرس»عضو البرلمان وعضو المجلس القومي للمراة أن قانون الأحوال الشخصية من القوانين المهمة مشيرة الى أن تأجيل مناقشة القوانين المطروحة على البرلمان ليس بسبب تجاهل البرلمان، ولكن نظرا لعدم إرسال الحكومة مشروعها الخاص بتعديل قانون الأحوال الشخصية فالحكومة لم تقدم مشروع قانون حتى الآن، رغم أنها اعلنت بأن لها مشروع قانون، ولذلك نحن فى انتظار مشروع القانون، لأن مناقشة القوانين دون مناقشة قانون الحكومة سيكون بمثابة جهد ضائع وسيتم إعادة المناقشات مرة أخرى بعد إرسال مشروع الحكومة، وهذا ما حدث عند مناقشة قانون الأشخاص ذوى الإعاقة.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء الثقافي الثالث: “قراءة نقدية لكتاب عصر الفراغ” مع أ.سليمان الناصر

8م-5م
جميع الفعاليات