اتحاد العمل النسائي في المغرب يدعو إلى ضرورة المعالجة العميقة لقانون الأسرة

عادت الأوساط المهتمة بمسألة المرأة بالمغرب إلى إثارة مدونة الأسرة التي تمت المصادقة عليها قبل 15 سنة بعد نقاش، كان ساخناً أحياناً، حول وضعية المرأة والأسرة، في ظل التحولات التي عرفها المغرب، وكذلك على المستوى الإنساني، بعد أن باتت مسألة المساواة وعدم العنف ضد النساء مسألة عالمية وأحد مقاييس حقوق الإنسان والحريات.
ودعا اتحاد العمل النسائي الذي نظم، السبت، ندوة في الرباط حول «الترافع من أجل قانون أسري يضمن الملاءمة والمساواة» إلى ضرورة المعالجة الشاملة والعميقة لمدونة الأسرة في كل جوانبها، بما فيها المتعلقة بالعلاقات المالية بين الزوجين، وأحكام الكتاب السادس المتعلق بالميراث وكل ما يتعلق بمسطرة المطالبة به.
وشددت الجمعية في تقديم للندوة التي حضرتها «القدس العربي» على أن مدونة الأسرة بعد اعتمادها لمدة 15 سنة اتضح أنها لم تنجح في القضاء على التمييز والحيف ضد النساء، والمكتسبات التي جاءت بها أغلبها ذو طابع معنوي، كالمساواة بين الزوج والزوجة في رعاية الأسرة، والمساواة بينهما في بعض الحقوق والواجبات، وحق المرأة الراشدة في تزويج نفسها، وإعطاء الزوجين إمكانية تحرير عقد مستقل خاص بتدبير الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
وقال محمد الساسي، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد (يسار)، إنه رغم كثافة الإصلاحات القانونية لصالح المرأة لم نصل بعد إلى نتائج محمودة، ويستمر المحافظون في النجاح وإفراغ هذه الإصلاحات من مضمونها، وإن نتائج مدونة الأسرة لم تكن بما هو مأمول، رغم مسار الانفتاح الذي بدأه العهد الجديد، والذي لم يؤد إلى انتقال ديمقراطي.
وأوضح أن الظرفية الحالية تتسم بعودة الملكية التنفيذية، واستمرار الإصلاح بدون ديمقراطية، والانتصار للخبرة التكنوقراطية على حساب الخبرة الحزبية، وتفضيل المجتمع المدني على الأحزاب، وأكد أن المرحلة التي يمر منها المغرب الآن تتميز بإغلاق قوس الانفتاح والديمقراطية.
وقال إن ثلاث حروب خيضت ضد مدونة الأسرة، الأولى إعلامية عن طريق أغان وسكيتشات، من قبيل (المدونة ضسرات (جعلها غير مطيعة ومتمردة المرأة) وكل هذا كان من أجل تبخيسها، والحرب الثانية كانت حرب تأويل قدمت خلالها فتاوى فقهية تجاهلت مضمون مدونة الأسرة، والحرب الثالثة كانت قضائية بامتياز استغلت بعض الثغرات في المدونة لتحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهذا ظهر بشكل كبير في مسألة زواج القاصرات، الشيء الذي أدى إلى تعطيل الشروط الموجودة في نصوص المدونة.
وتطرق الساسي في مداخلته للأرقام المقلقة للعنف ضد النساء، والتي أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن 63 في المائة من النساء تعرضن للعنف، موضحاً: «كان من المفروض أن يؤدي القانون إلى تراجع العنف وليس العكس»، وقال إن دستور 2011 اعتبر انتصاراً للمرأة، لكن شيئاً فشيئاً بدأت تظهر عيوبه، وعلينا أن لا ننسى أنه حتى الدساتير السلطوية قامت بتعداد حقوق النساء، وعوض أن يكون الدستور أداة لتقييد المشرع العادي، فالذي حصل هو أنه أصبح هو بنفسه أداة في يد المشرع العادي».
وقال القيادي اليساري: «إن القوانين تتجه أحياناً للمطالبة بالحماية بقوانين تدخل في إطار الزجر القانوني، وهذا فخ علينا أن لا نسقط فيه، لأنه يدخل ضمن مقاربات اليمين المتطرف، لأن الأداة الجنائية ضرورية لن يوصلنا إلى ضمان الحقوق، والعنف ضد المرأة يجب أن لا نواجهه بعنف جنائي مضاد»، وأكد أن الترسانة القانونية الخاصة بحماية النساء وقع فيها تطور جوهري، لكن النتائج بقيت محدودة، لأن تعليم المرأة وتمكينها اقتصادياً هو الأساس.
وشدد الساسي على أنه «في الظرفية السياسية الحالية المتسمة بفشل صفقة التحالف بين الإسلاميين والقصر، وفشل النموذج التنموي، وتراجع دور المؤسسات، ووجود أزمة صامتة غير معلنة داخل النظام والهوة بين الشارع والمؤسسات، إضافة إلى وجود شيء ما يتحرك في جوف المجتمع، فإن القوى المحافظة تتراجع وأصولية النظام في أزمة لأنه لم يعد قادراً على إخفاء تناقضاته، وأنه ولهذه الأسباب كلها يجب خلق جبهة جديدة من النساء والجمعيات والإطارات للنضال من أجل دستور انتقالي يضمن دسترة بعض البنود المتقدمة في مدونة الأسرة، ويصل إلى حل في مسألة الإرث يضمن إمكانية العودة إلى الوصية».
وقال أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية بالرباط، إنه من الطبيعي إعادة النظر في الثغرات والفجوات التي ظهرت على مدونة الأسرة بعد مضي 15 سنة من اعتمادها. وأنه في السنوات التي مرت تطورت مجموعة من الأشياء، ومن الطبيعي إعادة النظر في بعض جوانب المدونة، «نختلف في بعض المطالب لكن من حيث المبدأ فإن مضي 15 عاماً يقتضي مراجعة مدونة الأسرة».
وأوضح أن المشرع ليست له عصاً سحرية حتى يلبي مطالب الجميع، فمسألة الإجهاض والإرث يحاول فيها المشرع أن يأخذ العصا من الوسط بالنسبة لكافة التيارات الفكرية والمجتمعية، و»ليس بمقدور المشرع أن يرضي الجميع في مسألة الإجهاض أو الإرث، والأمور جميعها نسبية والاختلاف صحي ويجب أن يبقى».
وقال السوسيولوجي عبد الصمد الديالمي إنه يجب الانتهاء من ربط مدونة الأسرة بالشرع الإسلامي. وفي مسألة النفقة ينبغي اعتبار قيام المرأة بالأعمال المنزلية نوعاً من النفقة أيضا، لأن الشرع لا يلزمها بذلك، إذن فالزوج ينفق بماله، وهي بساعدها.
وأبرز الديالمي أنه لا بد من المطالبة بتغيير الفصل الذي ينص على إلحاق الطفل غير القانوني بشكل اختياري للأب البيولوجي، بحيث يصبح الإلحاق أمراً إجباريا بالنظر إلى الدليل العلمي، وأوضح: «بالنسبة لتغيير مدونة الأسرة، فإن النساء البرلمانيات المطلوب منهن الترافع في هذا الموضوع لا يشكلن قوة نسوية، فكل واحدة منهن تتكلم وتحضر إلى البرلمان بصفتها الحزبية أو النقابية، وليس بوصفها امرأة معنية بقضايا النساء في وطنها».
وأشار أستاذ علم الاجتماع في جامعة فاس إلى أن الكل يشكو من العنف ضد النساء والذي قدر حسب الأرقام بأن 63 في المائة من النساء المغربيات تعرضن للعنف، وهذا الرقم يظهر للوهلة الأولى أنه مهول، لكن في حقيقة الأمر فإنه تراجع، لأن العنف المبني على النوع الاجتماعي بالمغرب قديم ويصل إلى 100 في المائة.
وأكد الديالمي أنه يقرأ هذا الرقم بشكل إيجابي، لأن ثقافة تعنيف المرأة في المجتمع المغربي متجذرة، وبفضل نضال الجمعيات النسائية تراجعت، وشدد على أنه «بالمغرب ما زلنا في إطار قانون أبيسي يحاول قدر المستطاع تنظيم الأسرة النووية، وهذا تناقض كبير، لأن الأسرة النووية هي أسرة مساواتية تحتاج إلى قانون مساواتي بشكل كامل.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريباً

جميع الفعاليات