ريم بن كرم: فرص تاريخية للارتقاء بالمرأة اقتصادياً

أكدت ريم بن كرم مديرة مؤسسة نماء للارتقاء بالمرأة أن هذه المرحلة تحمل من المستجدات ما يجعل منها فرصة تاريخية فريدة لتمكين المرأة والارتقاء بالشراكة النوعية الفاعلة في مختلف القطاعات الاقتصادية التقليدية والحديثة.
وأشارت إلى أن المستجدات التي تشمل ثلاث ساحات جغرافية هي المحلية والعربية والعالمية، تتوزع بين السياسات والقرارات السيادية الإماراتية، والتحولات الجيوسياسية العربية، والتبدل في مراكز القوى السياسية وتنامي تأثير الاقتصادات الناشئة عالمياً، واعتبرت أن اقتناص هذه الفرصة سيشكل إضافة للمجتمع والاقتصادات المحلية والعالمية. وفيما يلي تفاصيل الحوار:
* ما الذي يعنيه التمكين الاقتصادي للمرأة في دولة الإمارات، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نسبة النساء المتعلمات والعاملات في القطاع العام وحصتهن من التوطين في القطاع الخاص تفوق نسبة الرجال؟
– الإجابة عن هذا السؤال تضع مفهوم تمكين المرأة في سياقه الصحيح، فهذا المفهوم يختلف من بلد لآخر وباختلاف مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي.
ويمكن أن نبدأ بحقيقة أن الارتقاء بالمرأة داخل الإمارات لا يحقق فقط مصالح المرأة في الشراكة الاقتصادية الكاملة، بل يحقق مصالح المجتمع ويعزز من ناتجه الإجمالي ومن استدامة العمليات الاقتصادية ويمده بأفكار وروح جديدة نحن في أمس الحاجة إليها. ومن ناحية ثانية، رسخت مسيرة الارتقاء بالمرأة التي آمن بها ودعمها قادة الإمارات من قيمة الفرد في مجتمعه ورفعت حسه الوطني والإنساني لكونه شريكاً في مواجهة التحديات وفي صناعة الازدهار لبلده.
ارتقاء بالثقافة المؤسساتية

والتمكين الاقتصادي هو استكمال للتمكين الاجتماعي، ونحن نريده أن يتجه أيضاً نحو القطاعات الخاصة بنفس قوة القطاع العام، وهذا يعني أولاً الارتقاء بنوعية شراكتها الاقتصادية وليس فقط بالتمثيل العددي، وثانياً، تمكين المرأة والارتقاء بدورها يعني الارتقاء بالثقافة المؤسساتية وثقافة البنية الاقتصادية بشكل عام والتطويرات التشريعية التي تساهم في رفع مساهمة المرأة في صنع القرار وتحديد توجهات الاقتصاد، وهذه القضية تتعلق بالقطاع الخاص على وجه التحديد، وانعكاساتها على المجتمع بأكمله.
وهنا أشير إلى الدراسة التي صدرت عن مؤسسة «نماء» للارتقاء بالمرأة ومبادرة «بيرل».. وتناولت تأثير بيئة الأعمال كمحفز أو تحدٍ لعمل المرأة، حيث تشير الدراسة إلى أن 71%من العاملات في مؤسسات القطاع الخاص يؤكدن أن العامل الرئيسي لتطورهن المهني يتجسد في تبني مؤسساتهن سياسات داعمة للنساء للعاملات. إذ لا يمكن الفصل بين العدالة في الفرص للرجل والمرأة في القطاع الخاص، وبين عدالة التوجه الاقتصادي الشامل ومستوى النزاهة والشفافية التي تحتاج اليها المؤسسات لاستدامة أعمالها، فالعدالة مبدأ واحد لا يمكن تجزئته.
هل لك أن تخبرينا أكثر عن هذه المتغيرات على المستوى المحلي وكيف تشكل فرصة لشراكة المرأة في الاقتصاد؟
– العالم بأكمله يمر اليوم بمرحلة انتقالية على الصعيد الاقتصادي، هذه المرحلة التي سيكون لها انعكاسات اجتماعية هامة تتمثل في بروز اقتصادات ناشئة على مستوى العالم نتيجةً لتغير مراكز الثقل الاستراتيجية التي شكلت خريطة العالم في السابق. الكثير من الشركات تنقل رأس مالها واستثماراتها إلى الأسواق الناشئة للبحث عن تكاليف أقل للإنتاج والإدارة، ما دفع بالبلدان المستهدفة إلى سن العديد من القوانين لصالح الاستثمار الأجنبي الذي يشكل عاملاً مهماً في دعم نمو اقتصادها، ومصدراً قوياً للعملات الأجنبية. ويمكن الحديث عن هذه الفرص التاريخية ضمن عدة محاور:
المحور الأول: السياسات والتشريعات

وهنا لا بد من التأكيد على أهمية حزمة التشريعات والسياسات والمبادرات الجديدة التي اعتمدها مجلس الوزراء، في الجلسة التي عقدت بمقر الاتحاد النسائي العام، برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، وتشمل 3 محاور رئيسية، هي: التشريعات والسياسات، والخدمات، والتمثيل الدولي، هذه الحزمة تعبر عن مرحلة جديدة متقدمة في تمكين المرأة، حيث تناولت دعم مشاريعها الناشئة وتسهيل دخولها قطاعات جديدة، وتعزيز دورها الدولي، كجزء من تمثيل الدولة في المحافل كافة وأولها الاقتصادية.
ولا بد أيضاً من استحضار التأثير الكبير والمستدام الذي أحدثته استراتيجية تمكين المرأة التي أطلقتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، والتي شكلت الإطار المرجعي لتمكين المرأة من الشراكة بالتنمية وفي تحقيق رؤية الإمارات 2021. إلى جانب الرعاية الكبيرة من قبل قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، ودورها الدولي والمحلي الذي فتحت من خلاله آفاقاً واسعة لمفهوم تمكين المرأة ليشمل إلى جانب الدور الاجتماعي والاقتصادي، دورها الإنساني في تبني القضايا الدولية الملحة والدفاع عنها.
المحور الثاني: التنوع الاقتصادي

أدت سياسات التحول لاقتصاد ما بعد النفط، إلى المزيد من التركيز على القطاعات الاقتصادية الأخرى، كالصناعة والتجارة والخدمات والتقنيات وغيرها، ما يعني أن هذه القطاعات بدأت بالتوسع لتأخذ مكانة ودوراً أكبر في البنية الاقتصادية الإماراتية، إلى جانب كونها تمر بمرحلة بلورة ملامحها والتأسيس لثقافتها الخاصة.

المحور الثالث: تأثير التكنولوجيا الحديثة في بنية الاقتصاد

هناك قطاعات اقتصادية استحدثتها التكنولوجيا، وهي جديدة بالمطلق على الرجال والنساء، بمعنى أنها لم تأخذ ملامحها النهائية بعد ولم تحدد مكانتها بين القطاعات الاقتصادية الأخرى، ونحن ننظر بأهمية بالغة لهذه القطاعات ونؤمن بقدرتها على دعم النمو وتعزيز التنافسية، لذا نسعى إلى تعريف المرأة الإماراتية بالقطاعات الجديدة وبالفرص التاريخية التي تتيحها لها هذه القطاعات، إلى جانب إرشادها نحو الدراسات العلمية والأكاديمية اللازمة للتخصصات الجديدة.
ولا شك في أن بناء اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة اللذين يمثلان جوهر رؤية الدولة، يرتكزان على الشراكة الفاعلة لكافة الفئات الاجتماعية في مسيرة التقدم والتطور، إلى جانب ارتباط الرؤية بشكل مباشر بوحدة وتماسك المجتمع الإماراتي، وهذه الوحدة يجب أن تترجَم بوحدة الرجل والمرأة في مواقع العمل وصناعة القرار والإبداع والريادة في كافة المجالات.

تنمية المحيط الاجتماعي
* كيف برأيكم سيتعامل القطاع الخاص مع هذه التوجيهات؟

– مشاركة المرأة في القطاع الخاص على وجه التحديد لن تكون نتيجة تنازل أو فضل من الشركات التي باتت تعي أهمية المجتمعات المنتجة في رفع القدرة الشرائية للناس، وبدون توظيف أكبر عدد ممكن من المجتمع ستبقى القوة الشرائية محصورة في نطاقات ضيقة وهذا سيؤثر في إنتاج الشركات ذاتها.
من ناحية ثانية، هناك وعي بدأ في التبلور لدى القطاع الخاص بعد أزمة 2008 حول أهمية تنمية المحيط الاجتماعي الذي تعمل فيه الشركات من ناحية المهارات والخبرات.
لهذا أقترح أن تكون عمليات التدريب المهني والمحاضرات التي ينظمها المختصون للحديث عن المهارات التي يحتاج اليها السوق، جزءاً من المسؤولية الاجتماعية للشركات، وأن مبادرة القطاع الخاص في هذا السياق تعتبر شرطاً لبناء اقتصاد قوي وذكي يرتبط بعلاقة قوية مع المجتمع بكافة فئاته وخاصةً مع المرأة التي باتت نسبة مشاركتها بمثابة مؤشر على مدى رقي المنظومة الاقتصادية في أي بلد.
دور المرأة العربية

* بعد الحديث عن تمكين المرأة في الاقتصاد الإماراتي ما رأيكم في شراكة المرأة الاقتصادية في العالم العربي؟
– قد لا نستطيع الدخول بتفاصيل كل اقتصاد عربي على حدة لتحديد مكانة المرأة من الشراكة فيه، وبالتالي استعراض الحلول الممكنة، لكن هناك سمات مشتركة تجمع كافة الاقتصادات العربية:
أولاً: الحاجة القوية لتفعيل كافة الطاقات في عملية البناء والتنمية، وخاصةً طاقات المرأة التي ستنعكس شراكتها الاقتصادية على دورها في تعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ثانياً: الدفع باتجاه المزيد من الاستثمارات في البلدان العربية، استثمارات اقتصادية بحتة إلى جانب الاستثمار في المواهب والقدرات وأولها المرأة، لأن تجاوز الحالة الاجتماعية السائدة التي أدت إلى الأحداث الحالية، لا يمكن أن يتم بشكله الكامل بدون فرص عادلة للتعليم والعمل للجنسين.
نحن في مؤسسة «نماء» للارتقاء بالمرأة نؤمن بأن التنمية ليست مجرد فعل اقتصادي محض، بل هي فعل ثقافي أيضاً لأن شعور الفئات الاجتماعية كافة بالمسؤولية تجاه مجتمعاتها من خلال الانخراط بالعمل في قطاعاته الاقتصادية، سيعزز قيم الانتماء والتعاون والتقارب بين الجميع.
ثالثاً: إن عملية إعادة تأهيل الاقتصاد في الدول التي شهدت صراعات هي بمثابة بداية أخرى للمنظومة الاقتصادية، مما يتيح المجال هنا أيضاً لشراكة المرأة في وضع الأطر القانونية لهذه المنظومة، وسيقضي بالتالي على حالة الاغتراب التي تهيمن على علاقة المرأة العربية باقتصاد بلادها.
رابعاً: الحاجة إلى المزيد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تساهم فيها المرأة بشكل فعال وقوي نتيجة مرونة أوقات العمل فيها، ويشكل هذا النوع من المشاريع محركاً لعملية التنمية.
الاقتصادات الناشئة.. فرصة تاريخية

عند الحديث عن الاقتصادات الناشئة في آسيا وإفريقيا والمرشحة لمعدلات نمو عالية في المستقبل، يمكن التعامل معها كبدايات لتشكيل ملامح الاقتصاد ما بعد أزمة 2008، لذا من الضروري التعامل مع عمل المرأة بعدالة. إذا بدأنا بالعدالة من أول خطوة سنضمن أن نستمر بعدالة وسنضمن أن تؤثر هذه العدالة في تحديد وظيفة الاقتصاد كعامل لتنمية المجتمعات، وليس كما كان سائداً بأن وظيفة المجتمع تغذية وتنمية الاقتصاد فقط.

تغير جذري في الثقافة الاقتصادية

على مستوى الثقافة المحركة للاقتصاد، أثبتت الأزمة المالية العالمية أهمية تعزيز العلاقة بين المؤسسة الاقتصادية والمجتمعات المحلية، خاصةً في البلدان النامية حيث لم تتمكن الشركات الأجنبية من إحداث متغيرات جذرية إيجابية في محيطها الاجتماعي أو في البنى التحتية وطبيعة الخدمات المقدمة.
كان يمكن لهذه الشركات أن تكون عامل تسريع للتنمية في بلدان العالم الثالث التي استفادت من مواردها ومن أيدي عامليها، ولكنها تعاملت مع هذه البلدان كمصانع فقط لترسل بضائعها إلى البلدان المتقدمة، وبهذه الطريقة خسرت الشركات مستهلكي بضائعها لأنهم عجزوا عن استيعاب منتجاتها بعد الأزمة، ولم تساهم في تنمية أسواق بديلة وبعيدة عن مركز الأزمة.
العدالة شرط للتنمية

إن أهم عنصر في المعادلة الاقتصادية هي القوى المنتجة والمستهلكة أي الناس، والمرأة تنتمي لهذه القوى التي تغذي الاقتصاد بالجهد والاستهلاك وغيره، لهذا جاء الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة التي أعلنتها هيئة الأمم المتحدة في العام 2015، ليقول إن «المساواة بين الجنسين ليست فقط حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، بل يعتبر من الأسس الضرورية اللازمة لإحلال السلام والرخاء والاستدامة في العالم. كما أن توفير فرص متكافئة في التعليم، والرعاية الصحية، والعمل اللائق، والتمثيل في العمليات السياسية والاقتصادية واتخاذ القرارات للفتيات والنساء، سيكون محركاً للاقتصادات المستدامة وسيفيد المجتمعات والإنسانية جمعاء».

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريباً

جميع الفعاليات