تفوق المرأة في العمل الصناعي يعزز مكانتها داخل الأسرة .. التطور التكنولوجي ساوى بين الجنسين في الإنتاج، والمستثمرون يفضلون تشغيل النساء في مصر لانضباطهن في العمل

رصدت دراسة لصندوق النقد العربي، ارتفاع مشاركة الإناث في العمل الصناعي في الكثير من الدول العربية، أبرزها الجزائر بنسبة 55.8 بالمئة، وتونس بنسبة 39 بالمئة، وجيبوتي بنسبة 37.2 بالمئة، ثم مصر بنسبة 34 بالمئة.
وأضحى توظيف النساء في الكثير من المصانع المتوسطة والصغيرة، توجها عاما خلال السنوات الثلاث الماضية، ما غيّر من اعتقاد ظل سائدا لدى البعض بأن العمل على الماكينات والآلات غير مناسب للمرأة.
وجاء التطور الأخير مصاحبا لتغير وضع المرأة العربية في الأسرة باتساع دورها، ليشمل العمل بشكل أساسي وفعال للمساعدة في دعم أسرتها ماديا. وتوجد في مصر 3.3 مليون أسرة تعولها النساء بنسبة 14 بالمئة من مجموع الأسر، وفقا لإحصاءات حكومية.
ولم يتوقف نجاح عمل السيدات عند قطاع الصناعة فقط، لكنها باتت تعتلي الكثير من الوظائف الهامة في مختلف مناحي الحياة، إلا أن التفوق السريع الذي أظهرته المرأة في مجال العمل الصناعي، شكل ظاهرة ملفتة دفعت بشركات كبرى إلى تفضيل النساء على الرجال في العمل، ما جعل تشغيل الإناث أسهل من الذكور في القطاع الصناعي.
ويرى بعض المستثمرين أن المرأة تتفوق على الرجل في مجال العمل الصناعي، لإتقانها للعمل، وجديتها في الالتزام بالمواعيد، وقلة تذمرها، وقدرتها على التحمل. أثبتت تجارب تشغيل النساء أن الاعتماد على السيدات في العمل الصناعي يُحقق إنتاجية مماثلة، لما يُحققه الاعتماد على الرجال، نتيجة التطور التكنولوجي، وأصبحت مهمة العمال على الماكينات أقل اعتمادا على المجهود البدني.
واتجهت مصانع الملابس والمفروشات والأحذية ومنتجات البلاستيك والأدوات المكتبية وصناعة مستحضرات التجميل وبعض الصناعات الغذائية، إلى الاعتماد بشكل كامل على النساء.
وكشف هاني قسيس رئيس مجلس إدارة شركة “مينترا” للأدوات المكتبية والبلاستيك في المنطقة الحرة بمدينة نصر (شرق القاهرة) أن معظم النساء يذهبن إلى النوم مبكرا ولا يرتدن المقاهي مثلما يفعل الرجال، ما يجعلهن أكثر التزاما بمواعيد العمل.
وقال إن العاملات من النساء يُقبلن على العمل في الشركات الصناعية الكبرى التي توجد فيها أنظمة وقواعد عمل جيدة، فتمنع التحرش، وتضمن أمانا اجتماعيا وتساوي بين الجنسين في الأجور.
ويعمل لدى قسيس، نحو خمسة آلاف سيدة، في خطوط إنتاج للمنتجات الجلدية، والأدوات المكتبية، والبلاستيك، ويعتبرهن أكثر إتقانا وأسرع تعلما، وأقدر على العمل ضمن فريق من الذكور.
وأضاف أن النساء لا يتذمرن من العمل المتكرر، على خلاف الرجال الذين يطلبون تغيير عملهم، ما يسبب ارتباكا في العمل. ويذكر آخرون أن تشغيل النساء أفضل لأن نسبة غير العاملات المعيلات للأسرة في تزايد، ما يجعل العرض بين النساء أكبر.
وهناك أسباب تجعل تشغيل السيدات داخل المصانع أفضل، منها أن نسبة التدخين لدى السيدات في مصر تبلغ 1.5 بالمئة، بينما تبلغ النسبة لدى الرجال 38.5 بالمئة طبقا لأحدث تقرير لجهاز الإحصاء الحكومي.
وتعاني الكثير من الشركات من إهدار الوقت بسبب الفترات الضائعة يوميا نتيجة لتدخين الموظفين، كما أن بعض الصناعات لا تسمح للعاملين فيها بالتدخين أثناء العمل، لذا فإن حرص الشركات على استبعاد تشغيل المدخنين يصب في صالح النساء.
أكد أحمد جابر رئيس غرفة صناعات الطباعة باتحاد الصناعات المصرية، أن ثمة دافعا مستترا يُحفّز أصحاب الشركات لتفضيل النساء في العمل، ويتمثل في فكرة الولاء للمؤسسة.
ولفت إلى أن المرأة لديها ولاء لمكان العمل أكبر من الرجل، وتتسق طبيعتها مع فكرة الاستقرار، بينما يحمل الكثير من الرجال، خاصة الشباب، رغبة في المخاطرة والتنقل بين أكثر من وظيفة. وأشار إلى أنه في صناعات الطباعة والورق والصناعات الصغيرة لم تعد الإنتاجية مقترنة بالمجهود العضلي للعامل، لذا فإن التطور التكنولوجي الجاري أحدث حالة من المساواة بين الجنسين.وتستخدم شركات صناعية عديدة برامج تدريب حديثة تُساهم في تأهيل العاملين لديها على تشغيل المعدات الميكانيكية بسرعة، ويُلاحظ أن النساء أسرع استيعابا لتلك البرامج.
ويرى البعض أن تفضيل أصحاب الأعمال لتشغيل النساء ينطوي على نوايا سلبية تتعلق بفكرة قبول الإناث لرواتب أقل من الذكور، ولتجنبهن اللجوء إلى جماعات الضغط العمالية مثلما يفعل الرجال. ويدلّ على ذلك ما يشير إليه جهاز الإحصاء المصري في كتاب بعنوان “أرقام المرأة والرجل في مصر”، صدر عام 2017، ويؤكد أن متوسط أجر المرأة العاملة في الصناعات التحويلية يماثل 84 بالمئة من متوسط أجر الرجل.
وتقول فاطمة نصر مديرة الإدارة الفنية بغرفة الصناعات النسيجية في اتحاد الصناعات المصرية، إن قطاع الملابس الجاهزة والمفروشات يعتمد بنسبة كبيرة على السيدات لأنه يحتاج إلى عمالة كثيفة، ولا يقبل غالبية الرجال العمل برواتب ضئيلة لأن لديهم فرصا لا تتوافر للنساء، مثل العمل في المقاهي، أو قيادة سيارات الأجرة.
وتوضح أن هناك فتيات يلتحقن بالعمل في مصانع الحياكة والتطريز منذ السادسة عشرة، ليساعدن عائلاتهن في توفير الجهاز. وتذكر أن السيدات اللاتي يقمن بإعالة أبنائهن، بسبب وفاة الزوج أو عجزه، يقبلن كذلك على العمل الصناعي باعتباره أكثر أمانا واستقرارا من كثير من الأعمال.
وتابعت فاطمة نصر “معظم المشكلات تخص عدم التزام بعض أصحاب المصانع بتطبيق قانون التأمينات الاجتماعية ومواصفات الصحة والسلامة بشكل كامل، على العاملين لديهم”. وضربت مثلا على ذلك بأن معظم مصانع الملابس والمنسوجات لا تلتزم بمعايير الصحة العالمية بتوزيع نصف لتر من اللبن على كل عامل يوميا، حتى يتمكّن جهازه التنفسي من مقاومة غبار “الزنخبار” الناتج عن صناعة النسيج.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

قريباً

جميع الفعاليات