مقالات: المرأة والنفس الواحدة

د.فريد الأنصاري

ما حد المرأة؟ سؤال نضعه اليوم ـ على منهجنا الجديد ـ في بحث الحقائق التي يسميها الناس (بدهيات)، والعود إلى تحقيق مفاهيم (المسَلَّمَات) التي رسخت في ذاكرة المجتمع الإنساني كذلك. ومشروعنا هذا قائم على مراجعة هذه البدهيات، التي تبين لنا أنها تحمل كثيرا من الأسرار التي يغطيها عنا الإلف الوجودي وعادة الحياة. نسأل: (ما) المرأة؟ لنجيب الجواب البدهي أيضا بأن المرأة هي أنثى الإنسان. (أنثى الإنسان) .. وتلك ضميمة اصطلاحية تضرب في عمق الغيب! وإنما الإنسان كل الإنسان (نفس). و (النفس) هي أساس الخلق البشري، كما هو نص القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. (النفس الواحدة) إذن هي أساس الخلق، التي منها خلق الإنسان، كل الإنسان: ذكرانا وإناثا. والعجيب، الجدير بالتدبر والتأمل؛ أن مرجع آدم إلى (النفس الواحدة) مساوٍ لمرجع زوجه حواء. فهما في ذلك سواء. فالنفس مرجع كل منهما، وكل من كان من ذريتهما إلى يوم القيامة. وقصة خلق حواء من ضلع آدم كما هو مدلول الحديث النبوي الصحيح دالة -في نهاية المطاف- على الوحدة المصدرية نفسا وبدنا. فهما في ذلك سواء! وتدبر الآية مرة أخرى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً}. النفس الواحدة: تلك النفس، التي ذكرها الله جل علاه في غير ما موضع من القرآن العظيم، التي لا تحمل في الأصل صفة جنسية، لا ذكورة ولا أنوثة. وهذا أمر عجيب حقا. فلا الرجل ولا المرأة يمكنه أن يزعم أنه الأصل. وكون آدم -عليه السلام- أسبق في الخلق لا يعنى أنه الأصل. فهو الأصل بالمعنى الزمني، وليس الأصل بالمعنى الوجودي، ولا كذلك حواء. وليس الأمر كما زعم بعضهم أن المرأة فرع عن الرجل، ولا أن الرجل فرع عن المرأة، كما جاء عند صاحبة كتاب (الأنثى هي الأصل)! وإنما هي النفس التي لا تحمل أي سيماء جنسية. إنها (نفس واحدة) على حد تعبير القرآن كما رأيت: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}. وفي هذا من التساوي الوجودي ما فيه. وأما التأنيث الوارد في صيغتها فإنما هو على عادة الاستعمال اللغوي العربي، ليس إلا. على نحو ما تقصده العرب في صيغها الصرفية، التي قد تؤنث وتذكر؛ لغير أنوثة جنسية ولا ذكورة. كما في تأنيثهم الشمس وتذكيرهم القمر. والقرآن نزل بلغة العرب. قال سبحانه: { {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189]. وتدبر قوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]. النفس إذن؛ هي جوهر كينونة الإنسان، ذكرا كان أو أنثى. ومن هنا سَوَّى الله بين الجنسين في عموم التكليف إلا ما استثناه الدليل لخصوص المحل. أما الأصل التكليفي فهو قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض}[آل عمران: 195]. فهذه الآية نص -باصطلاح الأصوليين- في تساوي التكليف الإلهي للإنسان، من حيث المبدأ الكلي، بغض النظر عن الفروق الجنسية العارضة من ذكورة وأنوثة. وإنما الصفة التي ينظر إليه بها ههنا هي كونه (عاملا) أم لا؟ فالإنسان له صورتان: الأولى نفسانية، والثانية جسمانية. ولكل صورة سيماء أو سيمياء. أي علامات ومواصفات منها تتشكل ما نسميه بـ (الشخصية). تماما كما تتميز كل صورة جسمانية بعلامات فارقة، هي سيماء ذلك الشخص المميزة له. ذلك أن النفس مفارقة للجسم. وكينونتها هي على صورة نفسانية. قال عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7]. فالتسوية هي تمام الخلق. ولهذا قال بعد مباشرة في السياق:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. ويؤيد هذا التفسير من القرآن والسنة: أولا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف:172 – 173]. ومن هنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية: فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالالهية؛ محبةً له، تعبده لا تشرك به شيئا. ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن، بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} … الآية). ثانيا: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لما خلق الله آدم مسح ظهره؛ فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك! فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه، فقال: أي رب! من هذا؟ قال: رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال له داود، قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: فزده من عمري أربعين سنة! قال: إذن؛ يكتب ويختم، ولا يبدل! فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت، فقال [يعني آدم]: أوَ لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أوَ لم تعطها ابنَك داود؟ [وجَحَد آدمُ] فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته» !. فالحديث دال على أن الله خاطب الأنفس، وهي آنئذ لا تزال في عالم الذَّرِّ، أي نسمات في صلب آدم عليه السلام. وذلك قوله صلى الله عليه وسلم في النص: «فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة». فاسم الفاعل (خالقها) دال في هذا السياق على الاستقبال. كأنه قال: (سيخلقها)، والمقصود بالخلق هنا الخلق النهائي بخلق النفس في الجسم. لأن النفس آنئذ لا تزال في عالم الذر نسمةً. كما أنه دال على أن لها صورة نفسانية لا جسمية. ودليله من النص قوله: (ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك! فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه، فقال: أي رب! من هذا؟ … إلخ) فما كان ذلك ليكون؛ لو لم تكن الأنفس صورا أظهرها الله تعالى لآدم -عليه السلام- فأراه إياها بما شاء وكما شاء. فدل ذلك كله على وجود النفس مستقلة عن البدن، ودل أيضا على أن لها صورة غير جسمانية، ذات سيماء خاصة.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

(بناء الهوية في ضوء السيرة النبوية) مع أ‌.عبدالله عادل

4 - 9 مساءً
جميع الفعاليات