مقالات: مسألة النوع (الجندر)… قراءة نقديّة أخلاقيّة

مسفر بن علي القحطاني

النظر في الفوارق البيولوجية بين الرجل والمرأة من الناحية الطبية فيه جدل علمي، ولكنه يُحسم دائماً لفريق المثبّتين بوجود فوارق بين الجنسين، بل أصبح العلم يتقدّم فيثبت وجود فوارق في الناحية الهرمونية والجينية بينهما، وتعدّدت الدراسات المؤيدة بإثبات التمايز النفسي والعصبي بينهما في شكل أكبر.

هذا الحسم العلمي للفوارق بين المرأة والرجل على أساس اختلاف الطبيعة البيولوجية بينهما، لا يقابله حسم في الناحية الحقوقية والاجتماعية؛ بل الموقف الحقوقي الدولي هو إلغاء التمايز بين الجنسين على أساس النوع الوظيفي الذي يمكن أن يقدمه كل طرف، بعيداً من اختلاف الخصائص الطبيعية بينهما.

لذلك، كانت فلسفة النوع الجنسي (الجندر) خروجاً من دائرة الخصوصية الجنسية للذكر والأنثى، إلى أنماط جديدة تحدّد النوع وفق أدوار ثقافية واجتماعية تتجاوز ثنائية المرأة والرجل، وقد تبنّى عدد من المؤسسات النسوية هذه النظرية من خلال المطالبة بالمساواة المطلقة وفق نمطية الأدوار الاجتماعية، التي تحددها مسارات ثقافية واتفاقات حقوقية تناهض كل سيطرة ذكورية في جميع المجالات، وتفتح الأبواب لفلسفات جنسانية متنوّعة تتجاوز الأدوار التقليدية للجنسين الرئيسيين (المرأة والرجل).

أمام هذا التصوّر، أحاول تقديم بعض الرؤى تجاه هذا التيار العريض من الجندريين، من الزاوية الأخلاقية، وعلى أهمية هذا الطرح إلا أنه محفوف بالكثير من المزالق الحقوقية والقانونية.

ولعلي أسجّل هذه الرؤى وفق النقاط التالية:

 أولاً: الجندر، قراءة أخلاقية:

يحدد أرفينغ غوفمان الدور الاجتماعي للنوع الجنسي مثل الأداء على المسرح، فكل فاعل على خشبة المسرح خاضع لأداء دور قابل للتغيير، ويمكن أن يلبس ويتقنّع بدور الآخر وللآخر أن يمثّل الدور ذاته بالتبادل بينهما في الأشكال واللباس وغير ذلك.

هذا الأداء المختلط والمتنوع، هو ما يُعتبر أحد التيارات الفكرية المؤثرة في المناقشات المعاصرة التي تتناول الجنسية والميول الجنسية.

وقد سمحت هذه المناقشات، بأن يتم الفصل بين الشكل البيولوجي للجنس والشكل الثقافي لنوع الجنس، وكان التنظير الثقافي لهذا الفصل أو الانتقال من دراسة التقسيمات الاجتماعية الجنسية، كما تقررت في الممارسة الرأسمالية أو الأبوية (النساء للتناسل والرجال للإنتاج) – كما يذكره عدد من الغربيين- إلى دراسة الرمزية الجنسية والهويات الجنسية، والذي ساهم في هذا التنظير الثقافي في شكل كبير المفكر الفرنسي ميشيل فوكو.

وفوكو وإن اهتم بمجال التنظير المثالي لقبول مفاهيم الجندر أو النوع الإنساني، فإن دور بيار بورديو حاول تجسيد هذه المفاهيم الجنسانية من خلال اكتساب عادة جنسية تتشكّل بالممارسات الاجتماعية اليومية، مثل التشارك في الطعام والحديث والجلوس وارتداء الملابس، ومن ثمّ يتم تأطير مفاهيم النوع الجنسي كممارسة متجسّدة يقبلها المجتمع المتردد.

(أنظر: علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية، تحرير وجمع جون سكوت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2009م، ص 397 – 404).

ولنقد هذا التحوّل البيولوجي نحو مفهوم ثقافي يسعى الى التجسّد في الواقع اليومي، أطرح بعض التعليقات من زاوية أخلاقية:

– أهم خطأ وقعت فيه فلسفة النوع الجنساني للإنسان (الجندر)، القيام بالفصل القاطع بين الإنسان وطبائعه الخَلقية البيولوجية والسيكولوجية، والفصل بين المساواة والعدالة الاجتماعية، وبين المرأة والرجل على أساس الهيمنة الذكورية وليس على أساس التكامل الطبيعي بينهما، والفصل بين النظر الى التنوّع الجنسي كضعف وبين النظر إليه كقوة، أمام هذه الحالات من فصل الموصول المتراكم في ثقافات وعادات المجتمعات الإنسانية، تصبح نظرية النوع الإنساني وفق تمازجات مختلفة وأجناس متشابهة وميول جنسية متقلبة، نوعاً من العبث بالطبيعة ومقامرة بالجندر غير محسوبة المآلات، ونفاقاً متستّراً تسعى إليه النسوية الراديكالية في مطالباتها بالمساواة المطلقة، بينما تخفي حاجاتها الإنسانية وميولها الطبيعية نحو الرجل الذي تبحث عنه المرأة وفق ما تحبه من طبيعته وليس وفق ما تطالبه به من تماثل.

– هذه النظرة الجندرية هي بامتياز نظرة ما بعد حداثية، لم تعط اهتمامها للمسلمات العقلية والإنسانوية التي ساهم في تركيزها الغرب خلال حقبة التنوير الفائتة (ديكارت، هيغل، كانت، على سبيل المثال)، لذلك نالتها على المستوى الأخلاقي آفة التضييق والتجميد والتنقيص، ووقعت بالتالي في أزمات، أزمة في القصد وأزمة في الصدق. (أنظر: سؤال الأخلاق. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، طبعة عام 2000م، ص 94، 82 – 88).

والنظرة الجندرية بالمفهوم المابعد حداثي، لم تعلِ من شأن هذا التنوع الجنساني؛ بل ساعدت في انحطاطه على مستوى الممارسة والمواجهة أحياناً مع ذوق المجتمع ومسلماته الأخلاقية.

– في القرن الماضي، مورس على القيم الأخلاقية العتيدة التي توارثتها المجتمعات الإنسانية نقد فلسفي اجتثاثي، ومنها القيم الأسرية والطبيعة الأنثوية وعادات الزواج وغيرها، ومن أشهر فلاسفة النقد القيمي، نيتشه في مشروعه «النقد الجينالوجي»، بحيث يتم نقدها بطريقة تخرجها من الثبات والديمومة، وبآليات تفكيكية تعود بالقيم إلى تاريخها الماضي ومن ثمَّ تقويضها من الجذور، كما ينزع النقد الجينالوجي إلى المفاهيم القيمية بتعويمها لغوياً والدخول في مجال رمادي شديد الغموض، وهذا ما أراه واقعاً في حقل النوع الجنساني (الجندر)، ولا أظن أن العالم سيخلص من هذه العبثية إلا بمزيد من الضياع والضعف على مستوى الأخلاق والمجتمع. (أنظر: الفلسفات الألمانية والفتوحات النقدية، إشراف سمير بلكفيف، دار جداول، الطبعة الأولى 2014م، مبحث نيتشه والنقد الجينالوجي لمولودي عزديني ص 117 – 152).

 ثانياً: مابعد النسوية، والعودة الى الفطرية الإنسانوية:

إذا ما أردنا تحقيب الحركة النسوية، فإن البعض يجعلها على ثلاث حقب أو موجات، بدأت بالدعوة الى إثبات حقوق المرأة ثم الدعوة الى مساواتها مع الرجل بلا تمييز، ثم الخروج من التحيّز الأنثوي نحو مطالب متنوعة لا تختصّ بالجنس النسوي، ولا أظن أني توصلت إلى معنى محدد عن تلك الموجة الثالثة من الحركات النسوية أو ما يُسمى بما بعد النسوية، ولكن هو تطوّر ونمو لمفاهيم تحاول الحركات النسوية أن تصل إليها مستعينة بأفكار التفكيك والبحث عن الهوية.

تعرّف سارة غامبل هذا المصطلح بـ «أنه نسق معرفي تعددي مكرس لإبطال أنماط التفكير التي ترمي إلى العمومية». لذلك، نلمس توازياً بينها وبين مصطلحات ما بعد الحداثة، في أحدث حلقة من حلقات التنوع في ملامح الفكر النسوي الذي يتّسم بالتحوّل والتغير المستمرّين. ويعمل هذا التيار الفكري على دراسة العلاقات المثمرة مع ما بعد الحداثة، من طريق الاستعانة بنظريات الاختلاف والهوية والتفكيك، بقصد الجمع بين مختلف طرق صياغة المرأة وتشكيلها. (أنظر: ناهد بدوية، النسوية الثالثة التعددية والاختلاف وتغيير العالم، صحيفة الحوار المتمدن 29 مايو 2013م ).

أكثر تمظهر لما بعد النسوية، هو الحصول على مكانة مهمة في الأمم المتحدة، ونجاحها في إصدار الاتفاقات والإعلانات الأممية التي تثبت وتدافع عن حقوق المرأة في أهم المؤسسات السياسية في العالم، ويبقى الاختلاف في مضامين ما تسعى إليه الحركة النسوية الأوروبية بخلاف الأميركية، وبخلاف نساء بقية العالم، فالمفاهيم الجنسانية لا تزال في تنامي تفكيكي يتوسع ويضيق وفق جغرافيا الحركة، ومن الغريب ذكره أن تيار ما بعد النسوية يعتبر دخول نساء غير أوروبيات في حركة تحرير المرأة، هو من أهم مظاهرها وشكل من تطوراتها الفكرية!.

اليوم، هناك أصوات عقلانية تقوم بجرد حساب الحركات النسوية، وتتساءل: هل كان لا بد من التحرر والمساواة حتى يصبح المجتمع، خصوصاً الأوروبي، عرضة للمهددات الديموغرافية ؟!، ومرهقاً بمشكلات الإدمان وحمل الصغيرات وازدياد العنف في البيوت والمدارس والنوادي وأماكن العمل؟!، وكانت أندريا ليفيسون – رئيسة منظمة أكتيف الأوروبية غير الحكومية – قد اعتبرت أنه عندما يتعلق الأمر بالعنف ضد المرأة، فإن أوروبا لا تزال قارة نامية وليست متقدمة!

وكما أن موجات الإلحاد قد أعقبتها موجات العودة الى الدين أو الروحانيات، وموجة تغوُّل الرأسمالية أعقبها تدخل الدولة في حماية المصالح العامة، فإن موجة ما بعد النسوية ستضطرها للعودة الى المسلمّات الطبيعية المتعلقة بعمود الأسرة و نَسَبية الإنجاب والتمايز التكاملي بين المرأة والرجل، إنها من وجهة نظري رجوع ضروري الى الفطرة الإنسانية التي يُهزم كل من حاول مصادمتها، وكما قال تعالى:» فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (سورة الروم 30).

وسنعود مضطرين الى الامتثال للطبيعة المختلفة بين المرأة والرجل، واعتبارها أساساً للعمل والفرص والمهام المجتمعية، تلك الطبيعة التي تتمايز فيها المرأة عن الرجل ليس لكونها أقل منه أو أدنى رتبة منه، ولكنه التوزيع الطبيعي للأدوار التكاملية بينهما، فالله تعالى يقول: «وَلَيـْسَ الذَّكـَرُ كَالْأُنْثـَى» (آل عمران 36).

إن الجانب الأخلاقي في نظرته الى الجندر أو النوع الجنساني، هو الملاذ الحامي من خطر الاستجابة لنزعة نسوية نخسر من خلالها اعتبارات بشرية هائلة لا تعوَّض، فالقيم وحمايتها وفق الفطرة والعقل هي العاصم من السقوط في براثن تجارة النساء، وتسليعهن أو إرخاصهن في الإعلام، أو بيع كرامتهن في الوظائف الهامشية على حساب مهام عليا لا تحسن أداءها غير المرأة، أيضاً ستبقى القيم الأخلاقية هي المنقذ للنساء المعنّفات والمعرّضات للظلم والإهانة القسرية في كثير من دول العالم.

فالميثاق الأخلاقي للمرأة لا يقلّ شأناً وأهمية عن اتفاقات مكافحة التمييز ضدها.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

(بناء الهوية في ضوء السيرة النبوية) مع أ‌.عبدالله عادل

4 - 9 مساءً
جميع الفعاليات