مقالات: خطط التنمية المستدامة.. الاستدامة لصالح من؟

سيدة محمود [1]

 

رحل القرن الماضي مخلفا ورائه شعوباُ تلملم جراحها إثر احتلال غربي، شرب من مقدرات الشعوب حتى الثمالة، ونجح باقتدار في بناء نهضته، عبر استنزاف الثروات، واسترقاق العباد.
حلمت هذه الشعوب بتعويض ما فاتها، والعيش بكرامة في ظل ما حباها الله به من ثروات بشرية، وموارد طبيعية، وتطلعت إلى المحتل؛ كي يكفر عما ارتكبه في حقها من جرائم يندى لها الجبين، ولاسيما أنه قد ظهرت من جانبه بوادر حسنة، حيث نادى بالمساواة والأخوة الإنسانية، وحق الجميع في الرفاهة، أو على أقل تقدير سوف يدعها لحال سبيلها تتلمس الخطى؛ كي تنهض ذاتياً بسواعد أبنائها دون أية عراقيل، أو قيود تكبل هذه الخطى.
لكن هيهات هيهات.. أبى المحتل إلا أن يجعلها دوما مصدرا لخاماته، وسوقًا لمنتجاته، وإرثًا لأجياله من بعده، ويكون جُل نصيب أبنائها مفعولا بهم بدلا من أن يكونوا فاعلين، وأن يشاهدوا ثرواتهم، بل وهوياتهم تُسرق دون أن ينبسوا ببنت شفة.
والعجيب في هذه المرة بعد أن كان قديما قد تم بقوة السلاح، إلا أنه حديثا سيتم بأيدي أبنائها، بل وبمحض اختيارهم بعد أن قدم لهم المحتل _في موجته الاستعمارية الثانية_ أكذوبة أطلق عليها مسمى “التنمية “، ضمَنها كثير من الشعارات البراقة، والوعود الكاذبة، فإن استجابوا لهذه الخطة سيتنعمون بالفردوس الأرضي، ويلحقون بركب الدول المتقدمة.
ومن هنا بدت كلمة “التنمية” هي المفتاح السحري الذي يفتح به المحتل الجديد الأبواب المستعصية، وصار يكرر الكلمة، ويدمجها ضمن أي مؤتمر يدعو إليه، أو وثيقة يدعو الشعوب للتصديق عليها، ويجند آلته الدعائية الإعلامية حتى رددتها الشعوب من وراءه، وطالت حياتنا  جميعا، وأصبحت ملصقا لأي محفل رسمي، أو غير رسمي سياسيا كان، أو اقتصادياً، أو اجتماعياً.
يدعو إلى “التنمية”، وهو يعلم أن لعاب الشعوب سوف يسيل حين يرون كلمة التنمية، وسوف يصدقون الخيالات، والوعود الكاذبة، ولن ينتبهوا إلى الفخاخ التي وضعها لهم، والالتزامات التي كبلهم بها في مقابل عدم إلزامه هو بأي شيء سوى ما يتفضل به كسيد مانح، وبمشروطية تجعله الرابح أولًا وأخيرَا.
شرع المحتل في ترويج خطاب بيئي تنموي مزعوم ظاهره؛ يعلن فيه أنه يخدم البيئة والمجتمع، وباطنه يغل يد الشعوب في استخدام مواردها؛ خشية النضوب.
أفهمنا المحتل القديم في استراتيجيته الجديدة أن التنمية لن تتحقق إلا عبر استخدام موارد البيئة بالصورة التي يراها هو، ووضع لها مسمى خلاباً لن يرفضه أحد: “التنمية المستدامة”، ورسم خارطة طريق كما يحلو له؛ واضعاً عليها شعار “صُنع في الأمم المتحدة”، وجعلها وثيقة تعاقد مكتوبة، وأتى بأصحاب الثروات الحقيقين، ومالكي هذه الموارد؛ كي يوقعوا العقد؛ أملاً  في جزرة وهمية، أو خوفا من عصا حقيقية.
أطلق عليها مسميات براقة كثيرة، مثل: (الأهداف الإنمائية للألفية)، (المستقبل الذي نصبو إليه)، (الطريق إلى العيش بكرامة بحلول عام 2030)، (حياة كريمة للجميع، وخطة تنمية ما بعد 2015).
شعارات براقة يلعب فيها بأحلام الشعوب التي ما تفتأ أن تصدقه، وتكذب واقعها المعاش، الذي يرى فيه الناظر بأم عينه أن الفجوة تزداد اتساعا بين أغنياء الشمال، وفقراء الجنوب، وتتسع أكثر من ذي قبل بين أغنياء الجنوب وفقراءه.
تتحدث وثائق التنمية عن المستقبل؛ لتلهي الشعوب عن الماضي والحاضر، وهو منحى خبيث يسمح للغرب الإفلات بجرائمه إبان الحقبة الاستعمارية، كما يغض الطرف عما يرتكبه الغرب الآن وشركاته المتعددة الجنسيات من استنزاف لموارد العالم الثالث من جهة، واستخدام أراضيه لدفن النفايات من جهة أخرى.
رسم خارطة طريق تلزم الشعوب بإحداث تغييرات جذرية في كافة مناحي الحياة، ولاسيما ما يرتبط بثوابتها العقائدية، وقيمها الثقافية، ونمط حياتها الاجتماعي، دون أن يلزم نفسه بأي شيء بالمقابل، ودون أن يشير من قريب، أو بعيد؛ لتسديد فاتورة استعماره، ودفع تعويضات للشعوب، أو على أقل تقدير إسقاط ديون العالم الثالث، وفوائدها المركبة التي كبل بها الشعوب منذ أن منحها استقلالا وهمياً.
رسمت وثائق التنمية سبيلا أوحدا للتنمية، وهو أن يتمركز الجميع حول الإنسان الغربي، ويحذون حذوه، ويتخلون عما تخلى عنه هذا الغربي من قبل؛ عندما تخلى عن إنسانيته، ودينه، بل وفطرته.
نعم تخلى الغربي عن إنسانيته، يوم أن قدمت له الحداثة تصوراً للإنسان، “وقد نزعت منه مركزية العقيدة الدينية، ووضعت مكانها مركزية الإنسان في بعده المادي فقط، وسعت لهيمنة الإنسان هيمنة كاملة على الطبيعة، والتحكم في حركتها باعتبار أن الجهل بأسرار الطبيعة هو الذي أورث المجتمعات الغربية الغرق في الخرافات، وأن العلم هو سلاح الإنسان في تحقيق انتصاره على المجهول، وتحقيق هيمنته على الكون، والوصول لما يريد الآن، ومن هنا نشأت الفلسفات المادية، والرؤى الاستعمارية، وبدلا من أن يكون العلم، والتكنولوجيا في ظل هذه الحداثة وسيلة لعمارة الأرض صار أداة لاستنزاف الطبيعة، وممارسة القوة، والهيمنة عليها، وعلى البشر، وتمت التضحية بالطبيعة مقابل تحقيق المنافع، والأرباح المباشرة”[2].
وها هي وثائق التنمية الأممية تروج لهذا التصور الذي يصادم الإنسانية، ولا يفتها أن تضعه ضمن هالة من الشعارات المنمقة البراقة.
نعم تروج وثائق التنمية للنمط الغربي المادي في التجارة، والاستثمار بما يخدم بالأساس الدول الرأسمالية الكبرى، وبخاصة أغنيائها، فتكون المحصلة أقلية غنية تزداد غنى، وتتحكم بمصائر الجميع في الشمال والجنوب.
فالبند 17- 10 من تقرير الفريق العامل المفتوح العضوية[3]، والذي يعتبر حجر الأساس في خطة تنمية ما بعد 2015، والمزمع مناقشتها في سبتمبر القادم؛ ينص على: “تعزيز نظام تجاري متعدد الأطراف، عالمي مفتوح، في إطار منظمة التجارة العالمية”[4].
إذن تطالب وثائق التنمية الأممية الشعوب بالعمل وفق نظام تجاري مفتوح، وفي إطار منظمة التجارة العالمية، والقائمون الحقيقيون على صياغة هذه الوثائق يعلمون علم اليقين عدم قدرة الدول النامية على المنافسة، كما يعلمون يقيناً أن هذا النظام المفتوح، ومؤسساته المالية كانت السبب الحقيقي للانهيارات الاقتصادية في دول بدأت تتلمس خطاها في تنمية حقيقية، وهي دول جنوب شرق آسيا، والتي أرادوا تحويلها من نمور إلى قطط تموء، وكذلك أمريكا اللاتينية، باعتراف بول فوكر الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، في محاضرة ألقاها بجامعة جون هوبكنز الأمريكية: إن الأزمة الآسيوية ناتجة عن منطق النظام المالي العالمي نفسه”[5].
ويأتي الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة ليؤكد أيضاً في كثير من الفقرات في تقاريره الإنمائية على ضرورة الأخذ بالأدوات المالية العالمية:
“ويمثل (إطار التعجيل بإنجاز الأهداف الإنمائية للألفية)، جهدا منسقا يبذله فريق الأمم المتحدة الإنمائي، ويجري تنفيذ خطط تعجيل في أكثر من 46 بلدا في جميع المناطق؛ تغطي طائفة من الأهداف والغايات، وتضم مجموعة كاملة من الجهات الفاعلة، وتقوم منظومة الأمم المتحدة بتقييم هذه الجهود، وذلك بالتعاون مع البنك الدولي.”[6].
وهو يعلم الثمن الفادح الذي تدفعه الشعوب ثمنا لهذا (التعاون مع البنك الدولي)، والذي يشترط على الدول:
أولا: إزالة الضرائب الجمركية [7].
ثانيا: إلغاء القوانين التي تتحكم بالاستثمارات الأجنبية.
ثالثا: تحويل المزارع الصغيرة إلى مزارع ضخمة للتصدير [8].
رابعا: رفض سيطرة الحكومات على الأسعار أو الأجور.
خامسا: خصخصة المؤسسات العامة.
سادسا: تعويم العملات مما يسهل التلاعب فيها.
وهذه الشروط هي أولى الشروط التي ينبغي أن توقع عليها كل دولة تريد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهي استعمار يفوق كل استعمار عرفته البشرية”[9].
والدور المشبوه للبنك الدولي، ونظيره صندوق النقد الدولي صار غير مخفي على أحد، إلى حد إطلاق صفارات الإنذار من عقلاء الغرب أنفسهم، أمثال عالم الاقتصاد الكندي ميشيل تشوسودوفسكي الذي يقول في خاتمة كتابه: “إن لبرنامج التكييف الهيكلي لصندوق النقد الدولي _البنك الدولي_ في عصر العولمة علاقات مباشرة بعملية ظهور المجاعة؛ لأنه يقوض بانتظام كل فئات النشاط الاقتصادي التي لا تخدم مباشرة مصالح النظام السوقي العالمي [10]،
تروج وثائق التنمية الأممية لنظام تجارى مفتوح يكون المستفيد الأول منه الشركات الأمريكية على حد تصريح “تشارلين بارشفسكى ممثلة الولايات المتحدة في الاجتماع الوزاري الثاني لوزراء دول منظمة التجارة العالمية، والذي عقد في جنييف مايو عام 1998، حيث أعلنت في نهاية المؤتمر أن بلادها ستسعى إلى أجندة تهدف إلى الدخول إلى أسواق الدول النامية، والدول الفقيرة، وتسهيل وصول الشركات الكبرى الأمريكية لجميع أسواق العالم” [11].
إن الحديث عن جرائم الرأسماليين الكبار يطول، وهم أحرار في التوسع في تنمية رؤوس أموالهم، وامتصاص دماء الشعوب، لكن الخطر يكمن في تطويع هيئة دولية يفترض أنها تمثل دول العالم، وهدفها إرساء السلم، والأمن الدوليين؛ لخدمة حفنة من الأغنياء على حساب الجميع، وبصورة لا أخلاقية يتم فيها العزف على نغمة تنمية المجتمعات، بينما ما يتم على أرض الواقع تنمية أموال هؤلاء.
كما أن الحقيقة التي لا مراء فيها أننا بحاجة أكثر من ذي قبل إلى تنمية مجتمعاتنا، ولكن علينا أن ننتبه لما يُحاك ضدنا، ولاسيما أنهم يحققون نجاحا باهرا فيما يخططون له، وحقُ لهم ذلك، فشتان بين من يمكر بالليل والنهار، وبين من يحيا في غفلة، ويواصل اللهو الليل بالنهار.

 

_________________________________



 

 


[1]باحثة علوم سياسية، وعضو لجنة الأسرة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقًا.

[2]د.هبة رؤوف، المسلم والطبيعة والعالم .. استعادة مفهوم الشهادة،مجلة الوعي الإسلامي ، العدد532، 3-9-2010، بتصرف.

[3]هو فريق تابع للجمعية العامة، تم تشكيله عقب إقرار الوثيقة الختامية لمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المعنونة ب “المستقبل الذي نصبو إليه” من أجل وضع مقترح للتنمية لما بعد 2015.

[4]تقرير الفريق العامل المفتوح باب العضوية المعنى بأهداف التنمية المستدامة، الجمعية العامة، الدورة الثامنة والستون، 2014.

[5]حازم صاغية، جريدة الحياة، 10/ 12/ 1998.

[6]تقرير الأمين العام، حياة كريمة للجميع: التعجيل بالتقدم نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية والنهوض بخطة الأمم المتحدة للتنمية لما بعد عام 2015، الدورة 68، 2013، بند 58.

[7] وضعت الدول هذه الضرائب أساسا لحماية اقتصادها المحلي.

[8]مما يعرض الشعب للمجاعة، وتجربة الصومال خير شاهد على ذلك وللتعرف على كيف تم إفقار الصومال وتجويعه عبر سياسات البنك الدولي  انظر هذا الرابط:http://cutt.us/9WWnN

[9]د.حاجم الحسيني، العولمة، مجلة دار السلام، لندن، فبراير 1998.

[10]ميشيل تشوسودوفسكي، عولمة الفقر، ترجمة محمد مستجير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 2012م.

[11]مصطفى الطحان، العولمة تعيد صياغة العالم، المركز العالمي للكتاب الإسلامي، 1998، ص37.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات