مقالات: الإباحية الجنسية للجميع، واحدة من كوارث الوثيقة الأممية

أ.سيدة محمود[1]

تستعد نيويورك خلال هذه الأيام لاستقبال وفود رسمية على أعلى مستوى، من رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء المائة والثلاث والتسعين في الأمم المتحدة؛ من أجل اعتماد وثيقة تصف نفسها بأنها “ميثاق للناس والأرض في القرن الحادي والعشرين”، الأمر الذي يستوجب الدقة في تناول هذا الميثاق المزعوم الذي يُراد عولمته على شعوب المعمورة.
وقد مهد لصدور هذه الوثيقة أو الميثاق على حد وصفهم، عقد مؤتمرات، وتشكيل لجان تمخض عنها مجموعة من الوثائق، شكلت مرجعية للوثيقة النهائية المزمع اعتمادها والمعنونة بـ:
“تغيير عالمنا بحلول العام 2030.. جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”
وقد أُشير إلى هذه الوثائق المرجعية في صلب الوثيقة بما يفيد اعتمادها كاملاً شأنها شأن سائر الوثيقة، وهذا من الخطورة بمكان؛ لأن بعض هذه الوثائق شهد سجالات، واعتراضات، وتحفظات عدة لكثير من الدول الأطراف، والتأكيد الأممي الأخير على تطبيقها كاملاً يعني أن تحفظات الدول كأن لم تكن شيئاً مذكورا، رغم أن هذه الاعتراضات لم تكن على مجرد فقرة، أو صياغة، أو حتى مصطلح، وإنما كانت تعبر عن رفض نمط حياة يمس معتقدات الشعوب وثقافتها وقيمها.
وسوف نتناول عبر هذا المقال واحد من الألغام الموجودة بالوثيقة، حتى وإن تسربل  بدثارات جوفاء، وشعارات براقة؛ بُغية ترويجه، وتيسير تمريره، وبخاصة من قبل الدول المحافظة، وهو: ((مصطلح الصحة الجنسية والإنجابية)).
ذلك المصطلح الذي شنت النسويات هجوماً واسعاً في السابق؛ بسبب إسقاطه من أهداف الألفية، فتقول إحداهن: “مما يثير الجدل أن التزام أهداف التنمية الدولية بتوفير الصحة الإنجابية للجميع قد أُسقط من أهداف الألفية التنموية نتيجة لمعارضة المحافظين لبرنامج القاهرة للسكان، وما تبقى هو بعض مؤشرات الصحة الجنسية والإنجابية، من بينها نسبة الوفيات بين الأمهات، ونسبة وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر، والأهداف الخاصة بالوقاية من مرض نقص المناعة المكتسبة”[2].
ولكنهم نجحوا في إدماجه كاملاً في وثيقة التنمية المزمع اعتمادها هذه الأيام، ويصرح بهذا الأمين العام للأمم المتحدة في البند 110 “سيكون من الضروري حتماً أن تكون صياغة مجموعة الأهداف من أجل التنمية المستدامة أوسع نطاقاً من صياغة الأهداف الإنمائية للألفية حتى تعكس التحديات الجديدة”[3].
وقد ورد مصطلح الصحة الجنسية والإنجابية بالوثيقة المزمع اعتمادها في أكثر من بند:
“…. وسنعمل على ضمان حصول الجميع على خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية”[4]،”ضمان حصول الجميع على خدمات رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك خدمات ومعلومات تنظيم الأسرة والتوعية الخاصة به، وإدماج الصحة الإنجابية في الاستراتيجيات والبرامج الوطنية بحلول عام 2030″[5].
والأشد خطورة أن هذه الخدمات لن تُترك لسيادة الدول أن تتعامل معها وفق قوانينها الوطنية أو نظامها الاجتماعي، وإنما نصت الوثيقة أن يكون وفقاً لبرنامج مؤتمر السكان ومنهاج عمل بكين.
“ضمان حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وعلى الحقوق الإنجابية على النحو المتفق عليه، وفقاً لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، ومنهاج عمل بيجين، والوثائق الختامية لمؤتمرات استعراضهما “[6].
ما المقصود بالصحة الجنسية والإنجابية؟
الفارق دقيق بين الصحة الجنسية والصحة الإنجابية، فالصحة الجنسية تشير إلى ما يتعلق بسلامة الجهاز التناسلي والممارسات الجنسية فقط، أما الإنجابية فيزيد على ذلك ما يتعلق بالإنجاب.
ولكي نفهم دلالة المصطلح، يتوجب فهمه بلغة المنشأ الذي صُكَّ فيه فها هي “مارج بيرير” والتي تتولى تحرير مجلة “شؤون الصحة الإنجابية” Reproductive Health Matters التي تصدر في بريطانيا، توضح مدلول المصطلح في افتتاحية العدد رقم 6 شهر نوفمبر 1998، حين ذهبت في نهاية مقالها إلى أن: “معنى الصحة الجنسية يشير إلى كل أنواع الممارسات الجنسية حسب تعريف منظمة الصحة العالمية، ووثيقة مؤتمر السكان والتنمية 1994 على أن تكون الأعضاء التناسلية وما يرتبط بها من أجزاء الجسد الأخرى سليمة ومعافاة”[7].
والبند المشار إليه هو البند 94/جـ من وثيقة مؤتمر السكان والتنمية بأنها:
(حالة سلامة كاملة بدنياً وعقلياً واجتماعياً في الأمور المتعلقة بالجهاز التناسلي ووظائفه وعملياته) وهذا يعني أن الصحة الجنسية هي:
– تمتع المخاطب بهذا البند بغض النظر عن حالته الزوجية[8] بكامل المعافاة في كل ما يخص جهازه التناسلي، ووظائفه، وعملياته.
– تمتع المخاطب بهذا البند أياً كان توجهه الجنسي[9]، بكامل المعافاة في كل ما يخص جهازه التناسلي، ووظائفه، وعملياته.
– وبهذا يصير الختان أياً كان صورته فرعوني أو سني، للذكور[10] أو الإناث من الممارسات الضارة، والتي ينبغي وقفها بل وتجريمها.
–       ضرورة توفير التثقيف الجنسي كي يتعلم الأطفال والمراهقون كيفية السلامة من الأمراض الجنسية.
–       حق  المرأة في إشباع غريزتها بالصورة التي تقررها هي، لا التي تضبطها لها أية معايير أخرى إلا معيار السلامة.
–       حق المرأة في الامتناع عن زوجها، فإذا وطأها بغير كامل رضاها، يعتبر هذا جريمة[11]، يعاقب عليها القانون، وتسمى بـالاغتصاب الزوجي[12].
وتم تعريف (الصحة الإنجابية) في البند (95) من وثيقة بكين بأنها تعني: «الاعتراف بالحق الأساسي لجميع الأفراد، والأزواج (couples) في أن يقرروا بحرية ومسؤولية عدد أطفالهم، وفترة التباعد فيما بينهم، وتوقيت إنجابهم، و أن تكون لديهم المعلومات والوسائل لذلك، وبالحق في بلوغ أعلى مستوى ممكن من الصحة الإنجابية والجنسية» [13].
وهذا يعني تمتع المخاطب بهذا البند بـ:
– أزواج كانوا أو أفراد لهم كامل الحرية في اتخاذ قرار الإنجاب من عدمه، والمقصود بأزواج Partners & couples  أي اثنين يعيشان معًا بغض النظر عن نوع الارتباط، والأفراد أي فرد يعيش بمفرده ويتمتع بحياته الجنسية كيفما يشاء.
– حرية المرأة والمراهقة في اتخاذ قرار الإنجاب دون أن تُقتل دفاعاً عن الشرف، أو أن توصم بمخالفة شرع، أو أعراف اجتماعية، أو حتى قانونية.
–  حرية المرأة المتزوجة في أن تقرر تعقيم نفسها دون الرجوع إلى زوجها[14]، فلها الحق في أن تتحكم وتبت بحرية في المسائل المتصلة بحياتها الإنجابية.
–  حق الجميع بمن فيهم الأطفال والمراهقين في الوصول إلى المعلومات حول الجانب الجنسي والإنجابي.
– الحق في أن تكون وسائل منع الحمل متاحة للجميع، وبأسعار زهيدة ليتمكنوا من تأجيل الإنجاب.

  أسباب ترويج المصطلح:
يسعى الغرب -بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية- سعياً محموماً في اتجاهين كل منهما نقيض الآخر، فهو يدفع بالأموال الطائلة لأقطاره في سبيل تكثير النسل، وعلى الجانب الآخر ينفق المليارات في مشروعات تحديد النسل، وإنشاء مستشفيات التعقيم، وإنتاج حبوب منع الحمل لدول العالم الثالث، ويوجه المليارات من أجل ذلك. وهذه المليارات لو أنفقت في مجال النمو الاقتصادي لأثمرت نتائج إيجابية في مجال التنمية؛ فلماذا يُصر الغرب على تحديد نسل العالم الثالث، وتزييف وعي شعوبه بأن التنمية تمر عبر التحكم في الديمغرافيا؟
إن هذا إنما يعني أن القضايا السكانية تمثل بالنسبة للغرب مجالاً استراتيجياً حيوياً للتدافع الدولي خلال القرن الواحد و العشرين، وقد أوردت مؤسسات غربية وأبرزها الكنيسة الكاثوليكية كثير من الإحصاءات والتقارير تدق ناقوس الخطر في أن نسبة المواليد في الدول الغربية في هبوط مستمر، وقد بلغت لدى بعضها درجة الصفر[15]. وهذا الانحسار السكاني سيؤدي إلى ركود اقتصادي واجتماعي خطير.
هذا في الوقت الذي يزيد فيه العالم الثالث، وفي القلب منه العالم الإسلامي زيادة هائلة، قال “ترومان ستو لتنبرغ” المفوض السابق لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة لصحيفة كريستيان سيانس مونيتور سنة 1990م، “إن هذه الزيادة المضطردة في سكان العالم الثالث، والدول الإفريقية خاصة تهدد أمن الدول الأوروبية بشكل مباشر”[16].
   وسائل الغرب للحد من النمو السكاني لشعوب العالم الثالث:
لن يصل الغرب لمبتغاه والتبشير بما يريد إلا بتشويه الثقافات الأخرى كعملية لابد منها، فالتخلية تسبق التحلية، ولاسيما إن كانت هذه الثقافات تحتوي لقيم تؤدي إلى زيادة النسل؛ كالنظر إلى الزواج على أنه عبادة، وأن من مقاصده حفظ النسل، وتكاثر الذريات واستمرار الحياة،تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا أُبَاهِي بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[17]، وأيضاً المسؤولية في الأسرة التي تحمل الرجل عبء الإنفاق، ورعاية الأسرة من كل النواحي، بما يجعل المرأة تتفرغ للإنجاب، فضلاً عن الاستقرار الأسري الذي يهيئ للمرأة المناخ لإنجاب مزيد من الأطفال.
أولاً : ضرب المنظومة العقدية بالتشكيك في الإسلام، وتشويه تعاليمه وبخاصة الطعن في تعدد الزوجات؛ لأنه سبيل لتكثير النسل.
ليس هناك أيسر من خطاب المرأة، ومعاداة الإسلام لحقوقها الإنسانية سبيلاً ليشن أعداء الإسلام والحاقدين عليه، وأعداء الإنجاب حرباً شعواء على الإسلام وأحكامه، وعلى المرأة المسلمة ومعاناتها من “النظام الأبوي الذكوري” والدين الذي يتحيز للرجال ويُميز ضد النساء، ولن يعدم أن يجد له وكلاء ينعقون بما يشاء، فنجد إحداهن لا تستحي من ربط الدين بالعنف، وتصويره على أنه أحد مظاهر العنف الذي يؤثر على صحة النساء الإنجابية فتقول تحت عنوان:
((التأقلم مع العنف الذي يؤثر على صحة النساء الإنجابية والجنسية))
“وقد تتعرض الفتيات في فترة الحيض إلى الإقصاء باعتبار أنهن لسن طاهرات ويدنسن المكان، مما يخلق لديهن شعوراً بالقذارة والخجل، ويحذر القرآن في (سورة البقرة) على النساء والفتيات الحائضات لمس كتاب القرآن، والصيام، والصلاة على أساس أنهن غير طاهرات”[18].
ثانياً: ضرب المنظومة الأخلاقية، وإيهام المراهقين بأن تلبية الغريزة شأنه شأن تلبية الحاجة للطعام والشراب.
وأن يؤمن الجميع بما تؤمن به الثقافة الغربية من أن الجنس كالطعام، والشراب، والهواء، لا يمكن حرمان الجسد منه، وينبغي توفير وسائل منع الحمل بما يحقق للشباب تحديداً مغنمًا من المتعة بدون مغرم من النسل والذرية. وأنه على المجتمعات بدلاً من تقييد ممارسة الجنس بمجموعة من الأطر التشريعية والدينية، أن تعترف بحق الجميع في هذه الممارسات وتسمح بها علانية، بل ويجب على الحكومات “استعراض وإصدار قوانين ولوائح تتعلق بالحد الأدنى لسن ممارسة الجنسminimum legal age of consent ، والحد الأدنى لسن إتمام الزواج، ورفع الحد الأدنى لسن الزواج حيثما تقتضي الضرورة، وتهيئة التأييد الاجتماعي لإنفاذ تلك القوانين”[19].

ثالثاً: رفع سن الزواج بما يقلل من فترة الخصوبة:
كما جاء في الدراسة التي أجراها المجلس القومي للسكان بمصر: “أن كل ارتفاع في سن الزواج بمقدار سنة يؤدي في المتوسط إلى خفض عدد الأطفال في الأسرة بنحو 21 طفل، وتؤكد الدراسات المختلفة تأثر الخصوبة بشكل مباشر بالسن عند الزواج الأول حيث أن الزواج المبكر يعطي احتمالية أعلى لعدد مرات الحمل والولادة”[20].

رابعاً: إشغال النساء بالتعليم [21].
كإطلاق برامج ومشروعات تعني بتعليم الفتيات؛ لأن هذا من شأنه تأخير الإنجاب من جهة، وذلك حتى تنهي تعليمها، ويُقلل من عدد مرات الإنجاب من جهة أخرى لتغير نظرتها للإنجاب.
وقد ورد في تقرير حالة سكان العالم لـ UNFPA تحت عنوان ((التعليم يحسن الصحة الإنجابية)) “وتميل المرأة المتعلمة إلى بدء نشاطها الجنسي، والتزوج، والإنجاب في مرحلة من عمرها متأخرة عن المرحلة التي تبدأ فيها غير المتعلمة ذلك. كما أنها تنجب عدداً أقل من الأطفال: فكل ثلاث سنوات من التعليم الإضافي يقابلها إنجاب عدد من الأطفال أقل بطفل واحد لكل امرأة))[22].
خامساً : إلهاء النساء بالعمل.
الحد من عدد الأولاد من خلال تشجيع النساء على العمل خارج المنزل مدفوع الأجر؛ فالمرأة التي تزاول عملاً تحتاج إلى الراحة، “وفي دراسة أجريت على 260 أسرة عاملة أن 67.31% أطفالهن من 1-3، و8.46% أطفالهن من 4-6، و1.92% أطفالهن من سبعة فما فوق.[23].
وفي التقرير الأممي لسكان العالم توصية بتحقيق الغنى للنساء من خلال المشروعات الصغيرة؛ لأنهم وجدوا ثمة رابط بين فقر المرأة، وعدم استخدامها لوسائل منع الحمل؛ لأن “المرأة الفقيرة التي تكون إمكانية حصولها على وسائل منع الحمل هي الأقل، قد تجد صعوبة في أن تحدد عدد أطفالها وتباعد بين إنجابهم” [24].

سادساً: الترويج لوسائل منع الحمل وجعلها في متناول الجميع مجاناً أو بأسعار رمزية.

في تقرير ورد عن هيئة الأمم المتحدة أنه “حيثما تتوافر وسائل منع الحمل على نطاق واسع تؤخر المرأة عادة الإنجاب، ويكون الوقت الذي تقضيه وهي حامل أقل”، وفيما يتعلق بالفتيات المراهقات اللائي يمارسن الجنس (سواء كن متزوجات أو غير متزوجات) قد يعني تنظيم الأسرة لهن الفارق بين الحمل المبكر، والحصول على تعليم.
إن منح الناس حرية، وسُبل اختيار عدد الأطفال الذي يرغبونه يؤدي إلى وجود أسر أصغر حجماً، وإلى إبطاء النمو السكاني، وانخفاض الضغط على الموارد الطبيعية[25].
سابعًا: الفصل بين المتعة والإنجاب.
بالدفع  في اتجاه ما يخالف الفطرة كوسائل لإشباع الغريزة؛ كالعادة السرية، والشذوذ الجنسي، فكلاهما يحقق المتعة الجسدية والانحلال، دون أن يكون هنالك خطر من الإنجاب كما في العلاقات السوية، ويتم إدماجه ضمن منظومة التثقيف الجنسي للأطفال والمراهقين كنوع من أنواع الجنس الآمن.

*   تداعيات التطبيع مع المصطلح:
1- الترويج للمصطلح يعني بدايةً تثقيف الجميع _وبخاصة المراهقين_ بالمعلومات الجنسية.
وتعرف الأمم المتحدة الثقافة الجنسية بأنها: “توفير معلومات كاملة ودقيقة عن السلوك الجنسي الإيجابي المأمون والمسؤول[26]، بما في ذلك الاستخدام الطوعي لوسائل الوقاية المناسبة والفعالة”[27].
وحتى لا نُتهم بالتخلف وعدم مسايرة ركب الحداثة، فإن هذا التثقيف والموجه بالأساس للأطفال والمراهقين على النحو الذي تريده المنظمة الدولية، قد جُوبه بمعارضة شديدة حتى من الغربيين أنفسهم، وبدا هذا واضحاً حين أعلنت اليونسكو -وهي الوكالة الدولية المعنية بتطوير التعليم والثقافة في العالم- مؤخرًا عن مشروع توزيع دليل تعليمي على وزارات التربية والتعليم، والمدارس، والمعلمين في العالم؛ بغية إرشاد المعلمين إلى ما يجب تدريسه لصغار السن من مواضيع تتعلق بالجنس، وأجسادهم، والعلاقات، والأمراض المنقولة جنسيًا. فشنت جماعات -أغلبها في الولايات المتحدة- هجومًا على مسودة الدليل التي صدرت؛ لأنها توصي بفتح حوار بشأن المثلية الجنسية، وتصف العفة بأنها: “أحد الخيارات المتاحة أمام صغار السن” لدرء المرض، والحمل غير المرغوب فيه، وتقترح المسودة التحاور مع أطفال تبلغ أعمارهم خمس سنوات حول العادة السرية”، وانتقد “كولين ميسون” من معهد بحوث السكان، -وهي مؤسسة مناهضة للإجهاض تتخذ من ولاية فيرجينيا الأمريكية مقرًا لها- المشروع قائلاً: “إذا مررت بموقف كهذا أبدًا حيث يتعين تدريس الجنس للأطفال قبل سن البلوغ، فإن هذه ليست الطريقة المناسبة للقيام بذلك”[28].
2- التوسع في تقديم خدمات منع الحمل والإجهاض للجميع، وبخاصة المراهقين؛ فالتثقيف الجنسي وحده لا يكفي، وإنما يصاحبه تقديم وسائل منع الحمل، وإجهاضه إذا لزم الأمر وفشلت الوسائل، وكأن المجتمع الدولي يعطي الضوء الأخضر للمراهقين (أقبلوا على إشباع فضولكم إثر ما تلقيتم من التعليم، وها هي الوسائل التي تقي الحمل أو الأمراض الجنسية، ولا تخشوا شيئاً فنحن نعلم حجم مصروف اليد معكم لذا سنوفرها لكم بأسعار زهيدة، أو مجانية إذا اقتضى الأمر )
فالنقد الذي توجهه إحدى الناشطات الأنثويات في إحدى الدول العربية، فيما يتعلق بمصطلح الصحة الإنجابية من زاويتين، بأنه تم قصره على خدمات منع الحمل، متجاهلين الإجهاض، فضلاً عن قصر خدمات منع الحمل هذه على المتزوجات فقط.  فتقول: “رغم أن المسؤولين في مجال الصحة قد استخدموا مصطلح الصحة الإنجابية باعتباره خدمات منع الحمل في الستينيات، وخدمات تنظيم الأسرة بعدها بعقد من الزمان، إلا أنه على المستوى الفعلي لم تذهب الخدمات الصحية من وسائل منع الحمل إلا للمتزوجات فقط، ولم يكن التركيز على تنظيم الأسرة على حساب إقصاء قضايا الصحة الإنجابية الأخرى هو الإقصاء الوحيد، فقد عاملوا قضايا الصحة الإنجابية الأخرى مثل الحصول على إجهاض آمن، أو محاربة التشويه الجنسين للإناث (الختان) كقضايا هامشية”[29].
3- التخلية بين المراهقين ومقدمي خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وإعطاء مقدمي خدمات الرعاية الصحية الجنسية الحق في التدخل في الأسرة، وعزل الأبناء عن الآباء؛ لاتخاذ قرارات تتعلق بالجنس للمراهقين بمعزل عن الأسرة، وإسقاط توجيهها للأبناء.‏ وفي تقرير أوردته مجلة شؤون الصحة الإنجابية الصادرة ببريطانيا حول تقييم العمل مع عيادات القطاع العام لإعطائها النجمة الذهبية، كان أحد معايير تقييم هذه العيادات ثقافة مقدمي الخدمات فيقول التقرير في أحد فقراته:
“اعتمادًا على المقابلات مع مقدمي الخدمات، وبسؤالهم هل الخدمات متاحة للمراهقين أقل من سن الرابعة عشر؟ وهل يحتاج المراهقون إلى موافقة الآباء لتلقي أي من الخدمات؟ وما هو الوقت اللازم بعد فترة من الاتصال الجنسي دون حماية الذي يحتاجه المراهق قبل أن يأتي إليك طالبا منع الحمل بشكل طارئ؟ وما هي الموافقات المطلوبة لإجهاض فتاة تبلغ من العمر 13 عام؟[30]

وفي وثيقة بكين [يجب أن تزيل البلدان العوائق القانونية، والتنظيمية، والاجتماعية، التي تعترض سبيل توفير المعلومات، والرعاية الصحية، والجنسية، والتناسلية للمراهقين، كما يجب أن تضمن أن لا تحد مواقف مقدمي الرعاية الصحية من حصول المراهقين على الخدمات والمعلومات التي يحتاجونها، وفي إنجاز ذلك لابد للخدمات المقدمة إلى المراهقين أن تضمن حقوقهم في الخصوصية، والسرية، والموافقة الواعية والاحترام].‏
4- أخطار صحية واجتماعية على فئة المراهقين على وجه الخصوص.
“فتحُ هذا المجال أمام المراهقين يجعل طاقاتهم واهتمامهم ينصرف نحو إشباع رغبات مسعورة كلما لُبيت ازدادت تأججاً (كمن يشرب من ماء مالح)؛ لأنها رغبات متفلّتة من كل القيود والمسؤوليات، فضلاً عن الأخطار الصحية التي تصاحب هذه العلاقات الجنسية المتحررة كالأمراض المتنقلة جنسياً (مرض الزهري، السيلان، الكلاميديا، مرض فقدان المناعة المكتسبة ((السيدا/ الإيدز)) وما ينتج عن هذه الأمراض من مضاعفات على خصوبة المرأة، كالعقم بسبب انسداد قناتي فالوب والحمل خارج الرحم.. ). هذا بالإضافة إلى احتمال حدوث حمل عند المراهقة، وما يمثل من خطورة على مستقبلها في سن التمدرس [التعلّم] لاسيما أنه -في غالب الأحيان- يلجأن إلى إجهاض الحمل غير المرغوب فيه، وأخطار الإجهاض تصاحبه أخطار وعواقب وخيمة على صحة المرأة النفسية (الشعور بالذنب)، والعضوية (خطر انثقاب الرحم، التعفنات والنزيف الحاد وما تتركه من مخلفات كالعقم والحمل خارج الرحم والإسقاطات المتوالية)، مما قد يحرم المرأة من إمكانية الأمومة فيما بعد. وفي الحالات التي يحتفظ بها بالحمل تعيش المراهقة (الأم خارج إطار الزواج) مآسٍ نفسية، واجتماعية، واقتصادية تجني على مستقبلها[31].
5-   ستكون الحقوق الإنجابية مدعاة إلى تغيير قوانين الأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية، فهذه القوانين تعد انتهاكا لحقوق المرأة الإنجابية،_من وجهة نظر الأنثويات_ وتعدٍّ على الفضاء الخاص بالمرأة!! فتقول إحداهن: “والأمور الأخرى المتعلقة بالحقوق الإنجابية.. أن القانون المصري يمنع الإجهاض القصدي إلا في الحالات التي يشكل فيها استمرار الحمل خطراً على حياة المرأة”[32].

الخاتمة:
إن كانت المجتمعات الغربية التي أباحت العلاقات الجنسية لكل الأفراد، وجعلتها حقًا من حقوق الإنسان، قد تعاملت مع واقع منحرف نتيجة لمقدمات منحرفة، فلمَ يُطلب منا أن نتعامل مع هذه النتائج كأنها مسلمات بديهية لا تقبل النقاش، وإذا كانت هذه المجتمعات قد توصلت إلى تقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية لأفرادها في محاولة للتعامل مع ما أفرزته تلك الثقافة من ظواهر خطيرة، كظاهرة حمل المراهقات، وظاهرة انتشار الإصابة بمرض الإيدز، فهل تعاني مجتمعاتنا الإسلامية من نفس الظاهرة، حتى يتم ترويج نفس المنظومة فيها؟
أم أن تلك المنظومة تخفي أهدافًا أخرى، من رغبة في شيوع الفاحشة، والفساد الخلقي والانحلال؛ مما يسبب لانهيار مجتمعاتنا بأكملها، كنتيجة لانهيار المنظومة القيمية والأخلاقية، فتكون لقمة سائغة للمستعمر، الذي خطط ودبر ونفذ كل تلك المخططات للوصول إلى هذه النتيجة، مستغلاً خطاب قضايا المرأة، والبيئة، والتنمية.



[1]  باحثة علوم سياسية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سابقاً.
[2] هيلاري ستاندينج، بانوراما للتغيرات في مجال إصلاح قطاع الصحة في البلدان ذات الدخل المنخفض، مجلة شئون الصحة الإنجابية، بريطانيا، العدد السادس، نوفمبر2003.
[3]  لمزيد من التفاصيل، انظر الوثيقة الصادرة عن تقرير الأمين العام، الجمعية العامة، الدورة الثامنة والستون، البند 118 من جدول الأعمال المؤقت، متابعة نتائج مؤتمر قمة الألفية، حياة كريمة للجميع: التعجيل بالتقدم نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية والنهوض بخطة الأمم المتحدة للتنمية لما بعد عام 2015.
[4]  خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، البند 26.
https://sustainabledevelopment.un.org/post2015
[5] خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، مرجع سبق ذكره، البند3-7.
[6] خطة “تغيير عالمنا بحلول العام 2030 جدول أعمال جديد للعمل التنموي العالمي”، مرجع سبق ذكره، البند5-6.
[7] مارج بيرير، الجنس والصحة الجنسية والأمور الجنسية، مجلة شئون الصحة الإنجابية، مركز نورس للدراسات والبحوث، العدد السابع، نوفمبر 2004، ص 7.
[8]  زواج شرعي، أو خارج إطار الزواج.
[9]  طبيعياً كان أو شاذا.
[10] عرض فيلم يحذر من ختان الذكور كواحد من فعاليات المؤتمر الدولي السادس لجمعية تضامن المرأة العربية الذي تبنته وزارة الثقافة المصرية، وعقدت جلساته في قاعة مكتبة القاهرة الكبري بمشاركة وفود من 91 دولة، من مخاطر طبية ونفسية على الذكور جراء ختانهم وهم أطفال، إضافة إلى الانعكاسات السلبية التي تصيب الأمهات باعتبار أن ختان أولادهم مظهر من مظاهر العنف الشديد.
محمد صلاح، ختان الذكور معركة جديدة … لنوال سعداوي، جريدة الحياة، ت.م: 07-01-2002، ت.هـ: 23-10-1422، (العدد: 14173)، ص1. 
[11] طالبت وثيقة (بكين+5) بضرورة التعامل جنائيًا مع ما أسمته بالاغتصاب الزوجي، ومعاقبة الزوج عليه كما في (البند 69d – بكين+5): “وضع التشريعات و/أو تعزيز الآليات المناسبة لمعالجة المسائل الجنائية المتعلقة بجميع أشكال العنف العائلي بما في ذلك الاغتصاب في إطار الزواج ..وكفالة سرعة تقديم هذه القضايا للعدالة”.
[12] الاغتصاب الزوجي Marital Rape:”طلب الشريك (الزوج وغيره) للقاء الجنسي دون رغبة الشريكة يعد اغتصابا زوجيا، وهو جزء من العنف المنزلي “موسوعة الزواج: -marriage.about.com glossary
[13] إعلان ومنهاج عمل بكين، البند 94، 1995.
[14] جاء في تفسير المادة (12) في البند (أ) الخاصة بالصحة في اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ما يلي:
“تكون للقوانين المتصلة بتقييد حصول  المرأة على خدمات تنظيم الأسرة أو استخدامها لها على سبيل المثال اشتراط الحصول على إذن سابق من الزوج كشرط أساسي لتقديم الخدمات أو المعلومات منافية لهذه المادة ويجب بالتالي تعديلها. وعلى الدول الأطراف أن تتأكد أن العاملين في مجال الطب وكذلك المجتمع على علم بأن مثل هذا الإذن غير مطلوب وبأن مثل هذه الممارسة منافية لحقوق المرأة.”
د/ محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، من كتاب عواطف عبد الماجد إبراهيم، رؤية تأصيلية لاتفاقية السيداو، مركز دراسات المرأة الخرطوم، 1999، ص 85، 86.
[15]  لمزيد من التفاصيل انظر هذا الرابط: http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title
[16] حوار مع محمد طلابى مدير مجلة الفرقان، المغرب، 8أكتوبر 2009
http://www.alislah.ma/
[17]  حديث مرفوع، وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم من حديث معقل بن يسار مرفوعا: تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم، ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الأوسط والبيهقي وآخرين من حديث حفص بن عمر بن أخي أنس عن عمه أنس قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: تزوجوا الوَدود الوَلود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وصححه ابن حبان، والحاكم، ولابن ماجه من حديث عطاء بن أبي رباح.
[18]عايدة سيف الدولة، الحقوق الإنجابية للنساء المصريات، مجلة قضايا الصحة الإنجابية، مركز دراسات المرأة الجديدة، العدد الرابع، مايو 2002، ص 50.
[19] وثيقة القضاء على جميع أشكال العنف والتمييز ضد الطفلة الأنثى، الاجتماع 51 للجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة، 2007، البند: ألف/ 13/ك
[20] ظاهرة الزواج المبكر بريف محافظة أسيوط (مصر)، المجلس القومي للسكان، عام 2000، ص 45.
[21] لسنا ضد تعليم المرأة، بل إن الإسلام جعل طلب العلم فريضة، وليس لسنوات معدودة وإنما من المهد إلى اللحد، ولكن على ألا يعطل التعليم رسالة المرأة الأساسية بل يصاحبها ويعزز المهام التي كلفها الله بها.
[22] – هيئة الأمم المتحدة، إصدار حالة سكان العالم، عام 2005، الفصل2: الاستثمارات الإستراتيجية: عائد المساواة، ص11.
[23] الأضرار الناتجة عن خروج النساء للعمل، الشبكة النسائية العالمية.
[24] – الفصل2: الاستثمارات الإستراتيجية: عائد المساواة، حالة سكان العالم 2005، ، ص 11.
[25] – الفصل2: الاستثمارات الإستراتيجية: عائد المساواة، حالة سكان العالم 2005، ص 12.
[26]  الجنس الآمن: هو استخدام كافة الوسائل أثناء الممارسة الجنسية لمنع الحمل ومنع الإصابة بالأمراض الجنسية، وأما الجنس المسئول  فهو الاستخدام الطوعي لهذه الوسائل بالاتفاق مع الآخر.
[27]  دليل تدريبي للمراهقين، أصدره الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، عمان، الاتحاد، 2001، ص112.
[29] عايدة سيف الدولة- الحقوق الإنجابية للنساء المصريات قضايا للنقاش- مجلة قضايا الصحة الإنجابية- مايو 2002.
[30] كيم ديكسون، العمل مع عيادات القطاع العام لتوفير خدمات صديقة للمراهقين، مجلة شئون الصحة الإنجابية، العدد السابع، بريطانيا، ترجمة مركز نورس للدراسات والبحوث، نوفمبر 2007 ص 74- 75 .
[31]حوار الصحوة مع الدكتورة عائشة فضلى، اختصاصية في طب النساء، الرباط، عدد 46، جمادى الأولى، 1416ﮬ/ أكتوبر 1995.
[32] عايدة سيف الدولة، الحقوق الإنجابية للنساء المصريات قضايا للنقاش- مجلة قضايا الصحة الإنجابية- مايو 2002.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة 13 من برنامج أمومة

9م - 9:30م
جميع الفعاليات