قراءات:  عرض كتاب “النسوية” في ضوء منهج النقد الإسلامي.. من إصدارات باحثات

“النسوية” في ضوء منهج النقد الإسلامي، لأستاذ الأدب والنقد الحديث في قسم اللغة العربية بجامعة الدمام وضحى بنت مسفر القحطاني، وهو من إصدارات مركز باحثات لدراسات المرأة (ط1: 1437ه – 2017م)، ويتكون الكتاب من فصلين، وخمسة مباحث وخاتمة.
تناولت فيها المؤلفة الأدب النسوي بالنقد والتحليل، حيث وقع اختيار ها على روايتين سعوديتين، (رواية خاتم للكاتبة رجاء عالم، وهي تقع في 254 صفحة، من إصدارات المركز الثقافي العربي، 2007م، ورواية هند والعسكر للكاتبة بدرية البشر، وتقع في 208صفحة، من إصدارات دار الآداب، 2006م).
وعللت د. وضحى ذلك بأن التأثر بالفلسفة النسوية فيهما كان ظاهرًا، كما أنها حرصت على كون الروائيتين سعوديتين، قائلة “لأن النسوية حراك اجتماعي؛ لذا يحاسب بقيم المجتمع الذي يُزج به فيه”.
و تتبدى أهمية الأدب في كونه ليس إلا وليد فلسفات، ومفاهيم، وقيم، فكانت كل مدرسة أدبية تسبقها حركة نقدية تنظر لها، وتفلسف لها المواقف، وتمهد لها السبل الفكرية ليأتي الأديب وقد ضرب بعصا سحره الأدبية النص بعدما تمتم بهذه الفلسفات وتلك التوجيهات النقدية.
وقد خصصتْ الحديث عن (الحركة النسوية)؛ باعتبارها الأكثر مساساً بالمرأة، وباعتبار المرأة فيها كاتبة وعاملة في الوقت نفسه، فهي حركة ذات أبعاد فلسفية، ولها حراك وحضور اجتماعي، وبالتالي لها أيضاً نتاج أدبي، ورؤية نقدية ينطلق منها هذا النتاج.
فتحدثتْ في المبحث الأول عن نشأة الحركة النسوية، وحيثيات ظهورها، ذاكرة أن الظهور الأول لمصطلح (feminism) كان في عام 1895م. بينما تم اعتماد المصطلح في حقول العلوم الإنسانية في عام 1910م.
ثم عرجت على تعريفات مصطلح النسوية، وترجماته، حيث تترجم (feminism) في العربية بالنسوية نسبة إلى النساء، وترجمته إلى أنثوي فيها إيحاء بالضعف والرقة، وهذا ما تحاربه بعض النسويات كنازك الأعرجي، بحجة عدم تناسبه مع ما تطرحه من الأطروحات الفكرية للكاتبات النسويات.
والنسوية مفهوم سياسي مبني على مقدمتين منطقيتين أساسيتين _نقلًا عن موريس بام_:
1- أن بين النوعين مؤسسة تقوم على عدم المساواة بين النساء والرجال، وتعاني النساء بسببها من انعدام العدالة في النظام الاجتماعي.
2- أن انعدام المساواة بين الجنسين ليس نتيجة لضرورة بيولوجية، لكنه ناتج عن الفروق التي تنشئها الثقافة بين الجنسين، يقدم هذا المفهوم للنسوية جدول أعمالها الذي يحتوي على مهمتين: فهم الآليات الاجتماعية والنفسية التي تنشئ وتؤيد انعدام المساواة بين النوعيين، والثانية تُغير هذه الآليات.
ثم تتتبع بداية تاريخ مصطلح (النقد النسوي)، إذ ظهر على يد الكاتبة الناقدة الأدبية الأمريكية “إيلين شوالتز” عام 1979م في كتابها “نحو بلاغة نسوية”، وقد كانت المطالبات في البداية بأن يركز على صورة المرأة في النصوص التي يكتبها الرجل، ومدى تأثر القارئات بهذه الصورة الإقصائية أو الاختزالية، ثم أصدرت كتابها (النقد النسوي في العراء) عام 1978م، وأصبح النقد النسوي أي اتجاه يتناول النصوص التي تكتبها المرأة.
المبحث الثاني: الأصول الفكرية:
وعن منطلقات الفكر النسوي، تذكر الكاتبة أن المطالع للفكر النسوي برغم منطلقاته المختلفة يجده يدور في فلك قضايا رئيسة، وهي: الجنوسة، والبطريركية، ومواجهة المرأة للقمع الذي يفرضه المذكر، وحقوق المرأة. وما سبق يدخل ضمن هذه الدوائر الكلية تباعا، وإن كانت تتغذى بمشارب عدة، فكل عنصر من هذه العناصر تناولته الليبرالية، والماركسية، والراديكالية، وفق رؤيتها الخاصة، ومركز الدائرة في ذلك كله هو مناصرة المرأة واستقواؤها.
أولاً: الجنوسة :Gender
أصل الكلمة لاتيني genus وتعني النوع أو الأصل، ثم تنامى إلى أن أصبح في الفرنسية gendre وظل بنفس معناه الأصل أو النوع.
وكان تشبث النسوية بمصطلح الجنوسة أو Gender باعتبار أن التوظيف النحوي له دور في المفاهيم الثقافية والاجتماعية، فالجنوسة بالتالي ليست فروقاً بيولوجية، فالتكوين الجنسي ليس معياراً للقيم الثقافية، فالجنوسة أو النوع يقصد منه تركيبة اجتماعية ثقافية لا علاقة لها بالتكوين الجنسي البشري، فالفروق بين الرجل والمرأة فرضها المجتمع بثقافاته المختلفة بقوة القانون والسلاح، فالضغط الاجتماعي والثقافي يؤسس بنية الجنوسة.
ولذلك تحارب النسويات مصطلح (Sex) ويصررن على Gender؛ لأنهم يرون أن (Sex) فرضه الذكر وليس الهدف منه تمايز الذكر من الأنثى، وإنما القصد هيمنة الرجل ودونية المرأة.
وختمت بذكر رفض د. الصادق النيهوم للجندر الرفض القاطع وفق المفاهيم البيولوجية، والمفاهيم والأيديولوجيات العلمانية، حيث علق تعليقاً جميلاً قائلًا: إن المرأة الأوروبية أخطأت الطريق الذي تريد عبوره، فبدلاً من أن تمشي بطريق تحدده، سارت بجنب الرجل على طريقه القديم، فأبرزت المساواة على أنها مطلب عام للحركة، وهذا يوضح أن الحركة افتقدت الفلسفة، فالمشي بجوار الرجل لا يمكن تحقيقه عمليا، فالحياة تأباه.
ثانياً: البطريركية والقمع الذكوري:
أ‌- البطريركية:
تتكون البطريركية من كلمتين يونانيتين تعنيان مجتمعتين (حكم الأب)، وهو من المصطلحات التي تروج في حقلي الدراسة الإنسانية (الأنثروبولوجيا) والدراسات النسوية، والنسوية انطلقت من المفهوم الأنثروبولوجي، ولكنها وظفته على حقيقته وتأولته، فرفض النسويات للبطريركية هو رفض للسلطة الدينية، والتي كان يمارسها البطارقة بالنيابة عن الأب، والذي يعتقد النصارى أنه الله _تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً_.
ب-القمع الذكوري:
ظلت المرأة تنظر للرجل على أنه ندّ و (آخر)، والآخر من المصطلحات التي برزت في دراسات الخطاب، سواء خلال الهيمنة الاستعمارية أو ما بعدها، ويراد به إقصاء كل ما لا ينتمي إلى نظام فرد أو جماعة أو مؤسسة، سواء كان النظام قيماً: اجتماعية أو أخلاقية، أو سياسية، أو ثقافية، فهو في مقابل الذات (غيري) أو كل ما يهدد الوحدة والصفاء، وبهذا المفهوم شاع المصطلح في النقد النسوي، وكان الرجل هو الآخر لدى النسويات.
ورفض المرأة للرجل ورغبتها أن تكون معه على قدم المساواة في شؤون الحياة وأصعدتها المختلفة: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومناهضة القمع، هي التي دعت النسويات لطلب منحهن السلطة والدعم السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وهو ما عرف في الفكر النسوي بـ مصطلح (منح السلطة).
تقول سيمون دي بوفوار بأن أدوار النساء جميعها من صنع الرجال ومؤسساتهم، ولكنها يمكن أن تكون كما تريد لا كما يريد لها الرجل، واقترحت ثلاثة إجراءات تعين المرأة على تجاوز ما هي عليه، وهي:
أن تمارس العمل حتى وإن كان قامعاً أو مستغلاً، ففي العمل تثبت المرأة تعاليها وأنها ذات،
أن تمارس نشاطاً فكرياً، فالنشاط الفكري يتيح لها تغيير المجتمع،
أن تحرص أن تكون مستقلة اقتصادياً عن الرجل؛ لأن مفتاح تحرر النساء الاقتصاد.
وقد خصصت الكاتبة المبحث الثالث للحديث عن التصور الإسلامي للنسوية، قائلة:
يعد التصور في الأدب من أبرز روافد الانطلاقة الفكرية، فالفكر يستقي من المبادئ والمفاهيم تكوينه، وهذا التصور عادة ينطلق من العقيدة التي يدين بها الإنسان، سواء كانت هذه العقيدة سماوية، أم وضعية من صنع الإنسان نفسه (ويرتبط تأثيرها في الأفراد بمدى التزامهم بها، وتثقفهم بمبادئها من جهة، وبثرائها وقدرتها على تقديم تفسيرات قوية لقضايا الإنسان والكون والحياة من جهة أخرى.
وأما التجارب الشخصية فهي الأحداث التي يمر بها الفرد، ويخرج منها باقتناعات خاصة).
وقد جاءت النسوية حركة أبعد ما تكون عن التصور الديني الصحيح، بل لقد كانت خروجاً على كل ما يمت بصلة إلى الدين.
وبعد أن تحدثت الكاتبة عن ظروف نشأة النسوية في الغرب، أعقبت ذلك بذكر قواعد كلية لتعامل الإسلام مع المرأة:
القاعدة الأولى: أنَّ المرأة كالرجل في الإنسانية سواءً بسواء، لا فرق بينهما في ذلك بأي حال؛ وهذا واضح في الكتاب والسنة، ومما يدل على ذلك في الكتاب قول الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
القاعدة الثانية العدل:
قال تعالى: ﴿إنَّ سَعيَكُم لَشَتَّى﴾ وتبعاً لهذا الاختلاف الحاسم في المهمة والأهداف، اختلفت طبيعة الرجل والمرأة، ليواجه كل منهما مطالبه الأساسية وقد زودته الحياة بكل التيسيرات الممكنة، ومنحته التكييف الملائم لوظيفته.
القاعدة الثالثة:
الإسلام أكرم المرأة بتأكيد براءتها من التهم الموجهة إليها من رجال الديانات المحرّفة، وكشف زيف ادِّعاءاتهم، ويدل لذلك جميع النصوص القرآنية التي تبيِّن أن الخطيئة لم تقع من حواء فقط _كما يدّعي محرفو الكتاب المقدس_ بل جاءت تؤكِّد أنَّ الشيطان أزلَّ آدم _عليه السلام_ وزوجه حواء جميعاً، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنهَا فَأخرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ لِيُبدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنهُمَا مِن سَوءاتِهمَا﴾ ؛ بل ورد ذكر آدم _عليه السلام_ وحده في سياق آخر لقصة الغواية، في قوله سبحانه: ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وقوله قبل ذلك: ﴿فَلَا يُخرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقَى﴾ وهنا لفتة لطيفة، وهي أن الله _سبحانه وتعالى_ لم يقل فتشقيا؛ وقد ذكر العلماء رحمهم الله لذلك حِكماً منها: أنَّ الرجل قيِّم المرأة، فشقاؤه يتضمن شقاءها، كما أنَّ سعادته تتضمن سعادتها، ومنها: أنَّ الخروج من الجنة سيؤدي به إلى الشقاء في طلب الرزق وإصلاح المعاش، وهذه _من حيث الأصل_ وظيفة الرجل دون المرأة.

الفصل الثاني:
قبل أن نلج للنقد والتحليل، بدأت الكاتبة بتبيان أهمية الأدب بالنسب للفكر، فهو لسانه، وانعكاسه، كما أن الأدب يعد طريقًا مختصرًا لطرح قضية ما.
والنقد النسوي يركز على إلغاء الفروق بين الذكر والأنثى فيما يسمى بالجنوسية، ويعنون بها الهوية الثقافية أو الاجتماعية للشخص، بصرف النظر عن كونه ذكرا أو أنثى.
وترى النسويات أن تكتب المرأة بجسدها ما لا يستطيع الذكر تفكيكه، فالمرأة تحدس المرأة من بعيد، وبعض الكاتبات ترى أن هذا النمط من الكتابة النسوية بالجسد ووصف دقائق المرأة مغيب لأسباب اجتماعية، فتستعيض المرأة عنها بالإغراق في الكتابة عن المشاعر، فيجعلها ذلك هشة ضعيفة، وتلجأ النسويات للتجارب الخاصة جدا للمرأة كمصدر للقيم المؤنثة الإيجابية في الحياة، والفن؛ فالنساء وحدهن يعانين تجارب: الإباضة، والطمث، والحمل، والمخاض، ويرى هؤلاء النسويات أن محاولة مقاومة نظام الخلق الطبيعي للمرأة ستتبدد في النهاية.
المبحث الأول: المضامين والأساليب النسوية في رواية (خاتم):
تقول الدكتورة وضحى:
ترتكز رواية خاتم للروائية رجاء عالم على فكرة الجنوسة أو الجندر بالمفهوم المتجذر بنوعيه البيولوجي والاجتماعي، فبطلة القصة أو بطل القصة (خاتم) كما أسمته الروائية ولد بعد ستة أبطن كانت الأم تحمل فيها بتوأم ذكر وأنثى، فيموت الذكر، وتبقى الأنثى، وقد كانت (سكينة) زوجة الشيخ (نصيب) في هم وحزن، فمن سيحمل اسم العائلة ذات الثراء الفاحش، والتي تقطن في أعالي جبال مكة، حتى كانت ولادتها بخاتم تلك الولادة المفجعة. اتكأت الكاتبة كثيراً على عنصر التشويق والإثارة، وتركت القارئ يتتبع مشهد الولادة معها ليفاجأ مع الأم والأب بالمولود المفرد والذي لا ثاني له _فلم تلد سكينة هذه المرة توأماً كعادتها_، ولكن عنصر المفاجأة تبدى في نوعه “وبان ما بين ساقي الوليد، بإصبع مرتعد أشارت سكينة لما بان، وجاوبها اصطكاك أسنان الشيخ نصيب، كمن لحقته مياه الفجر، تراجع مسحورا حتى ارتطم ظهره بزير الماء الضخم أم الأزيار).
والتعامل بطريقة الحيلة سمة للكتابة النسوية، حيث ترى (لانسر) أن مستويات السرد في النص السردي النسوي هي حيلة لتمرير رسالة تحتية لمسرود إليه آخر مختلف عن المسرود إليه الأول، الذي وجهت له رسالة سطحية، وأن هناك مسرود إليه ثالث يقرأ رسالة ثالثة وفق ظروفها وسياستها وانتقادها للمجتمع الأبوي، إنها حيلة لمواجهة السلطة الذكورية، وهذه الحيلة تبدأ في إرباك القارئ وتعامله مع خاتم على أنها أنثى سخط والدها على ميلادها وعاملها بتذبذب تارة ذكر وتارة أنثى! وهذا هو الفكر الجنوسي، حيث تبدأ رواية الجنوسة بميلاد خاتم وتنشئتها، فتارة تظهر خاتم في ثياب الصبي، حينما تعتاد المساجد وحلق الذكر، وفي الزواجات والمناسبات ترتدي ثياب الأنثى، مما جعل الكاتبة تنطق البطلة بفلسفتها النسوية: “ما أهمية ما إذا كنا إناثًا أو ذكورًا؟!”
والأعجب أن تجعل (سندا) ربيب الشيخ (نصيب) وعتيقه وصديق خاتم في صباها يؤيد خاتم فيما ذهبت إليه، وكأنها تقول ما نطلبه لا يرفضه الرجال ممن ينصفوننا “بدا سند عاجزًا عن إيجاد ما يقول لقشع تلك الجدية المخيمة عليهما، وكمن يفكر بصوت مسموع قال:
“كوني بنتًا أو ولدًا، أنا أحب صحبتكِ مهما كنتِ”.
ولكن رجاء لم تستطع أن تظهر الرجل الذي يتقبل الفكرة بسهولة، لذا جعلت سنداً يتردد خلال حواره مع خاتم حينما كانت خاتم تقنعه بجمال وضعها الجنوسي أو الجندري، حيث لا تعيش حياة النساء أو حياة الرجال
“لا أعرف، إنها تمنحني مكانًا أوسع للحركة، أنا لا أطيق البقاء مع أخواتي في المبيتات ووراء البرقع، أحب نظرَ الناس في عيني ونظري في عيون الناس على الطريق، لا أطيق خروج الحمارة دون أن أكون على ظهرها”
“لا أعرف، إنه يُحيرني . . . أحيانًا لا أعرف كيف أشعر نحوك، كما أشعر نحو ولد أم نحو بنت . . .”
“أيختلف؟”
“بالتأكيد. . .” ثم تراجع، “لا أدري، ربما يختلف”.
لم تكن خاتم سوى (خنثى) كما ختمت بهذا الحكم رجاء عالم روايتها خاتم، وفي النهاية غلبت جانب الذكر لكي تثير الفكرة الشاذة نسوياً، بأن حتى الجسد يستجيب لرغبة صاحبه، وماذا يريد أن يكون، ولأن خاتم في مجتمع يعظم شأن الذكر ويعطيه الحريات المزعومة مالت لذلك خاتم، وكانت كذلك، لكن الكاتبة أرادت أن تعاقب الشيخ الذي تعلق بالذكورة، واستمات كي يكون له ذكر بأن جعلت تحقيق هذا الشيء في آخر الرواية، حيث كان حظ الذكور الموت، فلن يهنأ بالذكر الوحيد والحلم الذي تحقق في خاتم فالموت نصيب كل ذكور عائلة الشيخ نصيب. وهنا سؤال يفرض نفسه هل تعاملت رجاء مع الذكر على أنه آخر تناصبه العداء؟
لم تستخدم رجاء لغة الهجوم على الرجل، فرواية خاتم تظهر الرجل في صور عدة: الشيخ نصيب المتشبث بالذكورة، وسند الشاب المتفهم، وهلال ذاك الشرس على جميع الأصعدة، فلم يسلم من شراسته النساء والرجال، لكنه يشترك مع السقّاء اليمني في ضعفه أمام خاتم حينما تتلبس بثوب الأنثى.
وقد وظفت الكاتبة رجاء عالم كل أساليب وتقنيات اللغة لخدمة فكرتها وإظهار تشبثها بالنسوية مضموناً وأسلوباً، فالراوية تمثلت لغة الأنوثة حينما ركزت على وصف مشاهد الولادة بدقة يعجز عنها الرجال، ووصفت انتقال الألم بدقة لا تتأتى حقيقة إلا من أنثى، بل وأنثى مارست مهنة الأمومة، وعاث الطلق بجسمها فتكاً وألماً، وهذا مضمار من مضامير المرأة واللغة، حيث تسابق فيه لوحدها وتضمن السبق والرهان.
ولعل هذا تكشفه الراوية حينما جعلت خاتم وليدة ولادة متعسرة، فخاتم خرجت بنزف لهذه الدنيا، وخرجت وهي تركل بقدميها فلم تولد كباقي الصغار منكسة على رأسها.
(موجات وموجات اجتاحت الرحم في محاولة يائسة لتنكـيس الجنـين الواقف في الرحم، عبثاً ولا صرخة انطلقت حين شق الوليد الرحم بقدميه خارجاً بأكبر بركة دم. لكأن الأم لفظت رحمها في تلك الطلقة، نزف بطعم نبوءة سكنت رأس الشيخ نصيب للأبد).
فعلى الرغم من الأنثوية الطاغية على مشهد الولادة، إلا أننا نلحظ الرمزية الشديدة والإيحاءات النسوية التي صورها المشهد، فهذه الحالة من الضعف الشديدة التي تلبست بها سكينة في هذا المشهد، إلا أن الخارج منها يرفض الانصياع للمعتاد، فلا يخرج منكساً وإنما يخرج على قدميه، إذا كان الموت واقفاً هو رمز للدفاع عن الحرية، فكذلك الميلاد واقفاً، أرادت الكاتبة أن تشعر القارئ هنا بداية مغايرة للمعتاد، فالكاتبة وظفت الشخصية (خاتم) لكي تدافع عن فكرة الجندر ، وأن المجتمع يقبل ما نفرضه نحن عليه، بل وجعلت البطلة (خنثى) لكي تصبغ فكرتها بالمعقولية.
ورجاء حينما وصفت الأنثى بصورتها الضعيفة وصفت سكينة في ضعف رسم على جسدها ونطق به (ضفيرتا سكينة من خيـوط المسـك، ناصـعة البياض من الجذر لنهاية الأطراف، قالوا إن ذاك البياض هو حرقتها من خطف الموت لخمسة من أولادها، في كل بطن كانت تحمل بذكر وأنثى).
هذه الصورة المهزوزة للأنثى المنكسرة ليست اعتباطية، فسكينة تمثل الضعف والاستكانة، لذا انتقت لها هذا الاسم بالذات، مما يجعلنا نعيد النظر لرمزية الأسماء ودلالتها في القصة، فالشيخ نصيب كان له النصيب الأكبر من الثراء والسيادة، وسند أخذ هذا الاسم بدلالته الظاهرة، فالنظرة للذكر دائما أنه السند، في حين هلال كان رمزا لبداية التغير، وتبقى خاتم اسم شخصية القصة الرئيسة وعنوان الرواية، تتطابق في دلالته على غرض الرواية، فهو مموه يحتمل التذكير والتأنيث، وكانت خاتم خاتمة الولادات وخاتمة القصة كانت بخاتمتها.
المبحث الثاني: المضامين والأساليب النسوية في رواية (هند والعسكر):
ارتكزت هذه الرواية على فكرة رفض البطريركية أو السيطرة ، فتحطيم التابوه الثلاثي: (الدين، والمجتمع، والجنس) ظاهر في القصة، وإن كان التركيز فيه على الأول والثاني، فمنذ بداية القصة وهي تقوم بدور الراوية الساردة، ثم تتقمص البطلة وتعود لتنسلخ بعيداً، لقد دارت الراوية والرواية حول البحث عن الحرية بمفهومها الليبرالي، ولذا ارتدت الراوية ثوب الليبرالية، وانطلقت من الرؤية الليبرالية وهي مدرسة مستقلة في المنهج النسوي؛ لأنها تنادي بتحقيق كل شيء من منطلق الحرية، فإنها تقبل بأن تحطم المرأة كل شيء لتحصل على حريتها وتتخلص من القيد.
وتركيز الكاتبة على تحطيم التابوه الديني جاء صارخاً، حيث مزجت الكاتبة بين سيطرة المجتمع والدين وتمثل المجتمع في الحدث القادم الأم، حيث كانت متشبثة بالدين، وتحاكم بناتها له في كل موقف، وتقوم الكاتبة هنا بدور الاستلاب.
فقد ظهرت الأم طوال الرواية بدور الحارس للمجتمع الذكوري، وهذا هو الاستلاب، فالأم لم تكن كابنتها تحارب وتضاد المجتمع، بل أتت حارساً يباشر التنفيذ.
والأمر في ظني يتجاوز منطلق الاستلاب، بل هو طعن في الخلفية التي صنعت هذه الأم، فهيلة أم هند كانت امرأة متدينة، وهذا ظاهر خلال كل أحداث الرواية، وكما أشارت الكاتبة نفسها لامتزاج الدين بشخصية أم هند (كان الله يشبه في مخيلتي وجه أمي، فهو غاضب على الدوام علينا، ويتوعَّدنا بالحريق الذي كان على الغالب يشبه قَرص أصابع أمي التي تولجها في باطن أفخاذنا الطرية).
فحقيقة السخط كان على الدين بمفهومه العميق (الإيمان بالله) وإلا بطلة بثقافة هند لم يعجزها أن تدرك بساطة تصرفات الأم، وأن تعليمها البسيط أسقطها في العنف في بعض المشاهد.
امتدت جرأة الكاتبة ليس على الصعيد الاجتماعي ومخالفة خصوصيته ومحافظته فقط، بل بدأت بقصف معالم التدين والربط بينها وبين حاجات مكبوتة أو أغراض مكذوبة، فكانت تصور زميلة عملها جهير بأنها تخفي ما لا تظهر، وتدعي نصحهم وتتضجر من عملها في مكان مختلط، وترصد للكتّاب الذين يدعون لتحرير المرأة، ثم تهرب مع زميلها الباكستاني لتتزوج به في الخارج، فليس في بلدنا أية مجال للحرية التي كانت تحاربها ثم غادرت البلاد تبحث عنها!
وإبراهيم – شقيق البطلة- كان نموذجاً لمن وجد في التدين والإرهاب والمنهج التكفيري متنفساً للضغط والكبت الذي عانى منه، حيث كان من المضطهدين المنبوذين من الأم، المستغلين في تقديم الخدمة في التجارة مع الأب، وحينما وقع في حب بنت الجيران، كاد يقع في الفاحشة فزاد حنقه على نفسه ومجتمعه. ووجد طريق التنفيس في تفجيره لنفسه مع مجموعة من ذوي الفكر التكفيري.
البطلة التي ترفض كل قيد تقرأ لـ كازنتزاكيس أو كما تسميه الراوية (كازنتزاكي)، ولماذا كان التوظيف والاستدعاء لهذه الشخصية في الرواية؟ كازنتزاكيس هو من أشهر الروائيين عداء للدين، (رغم انتقاده الدائم للأديان إلا أنه لم يكن ينتقد رجال الدين كأفراد، وإنما ينتقد استخدام الدين كغطاء للتهرب من المسؤولية والعمل الفعَّال).
ولا شك أن هذا الانتقاء لهذا الروائي لم يكن اعتباطاً، وإنما توظفه الكاتبة للغرض نفسه السخط على الدين ومظاهر التدين التي تراها الكاتبة تحول دون ما تريد.
وفي الختام، بيّنت الكاتبة موقف التصور الإسلامي الرافض للمرتكزات الفكرية للنسوية: فالجندر مخالف لناموس الكون، وسنة الله في الخلق، وقبوله يقتضي رفض التشريعات التي عاملت المرأة والرجل كنصفين يكمل بعضهم البعض، وجعلتهما مهيأين لعمارة الأرض وحمل المسؤولية الإنسانية، فالجندر ليس إلا هلاك للحرث والنسل هلاك للحرث ممثلا بكل حرث في الأرض وكل أوجه العمل، فإسناد مهام الرجل للمرأة ظلم والضد كذلك. وفيه إهلاك للنسل؛ لأنه سيخل بمنظومة الجنس البشري بقبوله للتزاوج بحسب ما تمليه ثقافة الفرد على نفسه: فانتشار المثلية قضاء على البشرية، ووأد للأسرة بمفهومها الصحيح. واستجلاب لغضب الله ونزول اللعنة على المتلبسين بها والراضين بانتشارها.

 

إعداد مركز باحثات لدراسات المرأة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة 13 من برنامج أمومة

9م - 9:30م
جميع الفعاليات