قراءات: الحركة النسوية “قراءة ناقدة”

بين أيدينا كتاب بعنوان الحركة النسوية، من تأليف سوزان ألس واتكنز ومريزا رويدا ومارتا رودريجوز، وترجمة جمال الجزيري، ويعد الكتاب من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة لعام 2005، ويمثل هذا الكتاب الموجة النسوية الثانية، حيث يتصدر الغلاف مشهد امرأة ذات عضلات لا ترتدي أزياء نسائية، بل زيّا عماليّا رجاليّا، وتُخفي شعرها كله كأنه غير موجود داخل قطعة من القماش وليس قبعة نسائية مزركشة، وتنظر للجميع نظرة تحدّ.

فقد سعت الموجة النسوية الثانية إلى تمييع الهوية، وإعادة تعريف الأنثى، وإن كان هذا يعني ضمنياً الاقتراب بالمرأة من النموذج الذكوري، والسير في مسار التحجيم والطمس للخصائص الأنثوية، وهي بهذا تختلف عن الموجة النسوية الأولى التي “تسعى فقط لنيل المرأة بعضاً من الحقوق العامة التي يحظى بها الرجل”[1].

كما تختلف عن الموجة النسوية الثالثة، والتي تبدت بوضوح في غلاف كتاب “ما بعد النسوية” للكاتبة النسوية صوفيا فوكا وريبيكا رايت، والتي ارتدت فيها المرأة أزياء نسائية، في إشارة إلى أن عصر الانبهار بالنموذج الذكوري قد ولّى.

 وتكمن نقاط الخلاف الأساسية بين الحركة النسوية القديمة في موجتيها الأولى والثانية، والحركة في موجتها الثالثة في أن الحركة الجديدة لا تريد أن تحيل المرأة رجلاً، بل تظل امرأة كما هي؛ اعتزازاً بالنموذج الأنثوي، بل واكتفاءً به عن الذكور.

لنستعرض ما ورد بالكتاب أولاً ثم نناقش ما ورد به من أفكار، ولكن قبل أن نقلب صفحات الكتاب يجدر بنا أن نسوق ملاحظتين:

الأولى: أن الكتاب لا ينتهج النهج المعهود للكتب، بل يسوق المادة العلمية من خلال صور وعبارات ساخرة على ألسنة الشخصيات التي تتناولها المؤلفة.

الثانية: أن الكتاب ليس فصولاً أو مباحث، وإنما عناوين تنتقل المؤلفة من عنوان لآخر، وقد تعود للعنوان ذاته مرة أخرى حينما تتناول فترة زمنية مغايرة.

يحاول الكتاب التأريخ للحركة النسوية ما بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ليتطرق في نهايته إلى النسوية في العالم، ويسلط الضوء على بعض المشاهد المنتقاة بدقة، للإيحاء بدلالات معينة، كاختيار بلدان إسلامية كباكستان وإندونيسيا، واللمز بأحكام شهادة النساء، وتعدد الزوجات!

وسوف أتناول الكتاب عبر تقسيمه إلى أقسام ليسهل متابعة قراءته:

أولاً الحركات النسوية في الغرب إبان القرن الثامن عشر:

  • الحركة النسوية البريطانية:

سلطت المؤلفة الضوء على كتاب ماري وولستون كرافت “حقوق النساء” عام 1792م، والذي تحدثت فيه عن الطغيان المنزلي، بمعنى استعباد النساء من خلال الأسرة، واصفة الزواج بأنه بمثابة دعارة قانونية، كما أشارت في كتابها إلى موقف الرجال من إنكار الحقوق السياسية للمرأة، وطالبت بفرص متساوية للتعليم والعمل، على أن يكون التعليم مختلط.

ثم أشادت بنزول المرأة العمل قائلة: “بحلول منتصف القرن التاسع عشر أصبح هنالك جيش من النساء البريطانيات العاملات المستقلات، اللاتي يقبضن أجورهن بأنفسهن، ما أشعرهن باستقلاليتهن. لكن ظلت أجورهن أقل من أجور الرجال، وكل ما تملك المرأة يصبح ملكًا لزوجها عند زواجها”[2].

كما نظمت بربرا لي سست، وبسي رينر باركس عام 1856م التماسات لمشروع قانون حق المرأة المتزوجة في ملكيتها.

كذلك أرّخ الكتاب للالتماس الذي قدمته البريطانيات عام 1865م لمشروع قانون حق المرأة في التصويت، ليقدم على يد عضو البرلمان جون ستيوارت مل.

  • الحركة النسوية الفرنسية:

كما مثلت “كرافت” باكورة الحركة النسائية البريطانية، فإن أوليمب دي جورج كان لها ذات الأثر في فرنسا، حيث نشرت عام 1791م إعلان حقوق النساء؛ رداً على إعلان حقوق الإنسان الصادر عن رجال الثورة الفرنسية، فقد رأته إعلاناً لحقوق الرجال، وكذلك طالبت بمسرح قومي للنساء.

  • الحركة النسوية الأمريكية:

إذا كانت الثورة الفرنسية ألهمت النسويات مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، فإن الحركة المناهضة للعبودية في أمريكا ساهمت في إعطاء النساء _سوداوات وبيضاوات_ فرصة تنظيم أنفسهن.

وكان أبرز رائداتها “هاريت تيبمان”، وهي عبدة هرّبت عبيدًا إلى الولايات الشمالية في أمريكا، وكذلك ايلين كرافت والتي كانت ابنة لعبدة لدى صاحب مزرعة، وقد أصبحت متحدثة في جمعية مناهضة العبودية بعد هروبها للشمال، ثم هربت إلى انكلترا، وعادت بعد الحرب الأهلية إلى جورجيا حيث أدارت مدرسة للسود، أيضاً “سارة ماب دوجلاس” التي أسست عام 1833م الجمعية النسائية المناهضة للعبودية، وهؤلاء النساء اللواتي استمدت حركة حقوق النساء الأمريكيات إلهامهن.

إلا أن ميلاد الحركة الحقيقي بأفكاره الراديكالية ومؤسسية حقوق المرأة كان حين أسست “لوكريشا موت” و “اليزابيث كادي ستانون” حركة تحرير المرأة[3]، وقد عقدتا المؤتمر الأول لحقوق المرأة في كنيسة صغيرة في سينكا فوولز بنيويورك عام 1848م، وحضره 100 امرأة ورجل.

ثانياً: الحركة النسوية في العالم إبان القرن التاسع عشر:

حاول الكتاب إيهام القارئ بعالمية الحركة النسوية وتأريخيتها، وأن لها جذور متشعبة في كافة أنحاء العالم:

(الهند – إندونيسيا – الصين – اليابان- أستراليا – البرازيل – الأرجنتين) وبالطبع سلطت الضوء على الشخصيات التي تطالب بمطالب نسوية دون أن تشير إلى الشخصيات النسائية الأخرى، والتي تتصف بالاعتدال، وتطالب برفع الغبن عن المرأة في إطار ثقافتها.

في الهند، سلطت المؤلفة الضوء على “بانديتا راماباي” (1858م- 1922م) والتي كتبت دراسة عن الهندوسية من منظور نسوي بعنوان: “القانون الديني للمرأة”، وجابت الهند لتأسيس مجموعة من المنظمات النسائية باسم Mahila Sanaj، كما أشادت المؤلفة بما أطلقت عليه نضال المدافعين عن حقوق المرأة في التعليم والتصويت، وفزن بذلك بمساندة المجلس الوطني الهندي عام 1918م.

 وفي إندونيسيا، نددت “رادن آجن” (1879-1904) بتعدد الزوجات، ونادت بحق المرأة في التعليم وأسست مدرسة للبنات.

 وفي اليابان، شنت النسوية الرائدة “كيشيدا توشيكو” (1863م-1901م) حملات في القرن التاسع عشر من أجل حقوق المرأة وتصويتها في الانتخابات، ونشرت الجماعة النسوية سيتوشا مجلة باسم سيتو، نشر بها مقالات عن الثقافة المعاصرة، والزواج، وحقوق المرأة، وحق التصويت. كما شُنت أول حملة لحق المرأة في التصويت عام 1917م.

وفي الصين أسست “تان جانينج” الجمعية الصينية للمناصرات لحق المرأة في التصويت في بكين عام 1911م.

وفي أستراليا، تأسست جمعية المرأة الأسترالية عام 1909م، وحصلت المرأة الأسترالية على حق التصويت عام 1909م، إلا أن الأستراليات الأصليات لم يحصلن عليه حتى عام 1967م، وناضلت النساء فيها من أجل المساواة في الأجور والحقوق بين النساء والرجال.

وفي البرازيل أسست “برثا لوتز” الاتحاد البرازيلي للارتقاء بالمرأة، ولم تفز المرأة بحق التصويت إلا في عام 1932م.

وفي الأرجنتين عقد المؤتمر النسائي الدولي عام 1910م، ليتأسس عام 1918م حزب نسائي قومي بالأرجنتين يتبنى مطالب المرأة.

ثالثاً الحركة النسوية الاشتراكية:

أفردت مؤلفة الكتاب عددا من الصفحات، فلا بأس به مقارنة بغيره من الموضوعات؛ للدلالة على تأثير هذا الفكر في الحركة النسوية، بل وتأثير آلياته في تغيير استراتيجيات الحركة.

وبدأت المؤلفة ب “فلورا ترستان” (1803-1844) وهي من النسويات الاشتراكيات الأوائل، عاشت في باريس وكتبت “اتحاد العمال” وقد أثرت آرائها كثيراً في الحركة النسوية الاشتراكية. وبديهي أن تشير المؤلفة إلى الكتاب الذي استمدت النسوية بكافة أطيافها منه فكرها وهو كتاب “أصل الملكية والعائلة والدولة” الذي أصدره فردريك إنجلز عام 1884م، ليتبنى الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني أفكار إنجلز، ثم ينشر أوجست بل زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي كتاب “المرأة في ظل الاشتراكية” Woman under socialism وينتشر الكتاب انتشارا واسعًا مروجاً لأفكار إنجلز.

كما أشارت المؤلفة لأبرز شخصيتين نسويتين كلارا زنكن (1857م-1933م) زعيمة حركة النساء في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وألكسندرا كولنتاي، وقد دارت حوارات بين لينين وزنكن بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م، أشارت المؤلفة لواحد منها فقد كان لينين يرى أن الشيوعية كافية لتحرير النساء _ترك النساء على المشاع وتحطيم الملكية الخاصة ولاسيما ما يوجبه عقد الزواج_ بينما رأت زنكن أن الجنس والزواج يمثلان صراعا حقيقيا في المجتمع المتعفن، ومعاناة حقيقية للنساء من كل المستويات والطبقات الاجتماعية بما فيها الطبقة الرأسمالية.

  أما ألكسندرا كولنتاي فهي روسية انضمت 1896م للجماعة الماركسية، وعام 1914م انضمت لحزب لينين البلشفي، وقلدها لينين منصب كوميسار للرفاهية الاجتماعية. عملت مع النساء البلشفيات الأخريات على تنفيذ برنامج اشتراكي للمرأة، وطالبن بحرية العلاقات الجنسية وإباحة الإجهاض، إلا أن ستالين _بعد الانهيار الذي أصاب المجتمع_ جعل تدعيم الأسرة مهمة رسمية، وتم رفض حرية الحب، وأدخل نظام (المجد الأمومي) وصدرت قوانين معادية للإجهاض والطلاق عام 1936م، وتم تجريم المثلية الجنسية، وبرأي المؤلفة أن هذا ليس بصالح المرأة، وعلى حد وصفها “كل المكاسب التي حققتها إصلاحات أوضاع المرأة، تقوضت برد الفعل الستاليني”.

رابعاً: الحركة النسوية في القرن العشرين:

ثم تناولت المؤلفة الحركة النسوية في القرن العشرين في استعراض سريع للانهيار الاقتصادي الذي أصاب الغرب، ثم الحرب العالمية الثانية وتأثيرها الإيجابي _برأي المؤلفة_، حيث كان على الحركة النسوية بتأثير الحرب أن ذهبت سبعة مليون امرأة في الولايات المتحدة الأمريكية للعمل؛ نتيجة لذهاب الرجال للحرب، وشغلت النساء وظائفا اعتبرن في السابق أنهن “لا يستطعن القيام بها”، عندها أوجدت الحكومات فجأة حضانات كافية للأطفال.

ثم سلطت الضوء على أبرز شخصيتين نسويتين في هذه المرحلة، إحداهما فرنسية، والأخرى أمريكية، وأطلقت على الأولى عنوان: (العواء في البرية) فبرأيها أن سيمون دي بوفوار كانت الصوت المؤثر النسوي الوحيد الذي أطلق صرخته في الخمسينات، بإصدارها كتابها الموسوعي الجنس الآخر عام 1949مThe second sex .

والثانية بيتي فريدان والتي نشرت عام 1963م كتابها الذي دشن هذه المرحلة “اللغز الأنثوي” وأسست المنظمة القومية للمرأة.

وقد استقالت بيتي فريدان من رئاسة المنظمة القومية للمرأة عام 1970م، ونادت بإضراب النساء للاحتفال بالعيد الخمسين؛ لإعطاء المرأة حق التصويت، ولقي الإضراب تجاوبًا مذهلًا، وكان هذا العام هو حقا العام الذي بدأ فيه تحرير المرأة الأمريكية حقًا. وفي عام 1972م أقر مجلس الشيوخ تعديل الحقوق المتساوية للدستور الأمريكي الذي يحرم التمييز الجنسي، وفي عام 1973م أعطت المحكمة العليا المرأة الحق بالإجهاض.

تحرير السحاقيات:

اعتبرت المؤلفة أن نضال السحاقيات لتحقيق مطالبهن قد أثمر، واستعرضت شكل هذا النضال، وكيف واجهن تحديًا كبيرًا ومقاومة كبيرة من المجتمع، وصنفن كمريضات نفسيًا. مثمنة سعيهن لإظهار هوياتهن بعد أن كن مضطرات لإخفائها في الستينيات؛ خوفاً من العقاب، وأشارت إلى الكاتبة السحاقية ريكليف هول كتابها “خير الوحدة” داعية إلى ترك السحاقيات يعشن بسلام.

تحرير النساء السوداوات:

لعبت النساء السوداوات دورًا حيويًا في تنظيم جماعات الدفاع عن الذات المناضلة مثل مركز السوداوات في بركستون، أخوات ساوثهول، وأنشأن شبكة تنسيق باسم “منظمة النساء ذوات الأصول الآسيوية الأفريقية” فهن يعين أنهن يقاومن التمييز على أساس اللون والجنس والطبقة، بعد أن شهدت أواخر السبعينات زيادة كبيرة في مضايقة الحكومة للسود، ونظرة اتهامية لذوي الأصول الإفروكاريبية والآسيوية، فأدركن أن هناك اختلافا بينهن وبين البيضاوات، وبينهن وبين الرجال السود، وبينهن وبين الطبقة الرأسمالية.

خامساً: مقارنة بين أجنحة الحركة النسوية:

قارنت المؤلفة بين الحركات النسوية مستعرضة الخط الفاصل بينها، فالنسوية الليبرالية إصلاحية بالأساس، تركز على الضغط على الحكومات لإجراء إصلاحات في صالح المرأة، ولكن برأي المؤلفة أنهن في الغالب كن يحصلن على وعود غير مجدية.

أما النسوية الاشتراكية تركز على الطبقة بالأساس، فهي ترى أن طبقة الرأسماليين تستعبد طبقة العمال، ومن ثم تتحالف النساء مع الرجال داخل الطبقة المقموعة في حركة معاداة الإمبريالية، ويشترك الجميع رجالاً ونساءً في منظمات العمال، والأحزاب السياسية اليسارية، وتخوض النسويات نقاشات مضنية مع الرجال المقموعين في تلك المؤسسات عن أهمية النضال النسوي.

أما النسوية الراديكالية فإنها تركز على الطبقة أيضاً، لكنها تجعل الرجال في طبقة تطلق عليها مسمى النظام الأبوي، والنساء طبقة أخرى، ومن ثم نضالها ضد نظام السلطة الأبوية، وكل المؤسسات الذكورية بما فيها النقابات العمالية واليسار مسيطر عليه من قبل الرجال، والنساء طبقة اجتماعية والرجال طبقة أخرى.

أما النسوية الاجتماعية فإنها تمزج بين الطبقة والنظام الأبوي، فحسبما ترى أن المشكلة هي خليط من هيمنة الرجال والاستغلال الطبقي، ونحن نحارب كليهما معا.

أما النساء المعاديات للأصولية: فهي حركة وليدة تأسست أواخر القرن العشرين لتحارب كل ما هو أصولي، وبالطبع الأديان السماوية على قمة هرم المعاداة، وفي اليوم العالمي للمرأة نظمت النساء المعاديات للأصولية 1990م اجتماعا عن الأصولية على مستوى العالم، حضرته نساء من دول عديدة.

في التسعينات اندمجت مواقف هذه الاتجاهات في توليفة تحاول تدارك نقاط القوة والضعف في هذه الاتجاهات؛ كي تروج الحركة النسوية لنفسها بأنها حليفة لكل حركات حقوق الإنسان.

سادساً: تحت عنوان النساء حول العالم:

استعرضت المؤلفة نماذج مختارة بدقة للإشارة إلى ما اعتبرته إنجازات نسوية:

في ألمانيا: تأثرت الحركة النسوية في الستينات باليسار المتطرف والتحليل النفسي الراديكالي، وانتعشت المجلات المناصرة للمرأة، كما ازدهرت حركة السحاقيات، وتفاعل المجتمع الألماني مع حملة ضد قانون الإجهاض/ المادة 218 تحت عنوان رحمي يخصني.

في فرنسا: قامت العاهرات عام 1976م باعتصامات ضد نفاق الذكور والدولة، وطالبن بحقوقهن المدنية.

في بولندا: سارت أعداد غفيرة من البولنديات سيرًا عسكريًا للدفاع عن حقوقهن في الإجهاض، ومنددات بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

في باكستان قاد منبر العمل النسائي الاحتجاجات على قانون الشهادة الحكومية العسكرية الذي يجعل شهادة المرأة في المحكمة تساوي نصف شهادة الرجل.

في العالم العربي: أنشأت نوال السعداوي ونسويات أخريات لجنة تضامن المرأة العربية، وتشكلت عدة جمعيات وشبكات للدفاع عن حقوق المرأة.

تعقيب:

  • أصابت المؤلفة كبد الحقيقة دون مواربة في تعريفها للحركة النسوية بأنها تعني:

 “التمرد على كل بنى القوى وقوانينها وأعرافها، وتتحدى تقسيم العمل في العالم الذي يجعل للرجال العام وللنساء العمل بدون أجر في المنزل، ويتحملن عبء الحياة الأسرية”[4].

فهذا التعريف يوضح السمات الرئيسة للحركة النسوية بما لا يدع مجالاً للمهادنة أو القول بإمكانية التقائها مع تيارات إصلاحية إسلامية أو غيرها، كما تجيب على أطروحات البعض بإمكانية تواجد (نسوية إسلامية) تدافع عن حقوق المرأة من منطلقات إسلامية، فهؤلاء وقعن في الفخ بكل سهولة، فالمنطلقات الإسلامية تختلف كليةً عن منطلقات الحركة النسوية، وإذا اختلفت المقدمات من البديهي أن تختلف النتائج، وعودة إلى التعريف نجد أنه يشير إلى:

  • التمرد: كاستراتيجية تتبعها الحركة لتحقيق مطالبها، فهي لا تسعى إلى الإصلاح، وإنما التغيير الراديكالي (الجذري) فهي لا تقنع بمجرد إصلاحات في القوانين أو السياسات.
  • على كل: فهي لا تبغي إلا التغيير الشامل في كافة مناحي الحياة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، على الصعيد الوطني والدولي، في الأسرة والمجال العام.
  • بنى القوى: بما فيها البنية الأسرية بين الزوج وزوجته، أو بين الأب وابنته، فالقوامة تُسمى _في هذا النسق المعرفي_ علاقة قوى غير متكافئة، وولاية الأب على ابنته تصير نظاماً أبوياً ينبغي فك إسار الفتاة فيه، ويتفق هذا البعد بقوة في التعريف الذي أورده معجم أكسفورد، حيث وصف النسوية بأنها:

“أسلوب في الحياة الاجتماعية والفلسفية والأخلاقيات يعمل على تصحيح وضع النساء المتدني الذي يحط من شأن المرأة ويحقرها، وفي مواجهة السيطرة الذكورية أو التحيز الجندري Gender bias  الذي أثر في البنية الثقافية والاجتماعية والإجراءات السياسية بل في الثقافة بشكل عام”[5].

  • قوانين بنى القوى وأعرافها:

تفسر هذه العبارة في ضوء الفكر النسوي الذي يرى أن الرجل قد اختلق فكرة تقسيم الأدوار كي (يزيف وعي المرأة)، ويقنعها بأن دورها هو (إعـادة إنتاج الـعنصر البشـري)، أي الحمل والإنجاب، فتقنع بالمجال الخاص (الأسرة)، بدعوى أنها مؤهلة له؛ لأنه يتفق مع تكوينها البيولوجي، وينطلق هو للعمل في المجال العام (الخارج) بما يضمن له السيطرة عليها، عن طريق التحكم في الموارد الاقتصادية، إضافة إلى سيطرته على المجال الخاص (الأسرة) نتيجة إنفاقه عليها. الأمر الذي نتج عنه _في زعمهن_ إبقاء المرأة في مكانة غير متساوية مع الرجل سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ومن ثم فالرجل _وفقًا لهذا الفكر_ يحظى بمكانة عالية؛ لأنه يعمل في الخارج (المجال العام)، بينما المرأة «مهمشة»، وفي وضع دوني؛ بسبب عملها في الأسرة (المجال الخاص) فتقول المؤلفة:

“إن انتشار الصناعات التي تعتمد على الميكنة والمدن بدأ في فصل العمل عن المنزل، وابتدع للمرة الأولى فكرة الرجل (كاسب العيش) و (ربة البيت) التابعة اقتصادياً” [6].

  • يُحمد للكتاب أنه ساق وقائع تاريخية توضح سبب تحرك النساء في الغرب لرفع الغبن عنهن، وهي وقائع تُفند أطروحة (يا نساء العالم اتحدن) فالمرأة المسلمة لم تعاني مطلقاً من إشكالية المرأة الغربية الواردة بالكتاب “كل ما تملكه المرأة يصبح ملكا لزوجها عند زواجها” فالمرأة المسلمة لها ذمتها المالية المستقلة على نحو ورد تفصيلاً في كتب الفقه.
  • يحمل الكتاب على الأمومة بشكل مبالغ فيه متجاهلاً الفطرة وحب المرأة الغريزي للأطفال، ويسير بالقارئ في اتجاه أنه لن تتحرر المرأة حقيقة إلا بالانعتاق من (عبودية التناسل) كما أطلقت عليها سيمون دى بوفوار، وليت شعري لمصلحة من يتم تزييف وعي المرأة؟ فنجد المؤلفة تستعرض في أكثر من فقرة ما يدين الأمومة، ويرسخ الاعتقاد بأنه استعباد للمرأة كالمقولة التي ساقتها المؤلفة للروائية الإنجليزية منى كيرد 1894م:

“الأمومة في حالتنا الاجتماعية الحالية هي توقيع وختم على عبودية المرأة، وهي وسيلة هذه العبودية وطريقتها، فهي تصنع سلاسل من لحمها ودمها، وتغزل خيوطًا من حبها وغريزتها”.

وفي موضع آخر:

“المادة غير المكتوبة في عقد الزواج: هل تقبلين بتقديم جميع خدماتك المنزلية مقابل الدعم الاقتصادي ولقمة العيش، كل الآمال بالعمل والمساواة في سن الرشد يمكن أن تتحطم على صخرة الواقع وتتحول المرأة إلى حبيسة المنزل مع طفل رضيع.”

وتتجاهل المؤلفة حقيقة رجوع كثير من النسويات اللواتي احتفت بهن من خلال صفحات كتابها عن آرائهن، وعلى سبيل المثال “بيتي فريدان” التي تراجعت كثيرًا عن أفكارها وأصدرت كتابًا عام 1999م بعد ثلاث عقود من كتابها الأول قالت فيه:

“إن ضرب الأسرة كان الخطيئة الكبرى، وأن النظام الاقتصادي يجب أن يتيح خيارات مثل العمل نصف الوقت؛ كي تتمكن المرأة من رعاية بيتها والمشاركة في المجال الاقتصادي والعام في آنٍ واحد”[7].

  • اعتبرت المؤلفة أن صدور قوانين تبيح الإجهاض وترفع التجريم عن الشذوذ مكاسب حققتها الحركة النسوية، وغضت الطرف تماماً عن تداعياتها في تدمير المجتمع الشيوعي بعد الأخذ بها، وحين تنبه الساسة هناك لهذا اُتهموا بالذكورية ومعاداة المرأة، فبرأيها الذي ذكرته على صفحات الكتاب:

“كل المكاسب التي حققتها إصلاحات أوضاع المرأة، تقوضت برد الفعل الستاليني؛ لأنه جعل تدعيم الأسرة مهمة رسمية، وتم رفض حرية الحب، وأدخل نظام (المجد الأمومي) وصدرت قوانين معادية للإجهاض والطلاق وتم تجريم المثلية الجنسية”.

  • كذلك بالنظر إلى ما اعتبرته إنجازات نسوية فيه مصادرة على واقع بقية البشر، وفرض دلالات تقويمية ونظامية وحركية بعينها على الآخرين، ولنتخيل من هذه الدلالات شكل المجتمع المنشود:

ازدهار حركة السحاقيات، وإباحة الإجهاض في ألمانيا، ونيل العاهرات حقوقهن المدنية كسائر العاملات في فرنسا، الدفاع عن الإجهاض في بولندا، اللمز بالإسلام في شهادة المرأة بأنها نصف شهادة الرجل في باكستان، أو فيما يخص تعدد الزوجات في إندونيسيا، مؤتمر معاداة الأصولية والتي تعني بالأساس الأديان السماوية..

 والطعن في أحكام الإسلام في كتب النسويات ليس بجديد، ولاسيما الشبهات التي لا يملون من إثارتها رغم أنهن في قرارة أنفسهن يعلمن واقعيتها، بل ويطالبون بها كالمظاهرات التي قمن بها لإقرار حق الطلاق، وصدق الله العظيم (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[8].

أما عن تجييش النسويات لمعاداة الدين باسم (معاداة الأصولية) فمفهوم وله ما يبرره، فالموروث الديني برأيها مصدر النظرة الدونية لها، وعامل رئيسي في هضم حقوقها.

ولن ندافع بالباطل عن أديان حرفها أناس عن مواضعها حفاظاً على مكتسباتهم الدنيوية، مقدمين تصورات منحرفة يرفضها العقل، فكان رد الفعل المغالي فيه مذاهب نسوية وغيرها تُعد انقلابا هائلاً على هذه التصورات الكنسية. وكما يصف بول هازار: “لم يكتف القرن الثامن عشر بالإصلاح وإنما أراد أن يحطم الصليب، وأن يمحو فكرة الاتصال بين الإله والإنسان أي فكرة الوحي، وأن يقوض الإدراك الديني للحياة”[9].

لكن ما نرفضه أن يتم سحب تجربة أوروبا المؤلمة مع الدين على الدين الإسلامي، وأن تنساق حفنة من المسلمات خلف هذه الدعاوى الباطلة، ومحاكاة الغرب فيما يدعو إليه، ففي هذا تغافل عن نسبية الخبرة الغربية وعدم صلاحيتها خارج بيئتها.

  • أما عن الشخصيات التي تناولتها المؤلفة في كتابها ناعتة إياهن برائدات الحركة، نجدها شخصيات لا أخلاقية، منهن بنات غير شرعية لآباء تنكرن لهن، ومنهن الهاربات من أسرهن وتخلين عن أبنائهن ليعشن حياة غير مستقرة أنجبن عنها أبناء غير شرعيين، ومنهن من شرعت في الانتحار تخلصاً من حياتها البائسة، فعلى سبيل المثال:

ماري وولستون كرافت (1759م- 1797م) ولدت في عائلة لأب إنجليزي كسول سكير تنتابه دوماً نوبات عنف، وأم مستهترة، وكانت ماري عضواً في مجموعة تضم المنشقين على الكنيسة الإنجيلية، وتتبنى قضايا اليهود والمشردين، وقد شهدت حياتها تخبطاً مريعاً، ففي عام 1793م ذهبت إلى باريس لتشهد الثورة الفرنسية، وكان عمرها أربعة وثلاثون عاماً، وهناك وقعت في غرام قائد عسكري أمريكي سابق يدعى جلنيمرت إملسي، إلا أن آمالها في علاقة تدوم مدى الحياة _على حد قولها_ لم يناسب إميلسي، والذي كان مغامراً متورطاً في معاملات تجارية مشبوهة. وقد تركها وحيدة في باريس وفي أحشائها جنين، وعاد إلى أمريكا برفقة ممثلة، وفي عام 1759م حاولت الانتحار بأن ألقت نفسها من فوق كوبري بونتي وفشلت في إغراق نفسها، ثم استأنفت حياتها بالدخول في علاقة مع الفيلسوف الفوضوي وليام جودون.

وأوليمب دي جورج (1748م- 1793م) ابنة غير شرعية تزوجت من جزار في جنوب فرنسا وأنجبت منه طفلين، ثم هربت إلى باريس وحدها، وغيرت اسمها، وامتهنت التمثيل على خشبة المسرح.

وثيرواني دي ميريكورتي (1766م- 1817م) جاءت إلى باريس وامتهنت الدعارة، ثم انضمت إلى الحركة النسوية بفرنسا، وشرعت في إلقاء الخطابات الثورية أمام الاجتماعات الكبيرة للنساء، وقد انتهت حياتها بخلل عقلي.

الخلاصة:

هكذا نرى تقلب الحركة النسوية من موجة إلى ثانية إلى ثالثة، بين التطرف والتطرف المضاد، ومن التحرر إلى المساواة إلى الاستعلاء إلى الاستغناء، ليكون مصيرها النهائي الاستلاب، حيث ضاعت هويتها وأعيد تعريفها، فلا هي ظلت أنثى ولا تحولت إلى ذكر، بل تاهت في خضم أنواع كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، زيفوا وعيها وقالوا لها بحق الاختيار، وحق الاختيار هذا فتح الباب على مصراعيه لعدم ثبات الهوية برمتها وفتح الأبواب لأنواع جدد، فتقول إحداهن: “إذا كان الجندر هو التأويل الثقافي المتغير فإنه يفتقر إلى سمة الثبات والانغلاق التي تميز الهوية البسيطة، وحيث أن الجندر يتسم بالتغير والانفتاح على هويات أخرى فإن هذا يتطلب إعادة النظر فيما يراه البعض “الحتمية الثنائية البيولوجية”، وبرأيها أن الاكتشافات الأنثربولوجية للنوع الثالث أو ما أطلقت عليه (الجندر المتعدد) تستوجب إعادة النظر، وهي بهذا  لم تكتف بنسف العلاقة بين الجندر والجنس _مع التحفظ على مصطلح الجندر_  بل سعت إلى نسف الجنس ذاته، فتشير إلى أن:

 “تقسيم الأطفال عند ولادتهم بحسب الجنس يخدم الأغراض الاجتماعية للإنجاب، إلا أنه من الممكن تفريقهم بحسب شكل شحمة الأذن، أو بشكل أفضل، ألا يتم تفريقهم بناء على التشريح إطلاًقا. إننا في تحديدنا “الجنس” بصفته جنًسا نقوم بتشكيل معايير محددة للتفريق والممايزة”[10].

وفي جعبة النسويات المزيد، حيث يطالب البعض منهن بإجراء تعديل في الأوضاع الجنسية ليتسنى للجنسين التحرر من أسر القيود والواجبات “التقليدية” ويرون أن المجتمع وحده ليس العقبة في سبيل تحقيق أهدافهم، وإنما هناك الحدود البيولوجية التي تشكل أكبر العقبات، ولأجل ذلك يدعو البعض منهم إلى استخدام علم تحسين خواص الجنس البشريEugenics ؛ لأجل إدخال تعديلات في شفرة الوراثة (المورثات/ الجينات) لتؤدي إلى توالد نوع جديد من النساء والرجال”[11].

ولن تتوقف هذه الصراعات الشاذة إلا بالعودة إلى هدي الله، والتصالح مع الفطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: 30.

 

إعداد مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] لمزيد من التفاصيل انظر: ليندا جين شيفرد، أنثوية العلم، ترجمة يمنى طريف الخولي، الكويت: عالم المعرفة، عدد 306، أغسطس 2004، ص12.

[2] في إشارة خبيثة إلى أن حال التي تعيش بدون زواج أفضل فهي تحتفظ بأجرها، بعكس المتزوجة. وهذا نتج عنه تداعيات خطيرة بأن زادت نسب العزوف عن الزواج، وزيادة نسب الاقتران غير الشرعي.

[3] لم يظهر على الساحة حركات للمرأة في الغرب الأمريكي قبل هذا التاريخ، وإنما حركات فقط لمناهضة العبودية، وقد تم اختراقها على يد إليزابيث ستانتون، حيث بدأت مع لو كريشا موت الترويج لمقولة (نحن في حاجة إلى جمعية لتحرير المرأة مثلما نحتاج جمعية لتحرير العبيد) وبالفعل بدأتا في تحويل دعوات تحرير المرأة من الحيز الفكري إلى مؤسسات (جمعيات ومؤتمرات يخرج منها أول إعلان لحقوق المرأة الأمريكية)، لمزيد من التفاصيل انظر: الكتاب ص 52:63.

[4] ص15 من الكتاب.

[5] Simon Blackburn, Oxford dictionary of philosophy, Oxford university,2005.

[6] ص20.

[7] http://islamonline.net/feker/articles/3796

[8] سورة النمل: 14.

[9] بول هازار، الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، ترجمة محمد غلاب، مصر: دار الحداثة للنشر، ص2.

[10] جوديث بتلر، الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار، ترجمة: لجين اليماني، مراجعة: أحمد العوفي، مارس 2016.

[11] كبعض المحاولات لاستخراج رحم المرأة وزرعه في بطن الرجل؛ ليقوم هو أيضاً بمهمة الإنجاب؛ كي يتسنى إنهاء عدم المساواة التي فرضتها الطبيعة على الجنسين بناء على المقال الوارد بالمجلة السوفيتية سبوتينك: عدد أكتوبر 1987 بعنوان “هل يمكن للآباء أن يتحولوا إلى أمهات؟” في: وحيد الدين خان، المرأة بين شريعة الإسلام وحضارة الغرب، ترجمة سيد رئيس أحمد الندوي، مراجعة ظفر الإسلام خان، القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع، 1414هـ – 1994م، ص 75.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة 13 من برنامج أمومة

9م - 9:30م
جميع الفعاليات