مقالات: هوية المرأة وعودة النسوية بخفي حنين

 لكل ثقافة في العالم أمثالها الشعبية التي ترتبط بعاداتها وتقاليدها وتعبر عن مظاهر حياتها، وقد استخدم العرب كغيرهم الأمثال رشدًا وحكمة واختصارًا للمقال، فالمثل يعبر عما تريده بكلماتٍ قلائل.

وعاد بخفي حنين:

من الأمثال العربية المشهورة (وعاد بخفي حنين) وهذا المثل له قصة واقعية حدثت في زمن قديم في العراق، إذ تحكي القصة أن هناك رجل يدعى حنين، كان يعمل في إصلاح وصناعة الأحذية في الحيرة بالعراق، جاءه في أحد الأيام رجلاً أعرابيا راكبا بعيرا، ونظر إلى الأحذية وتفقدها وأخذ يساوم حُنينًا على أسعارها، وأكثر جداله معه، وفي نهاية الأمر تركه دون أن يبتاع منه شيئاً بعد أن أضاع منه الوقت والزبائن، فغضب حنين كثيراً؛ لأنه أعطاه وقته وفضّله على زبائنه ولم يبع شي في هذا اليوم بسببه، ففكر في طريقة ينتقم فيها من الأعرابي، فسلك طريقا أسرع من طريقه، ووضع أحد الخفين اللذين كانا يريدهما الأعرابي على الطريق، ومشى مسافة أمتار أخرى ووضع الخف الثاني، وعندما كان يمشي الأعرابي وجد الخف الأول، وقال لنفسه ما أشبه هذا بخفي حنين لو أني لقيت الاثنان معاً لأخذتهما لكن هذا حذاء واحد، وتركه وأكمل طريقه، وبعد مسافة وجد الحذاء الآخر، قال كأنه هذا الخف الثاني من خفي حنين. فترك بعيره بجوار الخف الثاني وعاد إلى الحذاء الأول، وفي هذا الوقت كان حنين يراقبه، ولما ترك الأعرابي بعيره أخذه حنين بكل ما عليه وهرب، وعندما عاد الأعرابي إلى مكان الحذاء الثاني لم يجد بعيره الذي تركه في هذا المكان، وعاد إلى أهله لا يحمل شيئا سوى الخفين.

لماذا هذا المثل؟

 أصبح هذا المثل يقال لكل من عاد من مهمة ما خائبا، أو سعى لشيء ولم يجن إلا خيبة أمل، وصار عنوانًا لكل المناسبات التي يخفق فيها المرء ولم يخرج بشيء مفيد، لم يخرج منها بإنجاز حقيقي، إلا إنجاز بملامح خفي حنين الضعيف، وليس بقدر الطنطنة والبروباجندا التي أُثيرت حوله.

لن نخوض كثيرًا في تداعيات الأطروحات التي نادت بها النسويات على اختلاف تياراتهن، وكيف أن العقلاء من الجنسين في الغرب يطلقون صيحات التحذير على أمل وقف دكتاتوريتهن، لكن بلغ السيل الزبى وزاد الأمر عن حده، ليس في العداء للرجل أو للمجتمع، بل العداء للمرأة نفسها! فقد انجرفت المرأة إلى أرض التيه، وضاعت ملامح هويتها بين موجات النسوية الثلاث.

 لقد توعدت رائدة النسوية الوجودية سيمون دي بوفوار الرجل بتحطيم تفوقه قائلة: “إن المجتمع الذي وضع فيه الرجل تشريعاته وقيمه، ويعتبر المرأة أقل من الرجل، ولا تستطيع المرأة إلغاء هذا النقص إلا بتحطيم تفوق الرجل … إن كل اضطهاد يخلق حالة نزاع، والكائن الذي تُنتزع منه صفة الجوهر لتلصق به صفة التبعية لابد أن يحاول استرجاع سيادته” [1] فإذا بالمرأة وهي تسترجع سيادتها وفقا لأطروحات النسويات إذا بها في نهاية المطاف تتأرجح في اختيارها ما بين أن تكون هجينا مسخًا من آلة، أو لا تكون شيئًا على الإطلاق، أو أن تكون سحاقية.

 وهكذا بدعوى استرجاع السيادة هذا، نصبت ثلة من النسويات أنفسهن على نساء العالمين، يحددن لهن ما ينبغي على المرأة أن تعتقده، وما الذي عليها أن تفعله، فكانت العاقبة ندية، وصراع مع الرجل، فاستعلاء عليه، فاستغناء عنه، والآن الاستلاب.

سوف نقتصر في هذا المقال على ما وصلت إليه المرأة المعاصرة في مرحلة ما بعد الحداثة [2]، من استلاب هوية، وإعادة تعريف لذاتها، كأحد مظاهر التدمير النسوي للمرأة.

أزمة هوية المرأة داخل النموذج النسوي:

اختلفت نسوية ما بعد الحداثة في تعريف المرأة، اتفقن فقط في عدم الأخذ بالتعريفات المقدمة من جانب الرجال، فهي برأيهم ذكورية تعكس وجهة نظر الرجال، وعلى المرأة أن تضع لنفسها التعريف الذي يدل عليها.

وهنا يرددن ما قالت به دي بوفوار من قبل: “إن كل ما كتب عن المرأة من قبل الرجال يجب أن يثير الشبهات؛ لأنهم خصوم وحكام في الوقت ذاته، وقد سخروا اللاهوت والفلسفة والقوانين لصالحهم”[3].

وفات هؤلاء أن ذات القاعدة التي يستندن إليها تُدينهن أيضًا، فالرجال إذا كانوا خصوما وحكاما في هذا النموذج الصراعي فالنساء أيضًا كذلك، فمن يقوم بالمهمة؟

في النسق الإسلامي لا يوجد هذا النزاع أساسًا، فالخالق يشرع لكليهما دون محاباة لأي منهما على الآخر إلا بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [4].

ثم انقسمن إلى:

  • تيار يرفض تعريف المرأة نهائيًا، إذ يرون أن تعريف المرأة سيفتح باب التعددية: المرأة السوداء، المرأة المثلية، المرأة البيضاء … وبتسليط الضوء على التباينات الثقافية فإن المرأة تصبح نساء والتاريخ يصبح تواريخًا، والحركة النسوية تصبح حركات [5] بما يضعف الحركة.

وتؤيد “ليندا ألكوف” منهج “سكوت” التفكيكي بقولها:

 “والنسويات اللواتي تبنين هذا التكتيك يشرعن في مهمة تفكيك وإعادة تفسير جميع المفاهيم عن المرأة، لأن أية محاولة لتعريف المرأة سواء من قبل النسويات الأخريات أو كارهي النساء [6] على حد سواء هي رجعية سياسياً”[7].

  • وتيار يرى ضرورة تعريف المرأة شريطة أن يكون بناء على “مفهوم الأنثى الكاملة”

التي يحسدها الرجال ويخشونها ويحتاجون إليها، لأن عقمهم يؤدي برأي هذا التيار إلى التطفل على طاقة الأنثى، تلك الطاقة التي تتدفق من وضعها البيولوجي لخلق الحياة، بينما هي لا تحتاج إلا إلى بنات جنسها “إن عدم القدرة على الإنجاب عند جميع الذكور تؤدي إلى الاعتماد على المرأة، ونظرًا لحالة الخوف وعدم الأمان عندهم فإنهم يرغبون بالهيمنة والسيطرة على ما هو ضروري بشكل حيوي لهم: طاقة الحياة عند المرأة. إن طاقة الأنثى تحتاج أن تتحرر من طفيلياتها الذكورية، ويُخل سبيلها مع نساء أخريات. في هذا الحيز الحر يمكن للمرأة أن تبدع.. وعلى هذا تعريف المرأة كأنثى هو أساس التعريف، وإن النساء اللواتي يقبلن احتواءً باطلًا من قبل الآباء والأبناء هن مستقطبات بسهولة ضد نساء أخريات على أسس عرقية، وقومية، وطبقية، ودينية، واختلافات أخرى معرّفة من قبل الذكور، وهذه الاختلافات ظاهرية أكثر منها حقيقية وغير أساسية.. إن أساسنا مُعرّف هنا: في بيولوجيتنا الأنثوية، وهذا ما ينبع منه جميع الحقائق، من هم حلفاؤنا، من هو عدونا”[8].

وهذا التيار تتمة وتطور للنسوية السحاقية التي ترى أن يتم تحديد الهوية وفقاً للميل الجنسي وليس وفقاً للهوية الطبيعية للشخص، تقول إيف كوسوفكي جويك في كتابها (معرفة الغرفة): لم يعد الحال، كما كان في الماضي، أن يُصنَّف كل فرد ضمن فئة معينة، وإنما أصبح من اللازم إدخال تصنيف تنظيمي جديد، يأخذ في الاعتبار مسألة الميل إلى الجنس نفسه”، ومن ثم تُصرُّ إيف على: «ضرورة أن يتم تحديد هوية الإنسان، وفقًا لممارسته الجنسية، بحيث تصبح ممارسة الجنس _سواء بين أفراد الجنس الواحد، أو بين جنسين مختلفين_ هي السبيل إلى تحديد هوية الإنسان” [9].

  • ومنهن من رأت أن المخرج هو تعريف الإنسان كآلة ليس له هوية بيولوجية، ولا يمكن

للرائي تحديده مذكرًا أو مؤنثا، وبالتالي يتم إسناد الأدوار بدون أي خلفية بيولوجية أو عضوية، من غير ارتباط بعقيدة أو ثقافة تحددان دوره الذي ينبغي القيام به في هذه الحياة.

وأطلقت على هذا الكائن مسمىCyborg ، وهذا الكائن السيبورغي هو كائن هجين من آلة وكائن حي وعلى حد قولها: “إنه بمثابة عقار وقائي رائع ضد اشتهاء المغاير، واستنساخه مفصول عن التكاثر العضوي … ليس للسيبورغ قصة منشأ، ولا يتوقع من أبيه أن ينقذه من خلال إعادته إلى الفردوس، وذلك من خلال خلق زوج مغاير جنسيًا، ومن خلال استكماله في وحدة كاملة ومدينة وكون، والسيبورغ لا يحلم بمجتمع على نمط الأسرة العضوية، ولن يتعرف على جنة عدن، ولا بالعودة إلى تراب”[10].

وهكذا صعدت النسوية إلى الهاوية، فبعد أن كانت تعترف بالفوارق البيولوجية، ولكن تطالب بعدم الاعتداد بها عند توزيع الأدوار، ها هي تطالب بإلغائها تمامًا بكائن تخلقه هي، كائن ليس له أعضاء تناسلية يمكن أن تحدد هويته، كائن ليس له أساس بيولوجي أو نفسي أو عقلي، كائن ليس له أسرة، كائن لا يحتاج إلى حواء أو أن تحتاج هي إلى آدم، كائن لا يؤمن بخالق أو جنة، ولا يُطالب برسالة له في هذا الكون، كائن لا يؤمن ببرزخ أو حساب!!

وتستكمل تصورها على مستوى المجتمع قائلة:

“هذا المجتمع السبورغي سيلتزم ببناء شكل سياسي تتوحد فيه الساحرات، والمهندسين، والمسنين، والمنحرفين، والمسيحيين، واللينيين بما يكفي لنزع سلاح الدولة، مجموعة القرابة فيها ليست قرابة دم، ولكن قرابة اختيار: انجذاب مجموعة نووية كيماوية لمجموعة أخرى” [11].

إن الحركة النسوية إذا كان ظهورها لرفع الغبن عن المرأة، فإن تنامي حركتها وتطور اتجاهاتها الجديدة تحول إلى سفسطة، ودليل على عدم فعالية هذا المسار في استرداد حقوقها، رغم تحريف الحقائق العلمية، وزيادة الغموض في مقولة الحقوق التي امتدت إلى الغموض في تعريف المرأة ذاتها.

وهنيئاً للمرأة ما وصلت إليه أخيراً مع نسوية ما بعد الحداثة أن أجابت لها على الإشكالية التي أثيرت في بدايات القرن التاسع عشر: أيهما أحق بالنضال هل المطالبة بحماية بعينها للنساء بصفة الأنوثة أولاً؟ أم قبل ذلك بالصفة الأعم التي هي الإنسانية؟

فكانت إجابة المناضلات مؤخرًا حجب صفة الأنوثة وحجب صفة الإنسانية، فلا هي صارت أنثى طبيعية تتكامل مع الرجل، ولا صارت إنسانة، بل صارت سيبورغ!!

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] لمزيد من التفاصيل حول الذكر كجوهر والأنثى كعرض، انظر: سيمون دي بوفوار، ترجمة مجموعة من أساتذة الجامعة، 1949، د. م.

[2]  يعود مصطلح الحداثة إلى التطورات التي شهدتها أوروبا ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر والسمة التي اتفق عليها المفكرون في تعريف هذه الفترة بأنها مختلفة جذرياً عن كل ماجاء قبله والنقلة الحادة من الطرق التقليدية في الحياة إلى الطرق الحديثة.

تيمونز روبرتس، من الحداثة إلى العولمة، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 309، 2004، ص15.

[3] سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، مرجع سبق ذكره، ص8.

[4] الحجرات: 13.

[5]  جوان دبليو. سكوت، التفكيك وإعادة التفسير/ المساواة مقابل التمييز أو استخدامات نظرية ما بعد البنيوية للنسوية، في ويندي كيه. كولمار، وفرانسيس بارتكوفيسكي، النظرية النسوية: مقتطفات مختارة، ترجمة عماد إبراهيم، مراجعة عماد عمر، الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع، 2010، ص369.

[6]  كارهي النساء: تهمة جاهزة تصم كل من لا يخضع لديكتاتورية آرائهن.

[7] ليندا ألكوف، الحركة النسوية الثقافية مقابل ما قبل البنيوية وأزمة الهوية في النظرية النسوية، في: ويندي كيه. كولمار، وفرانسيس بارتكوفيسكي، النظرية النسوية: مقتطفات مختارة، ترجمة عماد إبراهيم، مراجعة عماد عمر، الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع، 2010، ص327.

[8] المرجع السابق، ص327،328.

[9]سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية.. دراسات ومعجم نقدي، الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، 2002م، ص102.

[10] دونا هاراوي، “بيان سبورغ” العلوم والتكنولوجيا، والحركة النسوية الاشتراكية في أواخر القرن العشرين، في: النظرية النسوية، في: ويندي كيه. كولمار، وفرانسيس بارتكوفيسكي، النظرية النسوية: مقتطفات مختارة، ترجمة عماد إبراهيم، مراجعة عماد عمر، الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع، 2010، ص305،306.

[11] المرجع السابق، ص307.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء 2 لنادي أمومة التربوي: “12 قاعدة لأداء دورك التربوي بكفاءة”

6:30م - 8:30م
جميع الفعاليات