قراءات: قراءة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في الدورة62 للجنة وضع المرأة (2)

قراءة في: تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في الدورة الثانية والستين للجنة وضع المرأة والمعنون بـ

“التحديات والفرص في مجال تحقيق مساواة الجندر وتمكين النساء والفتيات الريفيات”

 

أ.سيده محمود

 

ترفع لجنة وضع المرأة على موقعها حالياً في دورتها الثانية والستين تقريراً للأمين العام، ليتم مناقشته ضمن جدول الأعمال في شهر مارس الجاري، ما بين يومي 12 – 23 مارس 2018.

الخطير في التقرير أنه بدعوى تمكين الفتيات الريفيات والقضاء على الفقر، تم تضمين التقرير مجموعة من القضايا الشائكة، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بثوابت لدى الشعوب تخص معتقداتها ونمط حياتها.

  • الحملة على نظام الإرث في الإسلام والمطالبة بتساوي أنصبة الذكور والإناث

يتضح النموذج المعرفي المادي الكامن خلف التقرير في هذه الجزئية، حيث الاعتقاد في أن تملّك المرأة للأرض سوف يقوي من قدرة المرأة على الحركة، وكذلك سلطتها داخل الأسرة.

في البند 23 “… وتتضرر المزارعات أكثر من غيرهن …بسبب عدم المساواة في إمكانية وصولهن إلى الأراضي والأصول الإنتاجية والسيطرة عليها، وما يقترن بذلك من قدرة محدودة على الحركة، وسلطة صنع القرار في الأسرة المعيشية”.

وفي البند 27 “ويرتبط ضمان حقوق المرأة في الأراضي والموارد الإنتاجية الأخرى بطائفة واسعة من المنافع للنساء والفتيات الريفيات، وتكتسب المرأة المزيد من سلطة صنع القرار، والاستقلال الاقتصادي في إطار عائلاتهن، ويمكن أن يساعد أيضاً في التخلص من القوانين والممارسات التي تضر بالمرأة مقارنة بالرجل، فيما يتعلق بالحصول على الأراضي والممتلكات والموارد الإنتاجية الأخرى، التي تحد من عنف العشير”.

وكذلك “… ويمكن أن يعزز تأمين الحقوق في الأراضي وحيازتها القدرة التفاوضية للمرأة داخل المنزل”، وهكذا ينقلب “السكن الهادئ” وعش الزوجية إلى حلبة صراع، يُحسم فيه النصر لصالح أكثرهم امتلاكاً لأوراق مادية تفاوضية.

والمطالبة داخل التقرير ليس بإعطاء النساء حقوقهن الشرعية في الميراث، وإنما في إصدار قوانين “إصلاحات قانونية” تحقق التساوي في الميراث بين البنات والأولاد، والنساء والرجال، فينص البند 25:

“ويمكن تعزيز أمن حيازة الأراضي للمرأة الريفية من خلال الإصلاحات القانونية … ويعد إصلاح قوانين الميراث والزواج التي تميز ضد النساء أمراً أساسياً. وعادة ما تدعم النظم الزوجية القائمة على الملكية المشتركة _بخلاف النظم التي تفصل ممتلكات الزوجين_ حقوقا للمرأة في الأرض، على غرار الحقوق المتساوية في الميراث للبنات والأولاد“.

  • التطبيع مع الشذوذ الجنسي:

فالتقرير يرى أن الفتيات الريفيات يتعرضن للتمييز وعدم المساواة، بل والاستبعاد والعنف لأسباب عديدة، منها الميل الجنسي (الذي قد يصب في اتجاه فتاة مثلها أو ذكر) والهوية الجنسية (بأن تختار كيف تكون هويتها الجنسية ذكراً أو أنثى) ويطالب التقرير بوضع سياسات تستجيب لاحتياجات هذه الفئات.

فينص البند 6 على:

“وتواجه النساء الريفيات أوجها وأشكالا متعددة ومتداخلة من عدم المساواة والتمييز … وقد يتعرضن بوجه خاص للعنف والاستبعاد، وتختلف ظروفهن أيضاً حسب مكان إقامتهن، ودخلهن، وانتمائهن العرقي، وثقافتهن، وميولهن الجنسية، وهويتهن الجنسية، ويؤثر ذلك التعقيد على سلطتهن في اتخاذ القرارات، مما يستدعي وضع استجابات سياساتية ومؤسسية مصممة خصيصا لكل فئة”.

  • التطبيع مع الفاحشة:

يتناول التقرير العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة، انطلاقاً من مبدأ جوهري هو أن حرية ممارسة الجنس مكفولة للجميع، دون أي قيود دينية، أو خلقية، أو اجتماعية، فقط أن تكون الممارسات آمنة صحيًّا، ومن ثم يصير لزامًا على الحكومات إشاعة السلوك الجنسي (المأمون والمسئول (Responsible & Safe Sex.

والأمان هذا يستدعي توافر حزمة من الخدمات، وأن تكن في متناول الجميع وليس فقط المتزوجين.

ينص البند 37 على “من الضروري ضمان إمكانية حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية؛ من أجل إعمال حق النساء والفتيات الريفيات في الوصول إلى أعلى مستوى صحي”.

 وهذه الخدمات هي:

التثقيف الجنسي بتعليم الفتاة كيف تمارس هذا الحق بوسائل شتى، وحتى إذا قصرته على ذكر فكيف تتفادى حملا غير مرغوب.

فينص البند 39 على “وهناك افتقار شديد لإمكانية الحصول على المعلومات والخدمات المتعلقة بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية بوجه خاص بالنسبة للمرأة الريفية، ولاسيما الشابات والفتيات … وتحتاج النساء والفتيات الريفيات إلى أن تتاح لهن الموارد والفرصة لإدارة صحتهن الجنسية والإنجابية، وممارسة حقوقهن الإنجابية، مع الحصول على الدعم بعدد من الطرق، بما في ذلك التثقيف الجنسي الشامل”.

 كذلك من ضمن الخدمات، الحصول على وسائل منع الحمل لتطبيق ما تلقته من معلومات أثناء التثقيف، وأن تكن بمتناولها: أي بأسعار رمزية، وأن تكون مراكز تنظيم الأسرة قريبة منها، أو من خلال عيادات متنقلة، والأهم من ذلك كله رفع الوصمة والتمييز ضد هؤلاء الفتيات بتغيير الأعراف والثقافة التي تستهجن وتصم من يطلب هذه الخدمات امرأة كانت أو فتاة، والاعتراف بحقوقهن الجنسية.

ففي البند 94 من وثيقة استعراض وتقييم وتنفيذ إعلان ومنهاج عمل بكين الذي يؤكد عليه تقريرنا الذي نناقشه “توفير خدمات متنقلة وبإيصال الخدمات إليهن في بيوتهن، ويكتسي هذا النوع الأخير من الخدمات أهمية خاصة في البيئات التي تفرض الأعراف الاجتماعية التمييزية أو النزاعات قيوداً على تنقل النساء والفتيات”[1].

ويأت البند 45/ ش من تقريرنا الحالي لينص على “كفالة حصول جميع النساء والفتيات الريفيات على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وعلى حقوقهن الإنجابية، بما في ذلك خدمات تنظيم الأسرة، وإعمال حقهن في السيطرة على المسائل المتصلة بحياتهن الجنسية، واتخاذ قرارات بشأنها بحرية ومسؤولية، دون التعرض للإكراه والتمييز والعنف”.

  • التنفير من العلاقات الشرعية:

للمفارقة أن ما يسمى بالحقوق الجنسية والإنجابية إنما تقتصر فقط على من هم خارج إطار الزواج، ويختلف الأمر بالنسبة لنيل نفس هذه الحقوق في إطار علاقة زوجية صحيحة، فحينها تنسحب كل المثالب على هذه العلاقة، وتؤطر ضمن عدم المساواة، والإجبار والمخاطر، حيث:

  • الوفاة نتيجة افتقارهن إلى معلومات الجنس الآمن، وسلطة اتخاذ القرار، من ثم حملهن مبكراً.
  • الإصابة بالأمراض الجنسية بما فيها الإيدز.
  • الإخلال بسلامتهن العقلية.
  • العنف داخل الأسرة.

ورد كل هذا في البند 35:

“وزواج الأطفال والزواج المبكر لهما آثار واضحة، وتشمل تلك الآثار الافتقار إلى المعلومات والرعاية، وسلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بالجنس الآمن وتنظيم الأسرة، والحمل المبكر والإنجاب قبل اكتمال نمو أجساد الفتيات، مع ارتفاع مخاطر وقوع المضاعفات التي تمثل السبب الرئيسي لوفاة الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً، وإمكانية الإصابة بالأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي، بما فيها فيروس نقص المناعة البشرية، ويؤدي زواج الأطفال والزواج المبكر أيضاً إلى الإخلال بقدرة النساء والفتيات على التصرف وسلامتهن العقلية، ويزيد من احتمال تعرضهن للعنف العائلي”.

  • دفع المرأة والفتاة الريفية للعمل مدفوع الأجر:

فهذا يحقق ثلاثة أهداف للرأسمالية المادية المتوحشة دفعة واحدة، فمن جهة سوف يطول تحصيل الضرائب النصف الثاني من السكان أي النساء، كما يروج للخدمات المصرفية من قروض وائتمان وفوائد مركبة عالية، وإزالة مظلة الحماية والأمان التي يسدلها الوالدان على الأطفال، وتركهم للحضانات ومؤسسات الدولة والإعلام يتولى تربيتهم.

في مقابلة تليفزيونية أجراها المذيع الأمريكي أليكس جون مع المخرج الأمريكى الراحل أرون روسو في العام 2009، يكشف فيها عن أكذوبة حقوق المرأة، ويقول ناقلاً حواره مع روكفيلر _أبرز من مول حركات تحرير المرأة_ بأن هذا لسببين:

“الأول هو عدم تمكنا من الحصول على الضرائب من نصف السكان، والثاني هو أن يذهب الأطفال للمدارس من عمر أصغر، فيمكننا تعليمهم كيف يفكرون حتى تتفكك فكرة العائلة، فتصبح الدولة هي العائلة للأطفال، وتصبح المدرسة والمسؤولون هم العائلة”[2].

وكي يتم إقناع النساء بأن كنس الشارع أكرم لها من كنس دارها، وأن رعايتها للمسنين بدور الرعاية أفضل لها من رعاية مسني أسرتها، وأن غسيل الصحون بالمطاعم أفيد لها من غسيل صحون منزلها، وضعوا لها المعيار المادي كي تزن به الأمور، فالعمل مدفوع الأجر هو البوصلة التي ينبغي أن توجه نشاطها، وصنفوا لها الأعمال غير مدفوعة الأجر، والتي تعتبر تمييزاً ضد المرأة على حد ما ذكر التقرير[3] بأنها:

  • أعمال الرعاية من قبيل رعاية الأطفال والمسنين والمرضى.
  • الأعمال المنزلية من قبيل أعمال الطهي والتنظيف وغسيل الملابس.
  • الأعمال الزراعية في زراعة ما يكفي أسرتها، أو اشتراكها مع زوجها في المزارع الأسرية.

ويسير التقرير على نفس خطى وثيقة استعراض وتقييم بكين بالنص على آلية أخرى تيسر على المرأة الريفية النزول للعمل، ألا وهي إحلال الرجل محل المرأة تدريجيا في المهام المنزلية مقابل إحلالها محله في العمل مدفوع الأجر؛ كي يتقاسما العمل العام مدفوع الأجر، ويتقاسما المهام المنزلية غير مدفوعة الأجر، أي “تشجيع التقاسم المتكافئ للمسؤوليات والأعمال المنزلية بين المرأة والرجل”[4].

ويطالب البند 45/ ن من تقريرنا الحالي “اتخاذ تدابير هادفة … تخفيض وإعادة توزيع نصيبهن الجائر من أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، من خلال التقاسم المتكافئ للمسؤوليات مع الرجال والفتيان الريفيين، وتوفير الخدمات العامة (مرافق لرعاية الأطفال، ومرافق لرعاية المعالين الآخرين تكون جيدة وفي المتناول”.

ويسوق التقرير الذي بين أيدينا ما اعتبره معاناة “وتواصل المرأة والفتاة الريفية أداء أدوار إنتاجية وإنجابية متعددة في الأسر والمجتمعات المحلية، ولا يزال الكثير من عملهن غير مدفوع الأجر وغير معترف به، بما في ذلك حصصهن الجائرة من أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر”.

وبناء عليه يوصي التقرير بانتهاج الحكومات سياسات “ستفضي إلى التقليل من أعمال الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، وإعادة توزيعها، ويمكن للابتكارات التكنولوجية أن تيسر إتقان النساء والفتيات الريفيات للمعارف الرقمية، وأن تدعم دخولهن إلى سوق العمل، وأسباب معيشتهن، وتسهم هذه التدابير، متضافرة في تحقيق مساواة الجندر، وتمكين النساء والفتيات الريفيات”.

  • الهواتف النقالة كآلية لدفع الفتاة الريفية للخارج :

فمن ناحية سوف تيسر لهن التواصل مع الآخرين:

البند 16 “ويمكن أن توفر زيادة القدرة على الاتصال الإلكتروني وتكنولوجيا الهواتف المحمولة للمزارعات معلومات …، ويعزى الفضل إليها إلى جانب العمليات المصرفية عبر الهواتف المحمولة في تعزيز نمو مشاريع النساء الريفيات”.

ومن ناحية ثانية تساعدهن في الإبلاغ ضد أزواجهن أو آبائهن:

البند 36 “وتساعد التكنولوجيا النقالة في إنشاء مكاتب مساعدة عن بعد للنساء والفتيات الريفيات اللواتي يتعرضن للعنف، وفي تنبيه ضباط الشرطة والإخصائيين الصحيين الذين يمكنهم التحقيق”.

وحتى لا يظن القارئ أن هذا حماية للفتاة الريفية من عنف صاحب العمل الذي يدفعونها للعمل تحت إمرته مقابل أجر مدفوع، وإنما يوضح بداية البند من هو المستهدف بالتحقيق: إنه الزوج أو ما أطلقوا عليه في البند “عنف العشير ضد المرأة” فهو مجرم يجب محاكمته.

 ويستكمل البند الحديث عن الهدف من جعل الهواتف النقالة في متناول الفتيات الريفيات، فينص على “… وبالمثل تساعد خطوط الاتصال المباشر باستخدام الهواتف النقالة في دعم الفتيات اللواتي يتعرضن لتشويه الأعضاء التناسلية، ويمكنها في كلتا الحالتين أن تدعم محاكمة مرتكبي الجرائم وإقامة العدل”.

وختاماً نحن لا نرفض رفاهة المرأة الريفية، ولكن نرفض تضليلها وتزييف وعيها، بما قد يُدخلها في دائرة التيه ومن خلفها الأمة برجالها وأطفالها، والمخرج من هذا التيه ببناء الوعي أولاً، بمخالفة الكثير من المفاهيم المركزية الواردة بالتقرير للوحي الإلهي، والذي هو ميزان نعاير به كافة المفاهيم، وكذلك الوعي بأن تضخيم إشكالية التبعية المفاهيمية ليست بالأمر الهين، فالسكوت على تزييف المفاهيم يتبعه خلل سلوكي، بما يحتم على جميع أفراد الأمة نساءً ورجالا، ريفاً وحضراً، ضرورة التعامل الواعي مع دلالات المفاهيم ومعانيها.


[1] لجنة وضع المرأة، استعراض وتقييم تنفيذ إعلان ومنهاج بيجين ونتائج الدورة الاستثنائية الثالثة والعشرون للجمعية العامة، الدورة لتاسعة والخمسون،مارس 2015.

[2] الفيديو الوارد به الحوار كاملاً على هذا الموقع:http://cutt.us/ylxaT

[3] ينص البند 14: “… ويشمل العمل غير مدفوع الأجر أعمال الرعاية من قبيل رعاية الأطفال والمسنين والمرضى، والأعمال المنزلية من قبيل أعمال الطهي والتنظيف وغسيل الملابس، والأعمال الزراعية في زراعة الكفاف أو في المزارع الأسرية، وتشير الأدلة إلى أن الفتيات يقضين وقتاً أطول في أعمال الرعاية والأعمال المنزلية”.

[4] لجنة وضع المرأة، استعراض وتقييم تنفيذ إعلان ومنهاج بيجين ونتائج الدورة الاستثنائية الثالثة والعشرون للجمعية العامة، الدورة التاسعة والخمسون، مارس 2015.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات