قراءات: قراءة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في الدورة62 للجنة وضع المرأة (1)

 

قراءة في: تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في الدورة الثانية والستين للجنة وضع المرأة والمعنون بـ

“التحديات والفرص في مجال تحقيق مساواة الجندر وتمكين النساء والفتيات الريفيات”

 

 

أ.سيدة محمود

 

يبدو أن الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة متابع جيد لاحتياجات المرأة الريفية، ومشخص دقيق لكافة أشكال معاناتها.

بدا هذا واضحاً في تقريره الأخير الذي سعى فيه بكل قوة لإقناع الحكومات باتخاذ تدابير لتلبية هذه الاحتياجات التي رصدها، والقضاء على التمييز الذي تتعرض له هذه المرأة البسيطة، بدءاً من افتقارها إلى معلومات الجنس الآمن ووسائل منع الحمل، وصولاً إلى عجزها عن امتلاك هاتف نقال تعرف من خلاله أخبار الطقس وأسعار المحاصيل.

 فللأسف الشديد غاب عن تقرير الأمين العام أوجه أخرى للمعاناة، رغم أنها بُثّت على شاشات الفضائيات وشاهدها العالم أجمع، حيث صرخات الريفيات المكلومات اللواتي هدمت عليهن ديارهن بفعل قنابل صديقة، أو عجزن أن يجدن ما يكفنون به أطفالهن… أهذا التجاهل يعني أن حيواتهن لا ثمن لها، وجروحهن النازفة لا بواكي لها.

غاب عن تقرير الأمين العام الفقر المدقع الذي تعاني منه ليس المرأة الريفية وحدها بل أسرتها ككل، بما فيها رجلها رب الأسرة الذي يشعر بالقهر والعجز، فحتى مساعدة زوجته له في حقله صارت لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل الرأسمالية المتوحشة التي استعبدت العالم أجمع.

إن كل ما طرق مسامع الأمين العام شكاوى الريفيات اللواتي يرغبن في ممارسة الجنس الآمن، لكن لا تتوفر لديهن وسائل الوقاية من الحمل، بما يلزم معه أن توفر الحكومات عيادات متنقلة تصل إلى عقر دارهن على غرار خدمات التوصيل للمنازل!

 لم يتطرق إلى مسامعه إلا أنين الفتيات اللواتي يتعرضن للعنف على أقرب الناس لهن يد الأب أو الزوج، ويصير المخرج لهن هو العمل بالخارج لنيل الأجرة، في تزييف كامل للوعي بأن العمل مدفوع الأجر الذي حققته المرأة الغربية لم يوقف عجلة العنف ضدها، بل ازداد ضراوة، وباتت تفتقد الأمن في الداخل والخارج.

بدا جلياً حسن إصغاء الأمين العام لصرخات الريفيات اللواتي يقف المجتمع ضد إظهار هوياتهن الجنسية (أن يكن لهن الحرية في اختيار جنسهن) أو ضد ميولهن الجنسية (اختيار الممارسة مع نفس الجنس أو جنس مغاير) !!

أسهب الأمين العام في نقل نبض معاناة الريفيات اللواتي يضقن ذرعاً بالزواج في سن مبكرة في التاسعة عشر أو العشرين[1]، بينما يرحبن بل ويعانين من عنف الأهل والمجتمع الذيْن يمنعان ممارسة الجنس خارج إطار الزواج في ذات السن، فتولى نيابة عنهن توصيل معاناتهن للعالم أجمع، وطالب الدول باتخاذ تدابير وإجراءات للقضاء على هذه المعاناة.

ليت شعري عن نساء أي كوكب يتحدث هذا الأمين العام؟ من أين يستقي معلوماته؟ وأي نموذج يريد من نساء العالمين السير على خطاه؟

لماذا الإصرار على هدم آخر حصن للقيم والتكاثر البشري؟ لماذا توجيه السهام إلى آخر معاقل الإنسانية؟يا عقلاء العالم!!

إن كانت الأسرة هي الحصن الأخير أمام طوفان عولمة نمط الحياة الغربي، فإن الأسرة الريفية هي بوابة هذا الحصن، فهي مخزون القيم وذاكرة الأمة وحافظ هويتها.

لقد حدد سابقاً رجل الاجتماع والديموجرافي الفرنسي «جاك هنريبان» أسباب انهيار الأسرة الغربية، وأرجعها إلى تضافر عوامل ثلاث، وهي على التوالي:

 «عدم وضوح دور المرأة والرجل والزوج والزوجة في الأسرة، وإعلان قوانين المساواة بين الرجل والمرأة، وثالثًا: التحكم شبة التام في عملية الإنجاب»[2]، ونشهد هذا بوضوح في تقرير الأمين العام الذي بين أيدينا، حيث توافر هذه العوامل الثلاث، بما يمكننا معه القول بأن التقرير يسعى بخطى ثابتة إلى عولمة نموذج مسبق ثبت نجاحه في صناعة الانهيار، ويتم إعادة تجريبه على الأسرة الريفية.

 يبدأ التقرير:

بديباجة تؤكد المراكمة على ما سبق، فهو ينطلق من وثيقة بكين، ولا عزاء لتحفظات الشعوب _جُلَها من دول العالم الثالث سواء جنوب شرق آسيا أو أفريقيا جنوب الصحراء أو العالم الإسلامي والعربي[3]دون الإشارة إلى احترام تحفظات البلدان، فكأنها لم تكن!!

وهذا التأكيد والتكرار على ما سبق نهج تسير عليه الهيئة الميمونة، حتى تزداد هذه الوثائق رسوخا، وتصبح بمرور الوقت مرجعية دولية، على الشعوب _إذا ما أرادت تنمية_ أن تسير على هدي هذه المرجعية، حتى وإن عصفت تلك المرجعية بأحلام من بدأ في التطبيق منذ الربع الأخير من القرن الماضي، مصطدماً بسراب بقيعة بدلاً من الفردوس الأرضي المنشود.

يهدف التقرير إلى:

“إعمال حقوق الإنسان للنساء والفتيات الريفيات في كل مكان، وهي حقوق لازمة لأسباب معيشتهن ورفاههن وقدرتهن على الصمود” كما ورد بالبند الأول.

  ومفهوم حقوق الإنسان واحد من بين عدة مفاهيم مفتاحية تعرضت من منتصف القرن السابع عشر الميلادي بوجه عام، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بوجه خاص لعبث منقطع النظير، انحرف بدلالاته وفرغه من محتواه، وحوله إلى مجرد شعار براق، وقاطرة لتبديد مفاهيم مفتاحية أخرى في مقدمتها: الدين والإنسان والحق[4].

فهناك بون شاسع بين الدلالة الاصطلاحية لمفهوم “حقوق الإنسان” الوارد بالتقرير، والذي ينسجم مع بيئته الأصلية الغربية التي نشأ فيها، وبيئتنا المتلقية، رغم ما قد يجري من محاولات التلفيق ليبدو وجود توافق، فالأول يرتبط بنسق أفقي يتمركز حول ذاته، والأخير يرتبط بنسق علوي متجاوز يتمركز حول خالق له الخلق والأمر.

وكعادة كافة التقارير والوثائق الأممية السابقة، لم يرد بالتقرير أي تحديد لمفهوم “حقوق الإنسان”، ونظن أن التعتيم على الدلالة متعمد؛ لعدم إحراج الحكومات من جهة، وكي يتسع الوعاء لملئه بما قد يُستجد بعد تطويع الشعوب من جهة أخرى. ولكن بالتنقيب المعرفي داخل التقرير ومطالبات الأمين العام الصريحة في بنوده، تتضح ماهية هذه الحقوق على النحو الذي سيرد ذكره لاحقاً.

مفهوم الإنسان ذاته في الوثيقة تم اختزاله في الجسد والعقل فقط، أما الروح وحاجتها للتدين والصلة بخالقها لم يجري فقط تهميشه، بل نُظر إليه كمعوّق للقوانين التي وضعها الإنسان وكأنها هي المرجع الأعلى، كما نص على ذلك البند 21:

“كثيراً ما تميز الممارسات العرفية والدينية ضد المرأة، وتقوّض التنفيذ الكامل للقوانين الوطنية على الرغم من أن القانون يكفل للمرأة والرجل نفس الحقوق”.

كما أنه بتهميش الدين انسحب هذا على مفهوم “الحقوق”، ليجري تفخيخه من أجل تغذية وافد مائع بعيد عن هويتنا، بل بعيد عن الفطرة الإنسانية السوية، حيث صار من مشتملاته حق المرأة الريفية في اختيار “هويتها الجنسية” واختيار ما يتفق و “ميولها الجنسية”، ناهيك عن حقها في وسائل منع الحمل؛ لممارسة الجنس الآمن!!

ينطلق التقرير من خلفية صراعية:

ليس بين الشمال والجنوب _فهذا شأن ينبغي التعمية عليه_ فالمطلوب أن ينسى الجنوب قصة استنزاف ثرواته، ويظل يرنو للشمال كمثل أعلى، فالتقرير لم يُشر مطلقاً إلى المسؤولية الأخلاقية أوالمالية التي يتنصل منها الشمال رغم التعهدات المالية التي قطعها على نفسه قبل حلول عام 2000، فالتعهدات تكون في حق الجنوب الفقير فقط، إذ أن “عقب القاهرة للسكان، تعهّدت الدول الصناعية بتوفير ثلث المبلغ المراد إمداد المشروعات به والدول النامية بتوفير الثلثين، وذلك قبل حلول عام 2000م،  إلا أنّ الدول الصناعية تراجعت عن تعهّداتها في السنوات الخمس التالية لقمّة القاهرة 1994 بشكل ملحوظ، فسدّدت مليارين بدلا من 7 مليارات دولار، وبالمقابل قامت الدول النامية الأفقر بتأمين القسط الأعظم ممّا تعهّدت به، وهو ما وصل خلال السنوات الخمس الأولى بعد قمة القاهرة إلى 7 مليارات من أصل تسعة مليارات وخمسمائة مليون دولار[5].

والصراع المراد إذكاؤه هنا صراع جنوب، جنوب: المرأة وشقيقها الرجل، أو المرأة الريفية وشقيقتها الحضرية، فعلى حد ما ورد بالتقرير الأممي الماثل بين أيدينا، نطالع معياراً جديد للتمييز أطلقوا عليه “عدم المساواة الجغرافية”، اختزل فيه المفهوم ليعني عدم المساواة الجغرافية بين امرأة “الريف” وامرأة “الحضر”.

 وهكذا بات على المرأة الريفية التعارك مع رجلها الريفي _الغارق في البؤس_ فبينهما “عدم مساواة جندرية”، وكذلك مع شقيقتها ومواطنتها في المركز الحضري المجاور لقريتها فبينهما “عدم مساواة جغرافية”.

وذلك إعمالاً لبند 3 “… ضرورة إعمال حقوق الإنسان للنساء والفتيات الريفيات عن طريق القضاء على أوجه عدم المساواة الجغرافية والجندرية”.

بدعوى تمكين الريفيات تم تضمين التقرير حزمة من القضايا الشائكة تمس ثوابت الشعوب ومعتقداتها، وهذا ما سوف نفرد له المقال التالي نوضح فيه التفاصيل، أدعوكم لقراءة التقرير وهو موجود على موقع لجنة وضع المرأة بعنوان “التحديات والفرص في مجال تحقيق مساواة الجندر وتمكين النساء والفتيات الريفيات”، في سياق التنفيذ التام والفعال والمعجل لإعلان ومنهاج عمل بكين وتنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

_____________________________



 

 

[1] يرد في هذا التقرير وكافة الوثائق الدولية بين “زواج الأطفال” وهو ما دون الثامنة عشر، وتحديداً من الخامسة عشر حتى الثامنة عشر، و “الزواج المبكر”، وهو من الثامنة عشر فما فوق في العشرينيات.

[2] عفاف عنيبة، الأسرة الغربية بين الثابت والمتغير في القوانين الوضعية، 4/5/2010،http://cutt.us/BWMUl

[3] ورد لمز بهذا الحزام الجغرافي في البند (43) من التقرير؛ للتدليل على افتقار الريفيات لخدمات كثيرة، واحتياجات “أساسية” كالهاتف النقال.

البند 41 “… وتشكل تكلفة امتلاك واستخدام الهاتف المحمول عائقاً كبيرا لاسيما بالنسبة للنساء في المناطق الريفية في جنوب وشرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”.

[4] د. السيد عمر، بناء المفاهيم المفتاحية لمفهوم الأمة، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الجزء الثاني، ص78،79.

[5] صبا الأسدي، يوم السكان العالمي: http://bshra.com/news/084.html

    

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات