تقارير: “خطة عمل من أجل الإنسانية “Agenda for Humanity

ستعقد هيئة الأمم المتحدة في إسطنبول في الفترة 23-24 مايو 2016م وللمرة الأولى قمة إنسانية عالمية، وقد طرح الأمين العام للأمم المتحدة مسودة “خطة عمل من أجل الإنسانية Agenda for Humani” ضمن تقريره الذي قدمه للقمة بعنوان: “إنسانية واحدة: مسؤولية مشتركة One humanity: shared responsibility”

ونورد فيما يلي أهم الملاحظات حول الخطة المقترحة:

أولا: المطالبة بتجاوز الفوارق السياسية والثقافية والدينية على مستوى العالم.

ثانيًا: التأكيد المتكرر على الالتزام بـ “خطة التنمية المستدامة لعام 2030”.

ثالثًا: الانتقال بالعمل الإنساني إلى المفهوم الإنمائي؛ سعيًا إلى تحقيق أجندة 2030.

رابعًا: الدمج بين” القانون الدولي الإنساني” و “القانون الدولي لحقوق الإنسان”.

خامسًا: إصرار الأمم المتحدة على “امتثال” الحكومات لتطبيق القانون الدولي، والمساءلة حول ذلك.

سادسًا: إقحام مجلس الأمن، والقضاء الدولي في متابعة “الامتثال والمساءلة” للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان.

سابعًا: إقحام نفس مصطلحات الأجندة الأممية للمرأة والطفل في مسودة الخطة.

ثامنًا: مطالبة الأمين العام بتوسيع مصادر التمويل، لتشمل التمويل الاجتماعي الإسلامي وتحويلات المهاجرين في تقريره المقدم إلى القمة الإنسانية، حيث نص على: “توسيع قاعدة الموارد وتنويعها- من بين مصادر التمويل الإضافية المهمة… التمويل الاجتماعي الإسلامي، وتحويلات المهاجرين” (البند 164)

– وأيضا ما ورد في الجلسة الخاصة المعنونة بـ: “التمويل الاجتماعي الإسلامي Islamic social finance”:

الفرصة كبيرة أن يقدم التمويل الإسلامي حلولا لمشكلة التمويل الإنساني العالمية. وتدرس المؤسسات المالية الإسلامية المختلفة كيفية تفعيل الوقف waqf، والزكاة zakat (إعطاء الصدقات الإلزامي) في الوفاء باحتياجات العمل الإنساني بكفاءة وفاعلية”.

وإذا جئنا بالتفصيل على كل ملاحظة، فإن من أخطر المطالبات في هذه الخطة هو المطالبة بتجاوز الاختلافات الثقافية والدينية، والدعوة إلى “التمسك بقيم الأمم المتحدة”، بحجة إعطاء الأولوية للإنسانية في عملية اتخاذ القرار..  ويلاحظ على مر السنين أن الأمم المتحدة لا تحترم التنوع الثقافي، رغم ما نص عليه ميثاقها، إلا أنها دائما وأبدا تعمل على فرض نمط ثقافي أوحد، وهو النمط الخاص بالطرف المتغلب في المعادلة) الطرف الغربي)، والضامن الوحيد للشعوب المستضعفة في البقاء هو التمسك بالدين والهوية والثقافة، وعدم الاستجابة إلى دعوى تجاوز الفوارق الدينية والثقافية التي ستؤدي بها إلى الفناء المحقق.

كما تكرر في نفس التقرير المطالبة بتطبيق خطة التنمية المستدامة 2030 عشر مرات في مسودة الخطة المكونة من عشرين صفحة، وهذا مؤشر يدل على أنها قضية محورية في الخطة، برغم اشتمالها على عدة أمور تتعارض بشكل واضح مع الشريعة الإسلامية، كما أن العديد من الدول الإسلامية[1] وضعت عدة تحفظات حولها.

وحيث نصت مسودة خطة عمل من أجل الإنسانية (الفقرة جيم) على” تجاوز الفجوة بين العمل الإنساني والإنمائي” و “وضع الخطط المتعددة السنوات، بحيث تكون بمثابة خطوات صوب إنجاز الاستراتيجيات الإنمائية الوطنية تمشيا مع خطة 2030”.

فالأمر خطير جدًا؛ لأن العمل الإنساني لا يجب أن يتحول إلى وسيلة لتطبيق أجندة الأمم المتحدة القائمة على عولمة نمط الحياة الغربي على العالم بأسره، فاستغلال احتياج المنكوبين للمال في عمل التحولات الاجتماعية والثقافية لهم لكي يتقبلوا الأجندة الأممية لهو عمل غير إنساني، ولا ينبغي للمجتمع الدولي الموافقة عليه.

وكما هو معلوم أن “القانون الدولي الإنساني” يتم تطبيقه في حالة الحروب فقط، أما “القانون الدولي لحقوق الإنسان[2]” فيطبق في حالتي السلم والحرب معًا. وحيث أن المفهوم السائد للعمل الإنساني هو إغاثة المتضررين من الحروب والصراعات، ومنكوبي الكوارث الطبيعية وما شابه ذلك. في حين نجد أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يشتمل على الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل والسكان والتنمية… الخ، وهي صكوك تدعو إلى أمور تخالف الشريعة الإسلامية، وتثور حولها الخلافات الشديدة كلما طرحت للنقاش في المحافل الدولية.

 وبالتالي فإن الربط بين “القانون الدولي الإنساني” و “القانون الدولي لحقوق الإنسان” فيه الكثير من التضليل، وقد يكون متعمدا؛ لتيسير قبوله والتطبيق الكامل له.

ويستخدم الأمين العام مدخل الحروب والصراعات والعمل الإنساني في الضغط على الحكومات أطراف النزاع؛ من أجل الامتثال للقانون الدولي، لأن كثيرا من تلك الحكومات هي حكومات إسلامية، ومعلوم اشتمال الصكوك الدولية في الكثير من مضامينها على أمور تتعارض تعارضا واضحا مع الدين الإسلامي، خاصة تلك المعنية بالمرأة والطفل، ولهذا تلجأ الأمم المتحدة إلى التدخل بشكل سافر في شؤون الدول باستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي؛ للضغط على أطراف النزاع المسلح لتطبيق القانون الدولي.

ويبدو التوجه واضحًا وصريحًا ألا يتوقف اختصاص مجلس الأمن عند منع انتهاكات القانون الدولي الإنساني الخاص بالحروب والنزاعات، وإنما أيضًا يتم إقحامه في مراقبة” القانون الدولي لحقوق الإنسان” الذي يحتوي على الصكوك والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل مثل اتفاقية سيداو، وحقوق الطفل وغيرها. ثم استخدام سلطة ” القضاء الدولي”؛ لمقاضاة من لا يلتزم بتطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان، واستخدام عبارة “الانتهاكات الجسيمة”؛ للتعبير عن عدم الالتزام بذلك القانون. ولو علمنا أن التساوي التام والمطلق بين الرجل والمرأة _على سبيل المثال_ من أهم محاور القانون الدولي لحقوق الإنسان، يصبح عدم تحقيق ذلك التساوي” انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان” يستلزم تدخل مجلس الأمن للتحقيق والمساءلة وتوقيع العقوبات!!. وسبب إقحام مجلس الأمن، أن اتفاقيات حقوق الإنسان تابعة بالأساس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ذو الصفة الاستشارية، والذي لا يملك سلطة تخوله الضغط لمتابعة تنفيذ تلك الاتفاقيات،  ومن ثم فإن تكرار محاولات توظيف مجلس الأمن في امتثال الحكومات لتطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان تكشف أحد الأهداف الرئيسة وراء هذه القمة، وهي ضمان تطبيق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تطبيقا كاملا وعاجلا.

كما أن الاتجاه نحو تحريك مجلس الأمن عند وجود “ادعاءات” بانتهاكات اتفاقيات حقوق الإنسان هي دعوة خطيرة، وستدخل العالم كله في حروب حقيقية، لأن الشعوب لن تتنازل عن دينها وقيمها، والضغط عليها باستخدام القوة سيؤدي إلى انفجارات خطيرة لا يعلم مداها إلا الله.

واستخدام مظلة العمل الإنساني والحروب والصراعات لتمرير منظومة “الجندر” و “العنف” و “التمييز”؛ هي محاولة مكشوفة لتمرير الأجندة الأممية للمرأة من خلال مسودة الخطة، والالتفاف حول إرادات الشعوب التي ترفض تلك الأجندة؛ لما تحتويه من بنود خطيرة، تتعارض مع المرجعيات الدينية والأخلاقية لكثير من الشعوب، لذلك يتم إقحامها في كل مناسبة، واستخدام كل الوسائل لتمريرها.

فتحت عنوان “القضاء على العنف الجنسي Sexual violence [3]والعنف الجنساني gender-based

[4]violence  نصت الخطة على(فقرة دال):

“سن وإنفاذ تشريعات وطنية تتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بحقوق المرأة، وحظر جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات”.

“كفالة محاسبة مرتكبي أعمال العنف الجنسي والجنساني … بهدف القضاء على التمييز[5]  ضد النساء والفتيات”.

“إعطاء الأولوية للدعم الذي يركز على ضحايا العنف… توفير الخدمات القانونية وخدمات الرعاية الصحية النفسية والجنسية والإنجابية، ووضع برامج تعزز الإدماج الاجتماعي”.

وتحت عنوان “تمكين النساء والفتيات وحمايتهن” (فقرة دال) نصت الخطة على:

“… المساواة مع الرجال…”

“إخضاع جميع الجهات الفاعلة للمساءلة”

“ضمان توفير … خدمات الرعاية الجنسية والإنجابية الشاملة”

“زيادة التمويل المخصص للجماعات النسائية المحلية زيادة كبيرة”[6].

تقديم البند بهذا الشكل يوحي بأن المقصود هو الاغتصاب الذي تتعرض له النساء في الحروب والصراعات ..

واستخدام عبارة “ضحايا العنف” للإيحاء بأن المقصود هن أولئك النساء المغتصبات فقط.. ولكن عنوان الفقرة “القضاء على العنف الجنسي والعنف الجنساني (العنف المبني على الجندر) (انظر الهوامش 3، 4)

ثم المطالبة بتقديم خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، وهي تشمل توزيع وسائل منع الحمل والتدريب على استخدامها، وإباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه.. والسياق هنا هو سياق نساء وفتيات.

فهل تقديم مثل هذه الأمور للفتيات هو أمر مقبول لدى الشعوب المسلمة؟ وما علاقته بالعمل الإنساني؟

وما هي علاقة المساواة بين الرجل والمرأة بإنهاء الحروب والنزاعات؟ وهل سيحقق تقديم خدمات الرعاية الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات السلام بين الشعوب ورفع المعاناة عنها؟ أم أنها أجندة أممية تسعى الأمم المتحدة إلى تمريرها وفرضها على الدول والشعوب بأي ثمن.

ثم دعت الخطة إلى “إخضاع جميع الجهات الفاعلة للمساءلة”؛ لتشجيع الحكومات على قبول المساءلة باعتبارها متبادلة، وفي هذا خدعة.. فمن الذي سيسأل الأمم المتحدة؟؟؟

وتحت عنوان “تمكين القيادات من تحقيق النتائج الجماعية” (فقرة جيم)، نصت الخطة على:

“تمكين المنسق/المقيم منسق الشؤون الإنسانية من طلب البيانات والتحليلات”[7].

“تحسين الشفافية في الإبلاغ عن المدفوعات والنفقات واعتناق مبادئ المبادرة الدولية لشفافية المعونة”[8].

لضمان تطبيق الخطة، سيتم تعيين منسق على مستوى العالم، تتجمع عنده البيانات والتحليلات وكل ما له علاقة بالعمل الإنساني، وفي هذا تجاوز لسيادة الدول والحكومات. كما أن كل ما سبق يضمن للأمم المتحدة السيطرة على أموال العمل الإنساني.

وفي مجمل الملاحظة الثامنة التي ذكرناها حول ما ورد في الخطة من “توسيع قاعدة الموارد وتنويعها- من بين مصادر التمويل الإضافية المهمة… التمويل الاجتماعي الإسلامي، وتحويلات المهاجرين”؛ فلا بأس من توظيف أموال الزكاة والصدقات والأوقاف في إغاثة المنكوبين من جراء الحروب والصراعات، أما أن توظف تلك الأموال في تطبيق الأجندة الأممية للمرأة والطفل لتحقيق مساواة الجندر، واستقواء المرأة، وتقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للمراهقين، فيعد هذا جريمة أخلاقية في حق الشعوب لا يمكن قبولها بأي حال.


[1] راجع: بيان هيئات العلماء والمنظمات الإسلامية حول أجندة 2030 للتنمية المستدامة (2015).

[2] القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان مجموعتان من القواعد القانونية، وينطبق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة فقط، بينما يسري قانون حقوق الإنسان في كل الأوقات، سواء في حالات السلم أو الحرب (موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ICRC،

https://www.icrc.org/ar/war-and-law/ihl-other-legal-regmies/ihl-human-rights)

 ويشمل قانون حقوق الإنسان صكوكا عالمية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية 1966، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) 1979، واتفاقية حقوق الطفل 1989. (موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر https://www.icrc.org/ara/resources/documents/misc/5kzmuy.htm)

[3] تعتبر المواثيق الدولية المعاشرة الزوجية عنفا جنسيا sexual violence إذا لم تكن بكامل رضا الزوجة )انظر الاستنتاجات المتفق عليها الصادرة عن الجلسة 57 للجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة عام 2013) ويطالب الأمين العام للأمم المتحدة بالمعاقبة على ما سماه بالاغتصاب الزوجي Marital rape، وأن عقوبة الزوج الذي “يغتصب” زوجته يجب أن تتساوى بعقوبة من يغتصب الأجنبية! (انظر تقرير الأمين العام لمؤتمر بكين+15 عام 2010).

[4] العنف الجنساني هي ترجمة لكلمة Gender based violence أي العنف المبني على النوع/الجندر. ووفقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، تعتبر أي فوارق بين الأنواع (الجندر) هي عنف مبني على النوع/ الجندر. وبالتالي تندرج تحت العنف المبني على الجندر كل الفوارق التشريعية بين الرجل والمرأة، مثل: القوامة، والولاية، والوصاية، والتعدد، والعِدَّة، والحضانة، والزواج، والطلاق، والميراث، كما تندرج تحته القوانين التي تجرم الشذوذ الجنسي وتعامل الشواذ جنسيا معاملة مختلفة عن معاملة الأسوياء.

[5] “التمييز ضد المرأة” عرفته اتفاقية سيداو، وهو يشتمل على كل الفوارق في الأدوار وفي التشريعات بين الرجل والمرأة، وللقضاء على التمييز ضد المرأة يجب تحقيق التساوي التام والمطلق بينها وبين الرجل. وهو ما لا يمكن قبوله على مستوى الشعوب المسلمة.

[6]  خطة عمل من أجل الإنسانية، تقرير الأمين العام المقدم إلى القمة العالمية الإنسانية، ص81.

[7] خطة عمل من أجل الإنسانية، تقرير الأمين العام المقدم إلى القمة العالمية الإنسانية، ص86.

[8] خطة عمل من أجل الإنسانية، تقرير الأمين العام المقدم إلى القمة العالمية الإنسانية، ص90.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة 13 من برنامج أمومة

9م - 9:30م
جميع الفعاليات