قراءات: المرأة الثالثة لليبوفتيسكي “عرض ونقد”

يُعد كتاب “المرأة الثالثة: ديمومة الأنثوي وثورته” من تأليف جيل ليبوفتيسكي من الأهمية بمكان، من زوايا عدة، فهو يتعلق بالشأن النسوي، إذ يعتبره النقاد من أهم الكتب التي صدرت حديثاً تحلل الحالة النسائية، ومن زاوية أخرى أن الكتاب صادر عن رجل معاصر ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي عاصر موجات النسوية، والأهم من ذلك كله أنه عاين بنفسه مآل كثير من الأطروحات النسوية على أرض الواقع، بما مكنه من تقييم التجربة، ولاسيما أنه من قلب المنظومة الغربية، وخبير بسبل النقد والنقض والتفكيك وإعادة التركيب.

مؤلف الكتاب ليس برجل عادي، وإنما مفكر، وفيلسوف فرنسي، وأستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة جرينوبل، صاحب الدراسات والكتب ذات الشأن في الفكر الغربي، وخاصة ما يتعلق بهموم الإنسان الأوروبي المعاصر، ولم يتوقف في أعماله الثلاثة عشر عن تحليل المجتمع الغربي المعاصر، ناقداً له بأنه يسلك طريق المغالاة في كافة مناحي الحياة، وقد عبر فيلسوف كتابنا عن هذا بمفاهيم مثل “الحداثة المفرطة” و “الفردانية المفرطة”، وقد أفادته رؤيته الكلية هذه عن المجتمع الغربي كثيراً في تحليله للشأن النسوي، وعلاقة المرأة بالرجل في سيرورتها التاريخية.

اشتهر اسمه مع كتابه الأول “زمن العدم” في عام 1983م، والذي يُترجم إلى العربية بعنوان “عصر الفراغ: محاولات في الفردية المعاصرة” قدم فيه مجتمع “ما بعد الحداثة”، وحمل فيه بشدة على الحداثة الغربية، وما جرّته من ويلات، ثم توالت مؤلفاته، والتي تعكس عناوينها الرؤى التي يطرحها الكاتب، ومن أبرزها:

“مملكة الزائل: الموضة ومصيرها في المجتمعات الحديثة” عام 1987م، و “انحسار الواجب” عام1992م، “تحولات الثقافة الليبرالية: الأخلاق ووسائل الإعلام والشركات” عام 2002م، “السعادة المفارقة: محاولة في المجتمع شديد الاستهلاك” عام 2006م، “مجتمعات الخيبة” عام 2006م، “عالم الثقافة: رد على مجتمع تائه” عام 2008م ، “الغرب المتعولم: سجال حول الثقافة الكوكبية” عام 2010م.

حول الكتاب:

هذا الكتاب أصدرته دار جاليمار للنشر عام 1997م، وتُرجم إلى لغات عديدة منها العربية، مثيراً الكثير من الجدل حوله، ولم يحل هذا دون أن يحتفي بمؤلفه في كثير من الأوساط الثقافية بالبلدان التي ترجمت الكتاب، ومنها مصر.

وقد عمد المؤلف إلى مفهوم “المرأة الثالثة”؛ ليكون عنواناً للكتاب؛ كي يعي القارئ المعنى الدلالي لهذا المفهوم، بوصفه تعبيراً عن مفهوم المرأة الجديدة بعد أن طالتها التغييرات الاجتماعية الجذرية التي عرفتها المجتمعات الغربية الحديثة، والتي أسست لقطيعة مهمة من تاريخ النساء، فهي تختلف تماماً عن المرأة الأولى والثانية، فهو يرى أن النساء لأول مرة لم يعدن ينتظمن في وضعية اجتماعية تتكامل أو تتناسق مع النظام الاجتماعي والطبيعة، بل أصبح هناك على حد قوله “عالم منفتح ونسبي احتمالي يؤسسه منطق اللاتحديد الاجتماعي والفردية المفرطة”.

ومن ثم قبل أن يصف هذه المرأة الثالثة تناول بالتفصيل النمطين الأولين من صورة المرأة التي عرفتهما تلك المجتمعات في سيرورة تاريخها، وبهذا يتجاوزالكتاب إطار البحث الاجتماعي إلى وصف التحول الذي طرأ على وضع المرأة، وتحليل الأسباب التي أفضت إلى هذه الوضعية، والتي منها: ما هو رد فعل لازدرائها من ناحية، وما ساهمت به المرأة ذاتها بوقوعها في الفخاخ التي نُصبت لها من ناحية ثانية، وكذلك ما يتعلق بتحول المجتمع ذاته وسيادة النمط الاستهلاكي والفردانية المطلقة.

يتألف الكتاب من أربعة أقسام تتوزع على أربعة عناوين، هي الجنس والحب والغواية، والجنس الجميل، وتتويج المرأة ربة منزل، ثم تساؤل يطرحه في نهاية الكتاب يحاول الإجابة عليه: هل نتجه نحو تأنيث السلطة؟

من هن النساء اللواتي أشار إليهن الكاتب:

المرأة الأولى:

 هي المرأة منذ فجر التاريخ، هي التقليدية التي كانت رهن البيت، تؤدي الدور الاجتماعي المخصص لها _أي الإنجاب والأمومة_ في المقام الأول، ثم رعاية البيت والزوج، وكانت هذه المرأة موضع تقدير في المحيط العائلي والإنساني؛ لأهميتها في المحافظة على استمرار الأسرة والعائلة، ومن ثم الجنس البشري كله بالتوالد والإنجاب، وهذا حدد هويتها بشكل رئيس، غير أنها كانت مبعدة عن مواقع السلطة، بمعنى أنها لا تمارس السياسة، ولا تصبح قائدة للجيوش في الحروب، ولا تتولى الوزارة ولا الحكم، ولا تقترب من دائرة الكهنوت، وليس لها دور خارج حدود المنزل، ويرى الفيلسوف الفرنسي أن المجتمع آنذاك كان ينظر إلى هذه المرأة بازدراء، حيث سادت التراتبية التي تعلي من قيم الذكورة في المجتمع، ورغم ذلك كانت للنساء سلطة حقيقية ورمزية، حتى وإن لم تتمكن من ممارسة المهام التي بنظر البعض أكثر رفعة.

وهذه المرأة رغم دورها الهام قد تم شيطنتها، ووسمها بالنقص والغواية، فيحمل المؤلف على السبب في ذلك من تصورات كنسية، ومقولات فلسفية أفضت إلى ازدرائها ولقبها بـ “المرأة المحتقرة”، فيستشهد ببعض من هذه الآراء كقول أودون Odon رئيس كهنة كلوني (القرن العاشر الميلادي):

“إن الجمال الجسدي لا يذهب إلى ما وراء جلد الإنسان، وإذا رأى الرجال ما تحت الجلد، حينها ستكون رؤية النساء تثير سخط قلوبهم، وإذا كنا لا نستطيع لمس البصاق أو الروث بطرف أصابعنا، فكيف يتسنى لنا أن نشتهي تقبيل هذا الوعاء الملئ بالزبل”[1].

وكتب جاكوب سبرنجرJacob Sprenger  في نهاية القرن الخامس عشر عن المرأة قال: “شكلها جميل، ولمسها مقزز، وصحبتها مميتة”[2].

 المرأة الثانية:

هي المُحتفى بها، وظهرت منذ العصور الوسطى إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث اختفى الخطاب التقليدي، وبرز خطاب التدليل والتوله بها والتغني بجمالها وخصالها كأنثى، من خلال الفنون والآداب والكتابات الفلسفية، والتي تبلورت بشكل رئيس في القرن التاسع عشر، لنجد مقولات على غرار “المرأة الخالدة تجرنا نحو العلا” لدى غوته، وهي “مستقبل الرجل” لدى أراجون، وهي “مخلوق سماوي ورباني”، وأيضا “مبتغى الرجل” عند نوفاليس “الربة الملهمة وأعلى فرصة للرجل” لدى بريتون.

ويعقب الكاتب بأنه رغم هذا لم يتغير شيئا من التراتبية الاجتماعية، صحيح أنه أُشيد بالمرأة لكن من أي زاوية؟ لقد نُظمت لها قصائد المدح، وتغنى بها الشعراء كزهرة جميلة وثمرة يانعة، لكن ظلت لا يُعتد بها إلا من خلال نظرة الرجل إليها، ولخدمة الرجل، ويستشهد بكتاب مخصص للمراهقات صادر في القرن الثامن عشر: “الأحمق فقط هو من يتزوج امرأة، ويكسب عيشه دون مساهمة منها في ذلك”[3].

ورغم هذا يرى الكاتب أنه خلال هذا العصر كان لا يزال هناك مسحة من القيم حيث “كان العمل المنزلي يحظى باعتراف اجتماعي غير مسبوق، باعتباره عنصراً فاعلاً في تهذيب أخلاقيات العائلة والأمة، وخصصت في المدارس الابتدائية والثانوية حصص مدرسية للفتيات في سنوات 1880م لتعليم تدبير المنزل، وفي عام1907م أصبح تعليم الاقتصاد المنزلي إجبارياً في المدارس الثانوية وإعدادية البنات”[4].

المرأة الثالثة:

 تتسم بالاستقلالية، وهي برأي الكاتب نموذج جديد يجسد قطيعة مع تاريخ المرأة، فهو نموذج لم يظهر من قبل في التاريخ الإنساني، وقد أطلق عليها مسمى “المرأة غير المحددة”، ففي ظل هذا النموذج خرجت المرأة من مصير معروف (كزوجة وربة منزل) إلى مصير آخر مفتوح، ولا يمكن التنبؤ به إلى أين يقود المرأة!! فهل تتزوج المرأة وتعيش في ظل أسرة، أم تعيش مع شريكها خارج مؤسسة الزواج؟ هل تتزوج من رجل، أم تعيش مع طرف آخر من الجنس نفسه؟ هل تطلب الطلاق أم لا.. هل تعمل طوال الوقت أم بعض الوقت؟ هل تمارس جميع المهن والأعمال، أم هناك مهن لا يجوز لها الاقتراب منها؟ وهكذا… كل شيء مفتوح وقابل للنقاش والأخذ والرد.

ويعبر عن هذا بقوله: “ما نراه الآن يجسد بشكل عميق للغاية قطيعة تاريخية في طريقة تشكيل الهوية النسائية، وكذلك العلاقات بين الجنسين لثلاث ظواهر عميقة: تحكم النساء في الإنجاب، وإلغاء الطابع المؤسسي عن العائلة، والمساواة بين الزوجين”[5].

ويبحث المؤلف عن سبب ظهور هذا النموذج الثالث، حيث ثقافة الحداثة، والفكر النسوي، وثقافة الاستهلاك، فيقول عن دور ثقافة الحداثة:

“والمرأة الأولى هي امرأة تابعة للرجل، بينما المرأة الثالثة هي التي تخضع لذاتها، كانت المرأة الثانية ابتكارا مثاليا للرجل، أما الثالثة فهي خلق ذاتي نسائي، ونموذج المرأة الثالثة يقيم قطيعة كبرى في تاريخ النساء… نحن شهود على عملية تساوي ظروف الجنسين في ظل ثقافة تكرس لكليهما، سيادة حكم الذات، والفردية السيادية، والتي تتحكم في الذات وفي مستقبلها، دون نموذج جماعي موجه”[6].

وفي موضع آخر يوضح مناخ فوضى الاختيارات المتاح أمام المرأة بعد غياب المطلق والثابت، ذلك الذي كان يضع دورا حصريا للرجل وحصريا للمرأة، لكن حالة التيه التي وصلت إليها المرأة في محاكاتها للرجل ظناً منها أن هذا سيخلق مجتمعا أحادي الجنس (جندر) ويحقق المساواة، فإذا بها بعالم “الفوضى” فيقول:

“الجديد في الأمر لا يكمن في وجود عالم أحادي الجنس، ولكن في وجود مجتمع (منفتح) تكون فيه المعايير المتعددة والانتقائية، هناك حيز الآن للاختيار الفردي. إن النماذج الاجتماعية كانت تفرض حتما أدواراً ومكانات، ولكنها لم تعد تخلق إلا توجهات اختيارية وتفضيلات إحصائية، وبعد الأدوار الحصرية جاءت التوجهات التفضيلية، والاختيارات الحرة للفاعلين، وانفتحت الإمكانات، ليس تماثل الأدوار الجنسية هو ما انتصر، وإنما انعدام التوجيه للنماذج الاجتماعية”[7].

استعراض لأبرز آراء ليبوفيتسكي الواردة بالكتاب:

  • دعوات تنفير النساء من الزواج حرر الرجال من الأسرة وليس النساء

وجد المؤلف في دراسته لوضع المرأة في القرن العشرين أن الحركة النسوية بدعوى المساواة نفرت النساء من مؤسسة الزواج، وصورتها لهم بالعبودية[8]، فأضرت بالنساء في الجانب الجنسي أيما ضرر، بما عاد بالفائدة على الرجل، حيث صرن أسهل منالاً وأقل كلفة، فيقول:

“صارت النساء يعرضن العلاقة على الرجال أسوة بالرجال، وما كان يوصف بأنه سلوك (امرأة لعوب) اكتسب الآن شرعية اجتماعية، ولم تعد المبادرات النسائية تنعت بالسلوك الشائن أو المستهجن. لقد نجحت ديناميكية التكافؤ في طمس معالم السمة الجوهرية للعلاقة، بالأخص التعارض المتميز بين النشاط الذكوري والسلبية الأنثوية”[9].

وقد وضع يده على سبب الأوضاع المتردية التي وصلت إليها المرأة، محللاً طبيعة المرأة النفسية في أن المرأة بطبيعتها رومانسية، ويلعب الحب دوراً كبيراً في تشكيل هويتها، وما دعت إليه الحركة النسوية التي برزت في ستينيات القرن الماضي من المساواة، والتي لا سبيل إليها إلا بالتحرر من عبودية الزواج لم يثن النساء عن أحلامهن في الحب، كل ما هنالك أنهن بحثن عن هذا الحب خارج مؤسسة الزواج، وتحولت علاقتهن بالرجال من سمة العاطفية إلى الجنسية، فكانت العاقبة برأيه نفور الفتيات مما اعتبرنه قواعد تقليدية، وصارت المسألة: استمتع دون أي قيود، وساد الخيار الحر للشريك بما نتج عنه تزايد في النشاط الجنسي قبل الزواج، وقفزة نوعية هائلة في أعداد المواليد غير الشرعيين شيئاً فشيئاً[10].

ولذا فهو يصل إلى نتيجة مفادها أن الاندفاع وراء المساواة لم ينجح في القضاء على الوضع التقليدي السائد للنساء، وأن تحرر المرأة الجنسي المزعوم “الانعتاق الجنسي” قد أثلج صدور الرجال، واعترفت كثير من المناضلات أنهن وقعن في الفخ، وأخطأن في اختيار ثورتهن[11].

وهنا كشف المؤلف عن زيف الوهم الذي تسوقه النسويات لعامة النساء، بتوضيحه مسألة بالغة الدلالة في تعلق النساء بالحب، فطموحات النساء العاطفية طبيعياً تختلف عن الرجل، وأن المرأة لا ترى في الحب اعترافا وتقييما لذاتها، بوصفها كيانا فرديا ذو استقلالية، بل إنه يمنحها قدرة عظيمة على العيش عبر تجاوزها لذاتها في اتجاه الآخرين.

  • من المساواة إلى الشذوذ:

يرى ليبوفيتسكي أن مطالبات النسويات لم تقف عند حد حق تأكيد استقلاليتهن الشخصية والاقتصادية، بل دخلت مع الفكر النسوي دائرة غير مسبوقة من التسييس، حيث صارت تعني حقهن في حياة جنسية خارج مؤسسة الزواج دون أن يشعرن بالخجل، بل وأن يعشقن نساء مثلهن، بما جعل التمايز بين الجنسين قد تضاءل جدًا[12].

وفي فقرة أخرى يقول: “إن النسويات رفعن في البداية شعارات استقلالية المرأة، والتي لا سبيل لها إلا بالتخلص من القيود الزواجية، والانعتاق من نموذج التفاني التقليدي، فإذا بهن في نهاية المطاف ينادين بالشذوذ”، بتدمير التنميطات الجنسية، وإبطال ما يعرف بـ (سجن النوع الجنسي)، وإعادة تعريف الذكورة والأنوثة”[13].

  • الواقع يكذب التيارات النسوية بشأن التساوي المزعوم بالرجال:

دحض المؤلف الأطروحة النسوية بالتماثل المطلق مع الرجال، موضحاً أن التمايز هو الأصل وسيظل رغم أنف الدعوات التي تنادي بأحادية الجنس، فأورد إحصاءات توضح الهوس النسائي بالجمال والعناية بالجسد الأنثوي، وتزايد معدلاته، “ففي فرنسا تزايدت مبيعات صناعة العطور ومنتجات التجميل بمعدل 2.5 بين عامي 1958م و1968م، ومن عام 1973م إلى عام 1993م قفزت من 3.5 مليارات إلى 28.7 ملياراً”[14].

بل يذهب المؤلف إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث لفت الأنظار إلى نوع جديد من تبعية النساء فيقول: “مع عبادة الجمال وهوس النساء بمظهرهن _وتعكسها إحصاءات مستحضرات التجميل_ تحررن من السجن المنزلي، ليأتي السجن الجمالي فينتج من جديد التبعية التقليدية للنساء”[15].

  • أزمة الطرح النسوي على المستويين النظري والعملي:

ناقش المؤلف الطرح النسوي الذي قدمته النسوية كيت ميليت Kate Millett والتي تقول:

“الشأن الشخصي أصبح سياسياً، حيث لم يعد للعلاقة بين الجنسين داخل الأسرة مكاناً مغلقاً لمجال خاص، وإنما اعتبارها علاقة سلطة بين الجنسين، وإجراء ذا أصل سياسي، ومكوناً للنظام الباترياركي …وأن القوانين والأخلاق وعلم النفس والأدوار المتعلقة بالجنسين تلتقي جميعها لتأكيد السيادة الرجولية وتبعية النساء” [16].

ويرد أن هذه المقولة وأشباهها أفضى إلى نتيجة عجيبة بنظره، حيث تعميم للخاص وتخصيص للسياسة، وصار جسد المرأة أرضية للكفاح، ونُظمت مظاهرات للمطالبة بالإجهاض وغيره، كما تم سحب الحرب السياسية إلى الشأن الخاص فيقول:

“كان جسد المرأة في قلب الكفاح الذي قاده التيار النسوي، حيث انتظمت تحركات جماعية كبرى تطالب بالإجهاض، وحق المرأة في التحكم في الإنجاب والحرية في جسدها، والتنديد بالطبيعة الباترياركية لقوانين العقوبات، وكسرهن جدار الصمت حول الإجهاض والعنف العائلي، وسيست النساء مشكلات الجنس. إنه تعميم للخاص وتخصيص للسياسة، فالنسوية قدمت (الحرب السياسية في الشأن الخاص، والحرب الجنسية في الفضاء العام)[17].

وفي فقرة أخرى يوضح أن رفع النسويات شعار “كل ما هو شخصي سياسي” إنما ليكون هرباً من للخضوع لقواعد المجتمع من ناحية، وسعيا لإعادة إنتاج العلاقة بين الرجل والمرأة، ووضع معايير جديدة لكل شيء من ناحية أخرى، وأن الفكر النسوي يزداد تسلطاً فيقول:

“في الستينيات والسبعينيات سعت النسوية لتحرير الحياة الجنسية من المعايير الأخلاقية، والعمل على تأخير الهيمنة الاجتماعية على الحياة الخاصة، على العكس في أيامنا هذه، تطالب النسوية دائماً بسيطرة عامة متزايدة على الحياة الخاصة، كإصدار قوانين تتعلق بوضع معايير للسلوك القويم، واللغة القويمة، وكلها توجهات تدخلية، نعتبرها محل تهديد؛ لأنها بمثابة إرهاب فكري وأخلاقي يهدد النظام الليبرالي لمجتمعاتنا، ومع تأكيد النسوية على أن كل شيء هو سياسي، فإن هذا جزء من المشروع الشمولي، وسيؤدي إلى دمج الشان الخاص بالدولة، وإلغاء الحق الفردي في الحياة الخاصة، والتأطير الكلي للأفراد بواسطة المعايير العامة، والأكثر عدائية ذهبوا إلى أننا بصدد “النسوية النازية”[18].

ويعود في نهاية الكتاب ليؤكد على ذات المعنى، حين يتناول موضوع عمل المرأة فيقول:

“إن الطرح المعاصر لمسألة عمل المرأة يظهر مآزق النظرية التي تضع تعارضًا جذريًا بين التذويت والمجتمعية، ولا تفكر في الحرية الذاتية إلا كنوع من عدم الخضوع للقواعد الجماعية”[19].

  • اللعب على وتر الضحية وأبلسة الذكور:

لمس المؤلف هنا وترا حساسا أثار حفيظة النسويات ضده، ألا وهو اعتماد الحركة النسوية في الوعي بين النساء، على عنصر شيطنة الرجل، ومعاناة المرأة من غيه، وأنه لا سبيل لتحقيق التحرر النسوي إلا بالوعي بهذه المعاناة، وهذا يوضح فهمه العميق، وقراءته الواسعة للفكر النسوي، ولاسيما في موجته الثالثة، فقد كتبت جينيفر بومغاردنر وإيمي ريتشارد في كتابهما (مانيفيستا):

الوعي بين النساء هو أساس التغيير، الوعي هو القابلية الوحيدة لفتح عقولهم على حقيقة أن السيطرة الذكورية تؤثر فعليا على النساء من جيلنا نحن، إن حضور النسوية في حياتنا تؤخذ كقرار واع؛ وذلك لأن النسوية بالنسبة لجيلنا هي كمادة الفلور التي نادرا ما نلاحظها، ولكنها موجودة ببساطة بالماء.
ومن هنا كان لابد من اعتماد القصص، واعتبارها الطريقة المنتجة لرفع الوعي، قصص وشهادات عن القمع والاضطهاد، بما يجعل النساء تكتسب خبرتها حول الاضطهاد الجنساني، من خلال مجموعات النساء اللواتي يقدمن شهادات عن معاناتهن[20].

يتناول مؤلف كتابنا هذه الطريقة بتوصيف لا ينكر فيه واقع سوء المعاملة من البعض، ولكن يضعه ضمن حدوده، فيقول:

 “نرى أن الإحصائيات المخيفة التي يلوح بها أنصار النسوية قابلة للجدل، ويجب ألا تخدعنا، فوراء موضوعية الأرقام الظاهرية يتوارى مشروع أيديولوجي لإعادة كتابة الواقع، فالتوسع المبالغ فيه لمفهوم الاعتداء الجنسي وإعادة كتابة معايير ما هو طبيعي وما هو إجرامي يخضع للمناقشة… وعندما تعرض النسوية المفرطة مفاهيم العنف، وتجرم التصرفات التي يعتبرها الضمير الجمعي تصرفات طبيعية، ولم تعد تظهر الواقع، بل تضفي عليه صفات شيطانية، وتعريفاتها تتسع لدرجة العبث، فالوباء المزعوم لحوادث الاغتصاب ليس إلا إعادة صياغة مفهوم (القهر الجنسي)… فبعد عهد (المرأة المخدوعة) نحن في عصر (النسوية المخادعة)، فثقافة شعور المرأة أنها ضحية تتشكل وفقاً لمنطق أنثوي راديكالي، فكل رجل هو مغتصب أو متحرش محتمل، وكل امرأة هي مقهورة، فالشرور كلها من الذكور، والإناث مخلوقات بريئات وطيبات”[21].

  • دور الحركة النسوية في القضاء على نمط الأم مدبرة المنزل:

يعقد المؤلف مقارنة أبرز فيها تراجع القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه، فيقول:

“في نظر الحركات الراديكالية لا يمكن للثورة أن تنحصر في إلغاء العلاقات الرأسمالية للإنتاج، وإنما يتوجب عليها إلغاء كل من تقسيم العمل العائلي وفقاً للجنس، ونمط الأم _مدبرة المنزل_ والتي كانت تجسد حلماً جماعياً باتت تمثل كابوساً للنساء الجديدات الثائرات، وفي هذه الغمرة تطور الرأي العام بكثافة في اتجاه العمل المهني للمرأة، ففي الولايات المتحدة في عام 1970م كان 80% من النساء البيضاوات يرين أن الوضع سيكون أفضل كثيراً إذا بقيت الزوجة في المنزل، وبعد ذلك بـ 7 سنوات لم يكن أكثر من 50% يرين ذلك، وفي فرنسا عام 1969م كان 46% من الفرنسيين يرون أن المثل الأعلى للعائلة بأن يمارس الرجل وحده مهنة وتظل المرأة في المنزل، هذه النسبة انخفضت إلى 30% عام 1978، وفي الوقت الحاضر يتفق 77% من الفرنسيين على الفكرة القائلة بأن الزوج والزوجة يجب أن يتشارك كلاهما في الموارد المالية للمنزل”[22].

ويجعلها ليبوفيتسكي قضية وطنية، فيبرز دور التعليم في مساندة وتعزيز هذه القيم، فيقول:

“كان التعليم الثانوي والعالي يتزامن مع المثل الأعلى للزوجة في المنزل، وكان هدف الفتيات حين يكملن دراستهن هو الزواج والتفرغ لأطفالهن. في منتصف الخمسينيات في الولايات المتحدة 6 طالبات من أصل 10 تركن دراستهن الجامعية من أجل الزواج، وفي فرنسا في عام 1963م ما يقرب من نصف النساء الحاصلات على دبلوم التعليم العالي، ويبلغن من العمر أقل من 40 عاماً لم يمارسن أية مهنة”[23].

  • دور الثقافة الاستهلاكية في خلق المرأة الثالثة:

بعد أن تناول المؤلف دور كلا من الحداثة والفكر النسوي في القضاء على نموذج المرأة ربة المنزل وخلق المرأة الثالثة، يحلل المؤلف العامل الأبرز الذي قضى على نموذج المرأة ربة المنزل، وهو انطلاق مجتمع الاستهلاك الجماهيري، فيقول:

“إن مجتمع الاستهلاك الجماهيريL`affluent Society  هو الذي وضع نهاية جذرية للوضع المتوارث للمرأة ربة المنزل، حيث سلسلتان من الظواهر التقتا في هذا الصدد، أولاً اقتصاد قائم على تحفيز وخلق مستمر للاحتياجات الجديدة التي تحبذ العمل النسائي، باعتباره مصدراً للإيرادات الإضافية؛ للمشاركة في أحلام مجتمع الوفرة، فكلما كثر تقديم الأشياء والخدمات والتسليات، تكثف مطلب زيادة الإيرادات للعائلة براتب المرأة.

ثانياً: إن مجتمع الاستهلاك فرض نظام قيم تتناقض مع ثقافة المرأة ربة المنزل، وشوّه الإيديولوجيا التضحوية التي كانت تتضمن نموذج مدبرة المنزل النموذجية، ليحل محلها ثقافة جديدة ركزت على المتع والجنس والتسلية، والاختيار الفردي الحر، والاستهانة بنموذج الحياة النسائية التي تهتم بالعائلة أكثر من اهتمامها بنفسها، كما شرعنت رغبات العيش من أجل الذات وبها، إنها دوامة من المرجعيات الفردانية هي التي دفعت النساء إلى التنديد بالأعمال المنزلية … وقد كان عمل المرأة مؤشراً على الفقر، ومع الفردانية بات انفتاحاً على الحياة الاجتماعية، وحقاً في التصرف الحر”[24].

الخلاصة التي وصل إليها المؤلف:

بعد أن صال المؤلف وجال في الفكر النسوي ومعطيات الحداثة وما بعد الحداثة، انتهى إلى أن حصول المرأة على حقوقها في المساواة قلل التصرفات العنترية التي يتبجح بها الرجال، وفتح المجال أمام الديمقراطية، غير أن التمايز بين الجنسين سيظل حقيقة مؤكدة “التباين الجنسي مستمر رغم محاولة (التقدم) وديناميكية التكافؤ إزالتها، لكن التحليل المفصل للمعطيات يؤكد أنه حتى طرح التكنولوجيات الأكثر تقدماً لم يؤد إلى تراجع التمايز الجنسي في العمل، بل استطاع إعادة تكوينها، وصارت تعمل بنظام كامل في صميم الزمن الحاضر، فالتوجهات المدرسية تظهر أن مسيرة تطلعات الفتيات والفتيان تظل متباعدة جوهرياً، وفي قلب التعليم المهني الهيمنة الذكورية صارخة في تعلم مهن مثل البناء والصناعة، والأولوية لدى الفتيات ترتبط بمهن مثل تصفيف الشعر والسكرتارية والأزياء والصحة، حتى وإن لم تعد أي مهنة تعتبر معقلاً حصرياً للذكور، وإن خطت الفتيات بأعداد أكبر من الفتيات نحو التعليم الجامعي، فالفصل في التوجهات وفقاً للجنس هو أمر واضح وضوح الشمس. نتوهم كثيراً إذا اعتقدنا أن ديناميكية المساواة تُعِد لعالم بجنس واحد: فإعادة الإنتاج الاجتماعي للاختلاف الجنسي تظل عملية متواشجة مع أزمنة ما بعد الحداثة”[25].

الخلاصة:

من المؤكد أن رؤية ليبوفيتسكي قد أغضبت النسويات، وحملن عليه حملة إعلامية شديدة، لكنه استعان بأدلة إمبريقية ساندت كثيرًا من آرائه في مواجهة الذين يتشدقون بالشعارات والمبادئ، وكما عبر عن نفسه في اللقاءات التي أُجريت معه أنه “تخلص من كل تلك العقد التي تحد من إعادة التأمل والتفكير في وضع المرأة المعاصرة”[26]. وقد نجح في ذلك أيما نجاح، حيث تمكن باقتدار يُحسد عليه من تناول الواقع الأنثوي من جوانبه المختلفة.

وإن كشف الكتاب عن شيء فإنما يكشف بشكل رئيس عن حقيقتين في غاية الأهمية:

الأولى: الصراع الثقافي داخل المنظومة الغربية ذاتها، والرغبة المحمومة للتحصن بالهوية، وإثبات التنوع والتعدد داخل المنظومة الأم، وهذا ليس بمستغرب على المثقفين الفرنسيين، حيث ينظر المثقفون الفرنسيون إلى النموذج الأمريكي بخاصة في قضايا المرأة، بأنه أكثر عدوانية وراديكالية في رفض التقارب بين الجنسين، ومن ثم فهو بعيد نوعاً ما عن النموذج الأوروبي، والذي يطرح نفسه كحل توافقي بين الليبرالية المعاصرة وقواعد الماضي الموروثة، ويستشهد الكاتب بمقولة لـ “توكفيل” في مواجهة ما أطلق عليه “أمركة” الكوكب الأرضي: “الشعوب دائما تستشعر أصولها”[27].

الثانية: التمايز بين الجنسين سيظل حقيقة مؤكدة حتى في قلب الحداثة المفرطة، ونضم صوتنا لصوت العقل الذي يقول:

“ينتظم من جديد التباين في مواقع الجنسين، وبقية الوظائف والأدوار القديمة، وتواكبت بطريقة غير مسبوقة مع الأدوار الحديثة، وكنا نعتقد أن الحداثة ألغت الفصل الجنسي للمعايير، … من هنا يتأكد مطلب إعادة النظر في أساس الافتراضات التي تؤكد حتمية المسيرة نحو عدم التمييز في الأدوار والمكانة بين الجنسين، بما يجعل أحد الجنسين لا يتغلب على الآخر ولا يزيحه”.

بقي أن نشير إلى ملحوظة هامة:

ما نعيبه على هذا الكتاب أنه ينطلق من ذات المركزية التي تنطلق منها أغلب الكتابات الغربية، والتمركز حول كل ما هو غربي، وله كامل الحرية في تصوره، لكن أن يعتبر أن تجربة النساء الغربيات هي ذاتها تجربة كل النساء فهذا فيه قول!! فمراحل النساء التي قسمها كانت في ضوء الخبرة الغربية، لكن يظل للكتاب المحمدة في كونه مرآة صادقة معبرة أيما تعبير عن واقع المجتمع الغربي، ونحن مأمورون بالاعتبار بخبرات الآخرين، ولنهدي كتابه كرسالة من قلب الحداثة إلى بعض النخب فى عالمنا العربي والإسلامي، والذين يتماهون مع الحداثة ومنجزاتها _في الجانب القيمي_ تماهياً ختاميًاً لا محل فيه لمساءلة أو نقد.

 

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]جيل ليبوفيتسكي، المرأة الثالثة.. ديمومة الأنثوي وثورته، ترجمة دينا مندور، مراجعة وتقديم: جمال شحيد، القاهرة: المشروع القومي المصري للترجمة، 2012، ص114.

[2] المرجع السابق، ص171.

[3] انظر: ص204.

[4] انظر: ص214، 215.

[5] انظر: ص229.

[6] انظر: ص235، 236.

[7] انظر: ص236،237.

[8] انظر: كانت صرخة المعركة الخاصة بالحركة هي أن الرجل كان ومنذ الأزل السبب في اضطهاد وتعنيف النساء. ومث فإن هدف الحركات النسوية إطلاق سراح جميع النساء من الزواج والعبودية، وما تهدف له ثورة النساء هو حياة خالية من هيمنة الذكور والعبودية، لمزيد من التفاصيل انظر:

Erin Pizzey ,How feminism succeeded in destroying family relationships , January 8, 2016

http://cutt.us/SXPaL

[9] انظر:ص59.

[10] انظر:ص26:30.

[11] انظر:ص39.

[12] انظر:ص31.

[13] انظر:ص29،30.

[14] انظر:ص132.

[15] انظر:ص138.

[16] في: ص 69.Kate Millett, La Politique du male, Paris,Stock,1971

[17] انظر: ص69،70.

[18] انظر: ص77.

[19] انظر: ص222.

[20] ناهد بدوية، (النسوية الثالثة التعددية والاختلاف وتغيير العالم)، مركز دراسات المرأة: مساواة،

http://musawasyr.org/?p=1791

[21] انظر: ص72،73.

[22] انظر: ص217،218.

[23] انظر: ص225.

[24] انظر: ص 227،226.

[25] انظر: ص242.

[26] ليلى الراعي، 27 مايو 2017، العدد 45828، جريدة الأهرام القاهرية

http://www.ahram.org.eg/archive/Books/News/151652.aspx

[27] انظر: ص99.

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مناقشة كتاب (كيف نربي أولادنا بالقرآن) مع أ.د. أسماء السويلم

جميع الفعاليات