قراءات: نظرات نقدية في كتاب تحديات الثابت والمتغير في القرن التاسع عشر

      يتناول هذا الكتاب المجتمع المصري إبان القرن التاسع عشر ليثبت أمرين، الأول: محاولة التأكيد على فكرة رئيسية مفادها أن الحركة النسوية في المجتمع المصري حركة أصيلة، وليست نتاجاً للفكر الأوروبي، في حين أن أوراق الكتاب وقعت في تناقض بيَن حين حاولت السير على نفس الترتيب الزمني للموجات النسوية الأوروبية كموجة أولى وموجة ثانية، عندما صنف باحثو هذه الأوراق محتوى هذا الكتاب ضمن الموجة النسوية الأولى.

والثاني: إعادة قراءة التاريخ لتسليط الضوء على مساهمات النساء في الحياة الثقافية والسياسية المصرية، مع إبراز شخصيات نسائية كرائدات لفكر نسوي مع الاستعانة بالخطاب الإسلامي؛ لاتخاذه حجة في بعض المواقف، وانتقاده في مواقف أخرى حين يرون أنه دون المنشود في تحرير المرأة، وإن وجهوا سهام نقدهم للمفسرين أمثال النديم ومحمد عبده؛ متهمين إياهم بالذكورية، والتأثر بالغرب تارة، وبالتقاليد تارة أخرى.

يعرض هذا الكتاب مجموعة من الأبحاث قَدُمت في مؤتمر بذات العنوان انعقد على مدار يومين في مايو 2002، نظمه ملتقى المرأة والذاكرة[1] ضمن سلسلة مؤتمرات[2]، تسلط الضوء على شخصيات نسائية رائدة، وظروف عصرهن.

ويستعرض الكتاب ثمانية أوراق بحثية حول عائشة تيمور، والعصر الذي عايشته، وأشارت مقدمة الكتاب إلى السبب وراء تناول هذه الفترة الزمنية، في أنه يعكس مرحلة احتدم الجدل فيها حول العلاقة بين التراث والمعاصرة، ومشروع تحديث المجتمع، وفي القلب منه قضية (وضع المرأة) حيث روّج المستعمر البريطاني وممثليه لفكرة أن وضع المرأة المتخلف هو سبب تخلف المجتمعات العربية، بما يبرر وجود الاحتلال لتعليم رجال مصر كيف يعاملون نسائهم.

فساد خطاب يفيد بأن المجتمع الحديث جاء بكل الحقوق للنساء، وأن جميع السلبيات مقترنة بالماضي، وقد حاولت أوراق الكتاب تفنيد هذه المقولة؛ لأن شيوعها في رأيهن أدى إلى مجموعة من المغالطات:

أولها: أن المبالغة في تمجيد العصر الحديث، والمفاهيم الحداثية ستجعله معيارا لتقييم أي مساهمة، ومن ثم سوف يتم إغفال مساهمات النساء اللاتي حاولن تقديم رؤى لا ترى حتمية الصراع بين القديم والحديث، وعائشة تيمور نموذج لذلك[3].

ثانيها: تحديث المجتمع على النسق الأوروبي أوجد مشكلات وأفكاراً تناهض حقوق النساء، لم تكن موجودة في المجتمع العربي، وصارت تقدم بوصفها جزءًا أصيلا من ثقافتنا العربية، ففي زعم باحثات الأوراق أن المرأة كانت تعمل إلى جنب الرجل إلا أن الصحافة المقلدة لصحف الغرب أعادت المرأة للمنزل.

ونموذج آخر هو أن الغرب استخدم العلم ضد النساء لإثبات غلبة الذكر على الأنثى، وقد انتقل هذا الخطاب إلى العالم العربي، وردده بعض مفكري النهضة لدعم مقولة أن المرأة مخلوقة للبيت.

ثالثها: إن المبالغة في طرح قضية المرأة بوصفها رمزا للمجتمع الحديث، أغفل تناول الرجل وماهية دوره.

وقد اتبعت الأوراق البحثية المنهج التفكيكي لإعادة تعريف ماهية الأنوثة، وماهية الذكورة، ودحض أسطورة أن البيت مملكة المرأة، وأسطورة أن الرجل متفوق بيولوجيا على المرأة.

كما سعت الدراسة إلى رصد التراث النقدي عن عائشة تيمور؛ لإعادة النظر في المفاهيم السابقة، والتي اعتبرها بعضهم ثوابت على حد ما ورد بمقدمة الكتاب.

  • ركزت لطيفة سالم في الورقة الأولى التاريخ الاجتماعي والثقافي لفترة 1890” على عناصر رئيسة ثلاث: البناء الاجتماعي، الحراك الاجتماعي وما ارتبط به من تعليم، والأحوال الشخصية.

وأوضحت إبان استعراضها للبناء الاجتماعي المصري في القرن التاسع عشر أنه تكون من ارستقراطية زراعية، وطبقة الأعيان، وطبقة المثقفين، والذين عرفوا بالأفندية، وغالبيتهم ينتمي للطبقة الوسطى، والتجار الذين عاشوا أوضاعا سيئة، وكذلك الحرفيين الذين بدأوا النزوح إلى المدن، وأخيرا الفلاحين الذين مثلوا السواد الأعظم من الشعب، وقد أثقلوا بالديون؛ ليسددوا ما عليهم من ضرائب، وفوق كل ذلك الأجانب الذين توغلوا في امتلاك الأراضي، سواء من الفلاحين الذين أثقلتهم الديون، أو أبناء الذوات الذين فقدوا أراضيهم لانجرافهم وراء المدنية الحديثة، وبالطبع كان لهؤلاء أسوأ الأثر في تقليد المصريين لهم، ولاسيما في المظهر والعادات.

أما عن الحراك الاجتماعي فقد ظهر جلياً في الهجرة من الريف إلى المدن، و بخاصة الريف، سواء لظروفهم الاقتصادية، أو لانبهارهم بالمدينة، وترتب على هذا تغير العادات، فضلاً عن عنصر التعليم الذي يلعب دوره في الانتقال من طبقة لأخرى، وقد حرص المحتل على تحجيمه عبر إلغاء مجانيته، وتدريس المواد باللغة الإنجليزية، وعدم تدريس التاريخ إلا في الصف الرابع الثانوي، والذي اقتصرت مفرداته على التاريخ الذي لا يخص مصر، والعرب، والإسلام، كما تناولت الدراسة تعليم البنات، واللواتي التحقن بالمدارس الأجنبية حيث نشطت البعثات التبشيرية، وكذلك مدارس الشاميات مثل مريم مكاريوس، والتي كان لها أكبر الأثر في القضاء تدريجيا على ما أطلقت عليه الباحثة “عصر الحريم”.

وأخيرا الأحوال الشخصية؛ وفيها صبت الباحثة جام غضبها على المحاكم الشرعية بقولها: “المحاكم الشرعية التي فاضت بها العيوب نظرًا لما وصلت إليه من تدهور، وقد تحكمت في القضايا الجوهرية، والحساسة فهي تتدخل بين الرجل، وزوجته، والوالد، وولده، والأخ وأخته، وأيضاً كان لها حق النظر في الميراث، وأصول الأوقاف والاستحقاق فيها”.

وادعت أن المشكلات السائدة آنذاك كمشكلة تأخر الزواج يرجع بعضها إلى الثقافة الذكورية التي كانت تجعل الشباب ينظرون للفتيات بدونية؛ لأنهن أقل منهن ثقافة، وبعضهن الآخر يرجع للعادات والتقاليد الخاصة بعدم اللقاء، أو الرؤية قبل الزواج، فضلا عن مشاكل الطلاق، والإسراف في تعدد الزوجات على حد قول الكاتبة.

  • أما كمال مغيث فقد استهل ورقته عائشة تيمور وأسئلة النهضة بذكر العصر الذي عايشته عائشة، والتي عاصرت مشروعات محمد علي؛ ليوضح أن محمد علي حاول فقط تأسيس بنية تحتية اقتصادية، وإدارية، وعسكرية للدولة الحديثة، أما حفيدة الخديوي إسماعيل هو الذي وضع البنية الفوقية لتلك النهضة بما تشتمل عليه من ثقافة، وتعليم، وفن، ومؤسسات سياسية، وقد ازداد التدخل الأجنبي في عهده؛ ليتم عزله في النهاية، وتولية ابنه توفيق باشا، فتشتعل الثورة العرابية، ويتم احتلال البلاد، ويظهر العديد من رموز الإصلاح والنهضة أمثال محمد عبده.

أما عن عائشة تيمور فقد كان التعليم المتاح أمامها شأنه شأن بنات الأثرياء هو التعليم الخاص في المنزل، إلا أنها تتمرد على نوعية هذا التعليم، فتقول: “فلما أن تهيأ العقل للترقي، وبلغ الفهم درجة التلقي تقدمت إلى والدتي بأدوات النسج والتطريز، وأنا لا أستطيع التلقي، ولا أقبل في حرف النساء الترقي، وكنت أفرُّ منها فرار الصيد من الشباك”، فرتب لها أبوها أساتذة لتعلم اللغة العربية، والفارسية، والتركية.

ثم تناول البحث في الجزء الثاني من بحثه أسئلة النهضة التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر، ليميز بين مجموعتين: الأولى تدور حول قضايا النضال الوطني، واعتبر الأفغاني، وعرابي، والبارودي من روادها، والثانية تدور حول الإصلاح الاجتماعي، وحقوق المرأة، واعتبر علي مبارك، وقاسم أمين، وعائشة تيمور من روادها[4].

أما عن دورها الاجتماعي فقد كشف الكاتب عن حرص عائشة الشديد على الارتباط بالنساء اللواتي خرجن عن المألوف، ورفضن التقاليد البالية _على حد وصف الكاتب_ التي تحاصرهن داخل جدران المنزل، كما أشار إلى أنها “لم تسلم مطلقا بسلطة الرجل الكاملة والمطلقة على المرأة، باعتبار أن السلطة هي -مشيئة الله- أو فروض الدين” بل أنها “أسندت قضية القوامة في الأسرة لصاحب الدور الاجتماعي، وليس للرجل على الإطلاق”.

  • ثم تأتي إيمان عامر لتتناول (المجتمع وخطاب المرأة: عائشة تيمور نموذجاً) ركزت في ورقتها على دور عائشة الريادي في الحركة النسائية من خلال الأدب، والذي وصفته بأنه كان أداة لتغيير المجتمع، ومعياراً في الوقت ذاته للتغيير”.

وعدت مقالاتها وأبياتها الشعرية إرهاصات للتغيير الذي شهدته مصر على يد قاسم أمين فيما بعد، وأشادت بأن ريادة التيمورية لفتت أنظار الجامعة العبرية بفلسطين إذ اهتمت بدراسة تراثها.

وقد تناولت إيمان عامر أدب عائشة من ثلاثة زوايا:

أولا: إن عائشة انفردت دون سائر الشاعرات العربيات بما نظمته في مجال شعر الغزل، بل وكانت أشد جرأة إلى حد أن عقب الكيلاني عليها بقوله: “لم أتت بهذا القول الماجن الذي يكاد يكون مكشوفا، وتُعلق عامر على ريادة عائشة فيما أطلقت عليه الغزل الأنثوي المكشوف بقولها: “كل ما اجترأت المرأة على كتابته في العصور المظلمة كان لوصف النبات والحيوان في حكاية قصيرة، ولم تنظم إلا الأناشيد الدينية، والصلوات الروحانية، أو لتصف حياة الرعاة، وعاداتهم، ومن سبقنها لم ينظمن إلا المدح والرثاء”، وفي موضع آخر: “قبل عائشة لبث الشعراء أجيالا يبكون هجر الحبيب وامتناعه عنهم، ويتألمون لقسوته وإعراضه، ويطلبون وصاله، فلم تنهض للرد عليهم امرأة واحدة”.

ثانياً: مسألة الحجاب والسفور: تناولته التيمورية من خلال شعرها ونثرها، ولكن تشير عامر إلى انتقاد بعضهم للتيمورية؛ لوقوعها في تناقض بين اعتزازها بهذا الحجاب حينا.

بين العفاف أصون عز حجابي           وبعصمتي أسمو به على أترابي

والذي كتبته في حداثة سنها، بينما شكته في نثرها بأنه حرمها مجالسة أهل الفضل والأدب، وحال دون تزودها بما ترغب فيه من العلم والمعرفة[5].

ثالثاً: المساواة بين الرجل والمرأة، والذي طالبت بها تصريحاً لا تلميحاً: “إذ لو أمكن الانفراد للرجل لخصه الله بالوجود دون المرأة، فهما ضروريان كل منهما للآخر، موجودان تحت شمس واحدة، وأحكام واحدة؛ ليأتي كلٌ بقسط من واجبات عادلة.”

  • ولا يزال الحديث موصولاً بتراث التيمورية الأدبي من خلال نبيلة إبراهيم في ورقتها: (من أديبات الكتابة النسوي، المرحلة الأولى، عائشة التيمورية، بين لزوم ما يلزم ولزوم ما لا يلزم).

حيث أكدت على ريادة عائشة تيمور لما أطلقت عليه الحركة النسوية الحديثة الأولى[6]، وإن عابت عليها أنها تحدثت بلهجة الرجل، بينما كانت تريد نبيلة إبراهيم أن تؤصل الكتابة الخاصة بالمرأة.[7]

وإن فسرت مي زيادة[8] ذلك بأن التحدث بلهجة الرجل آنذاك أيسر في التصريح بما هو محظور، كما عابت عليها أمرًا آخر أنها التزمت في أسلوب كتابتها بما لا يلزم، فجاءت عباراتها مثقلة بالسجع، والاستعارات التعسفية، ومع ذلك ترى الكاتبة أن عائشة تيمور بامتلاكها ناصية الكتابة العربية البليغة يُعد الصوت النسوي الذي انطلق مع فجر النهضة؛ لينشر حقيقة أن المرأة تمتلك اللغة على نحو ما يمتلكها الرجل.

وترى نبيلة إبراهيم أن التيمورية اشتهرت بمقدرتها على الشعر، والنثر، بل وسرد الموروث الشعبي ذو المغزى التأويلي، كما جاء بروايتها (نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال) تحكي فيها حكاية الأسد المتغطرس المتكبر الرافض للسعي وراء رزقه، ورزق صغاره، ملقيا العبء كله على اللبؤة التي كانت تسعى وراء الرزق لتطعمه، وتطعم صغارها، وطال صبرها عليه لعله يغير من سلوكه، ويعرف واجبه نحوها، ونحو أبنائه، ولما عيل صبرها، وكبر أبناؤها، هجرته إلى أسد غيره.

  • وتعيد لمياء توفيق في دراستها سجن الرمد، وآفاق الهوية في شعر عائشة التيمورية تعريف خصائص شعر عائشة، والذي بدأت بمحاكاة أساليب الرجال لنيل رضاهم، عبر الالتزام بمتطلبات الحياة النسوية التقليدية _على حد قول الكاتبة_ إلا أنها تطورت في أشعار الرمد التي عبرت فيها عن آفاق لم يكن متاحاً لها الخوض فيها قبلاً.

وفسرت لمياء هذا بأن استعرضت السيرة الذاتية لعائشة، ففي البداية كانت تريد الجمع بين عالم الرجال والنساء، وعبرت عن ذلك بقولها: (من المداد خضابي)، ثم ابتعدت عن عوالم الشعر والأدب عند زواجها في سن الخامسة عشر، وعبرت عن ذلك بقولها: (عاقني عن الفوز بهذا الأمل حجاب الإزار، وحجبني خدر التأنيث عن سناء تلك الأقمار) ثم صارت حاكمة نفسها بعد غياب والدها وزوجها؛ لتعود إلى عالم الأدب، ودراسة الكتابة الشعرية، والعمل في بلاط الخديوي كمترجمة.

وفي خضم انشغالها بحياتها الجديدة تصحو على كارثة وفاة ابنتها الوحيدة بعد معاناة من مرض لم تعرف به لانشغالها، فتنظر إلى موت ابنتها كثمن دفعته بسبب خروجها، فتظل تبكيها سبع سنوات حتى أصابها الرمد، فتبدأ مرحلة جديدة تُرى فيها الشاعرة ولا ترى، بعد أن كانت الشاعرة ترى ولا تُرى عبر المشربيات، وإن فتح هذا لها مجالات كانت مغلقة فقد كانت النساء المسنات، والمعاقات، وخاصة الكفيفات يتمتعن بحرية أكبر في وسط قيود المجتمع المغلق، واتضح هذا في أشعار الرمد، والذي عبرت فيه عائشة عن مشاعر لم يكن متاحاً للمرأة التعبير عنها.

  • تعيد ميرفت حاتم في ورقتها: “تفكيك المقولات التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر من خلال إعادة النظر في تقييم مي زيادة لديوان حلية الطراز لعائشة تيمور، حيث رأت حاتم أن موقف مي زيادة المعادي للحجاب[9]، وإدانتها للنظام الاجتماعي المصري جعلها تقدم رؤية حداثية معادية لخطاب التيمورية الإسلامي، ومن ثم لم تعط الديوان حقه.

كما أن مي زيادة أعطت الاحتلال الإنجليزي محتوى إيجابي حداثي، إذ تقول “وبعد أن كان ما كان من احتلال إنجلترا وتفويضها إلى لورد دوفرن دراسة مختلف المشاريع، وتنفيذها في مصر، استطرد التنظيم والتقدم إلى الحد الذي يُمكَن المفكر قاسم أمين من أن يقول: إن الحرية التامة سواء في التفكر أو الكتابة أصبحت مباحة الآن، وأن المصري يتمتع الآن بكل ما ضمنه الإعلان الشهير لحقوق الإنسان”.

وحسنًا فعلت ميرفت حاتم حينما انتقدت زيادة في إخفائها الوجه القبيح للاحتلال، وعدم التزامه بالحرية، بل واستغلاله موارد البلاد لصالح بريطانيا.

كما أوضحت حاتم سبب اختيار عائشة لشخصيات بعينها في الديوان كنموذج للكفاح، فالقاسم المشترك في هذه الشخصيات صوت التمرد العالي، فـ “ليلى الأخيلية” تمثل العصيان ضد الأسرة[10]، وولادة بنت المستكفي تمثل عصيانها في رفضها الزواج، وتعلق حاتم على ذلك: (هنا يتضح

لماذا اختارت عائشة ولادة بنت المستكفي كإحدى الشاعرات اللاتي تعجب بهن، وتعتبرهن قدوة اجتماعية وأدبية، فلقد اختارت ولادة ألا تتزوج، ويسري هذا على تجربة عائشة الشخصية حيث _في رأيها_ أدى الزواج إلى تأجيل طموحاتها الأدبية[11]).

  • وتتبع أميمة أبو بكر في ورقتها صورة الرجل في الكتابات الإسلامية بين التفاسير القديمة والحديثة آراء بعض المفسرين للآيات القرآنية المتعلقة بدور كل من الرجل والمرأة؛ كي تصل إلى حقيقة مفادها أن آراء بعض القدامى أمثال: الرازي، والطبري أكثر إنصافا للمرأة من بعض المحدثين، والذين اتهمتهم بأنهم انحازوا للرجل أمثال محمد عبده.

وفسرت ذلك بتأثرهم بالوافد الغربي إذ رددوا نفس مقولاته، وألبسوها غطاء الشرع، وحددت ثلاثة مواضع للمقارنة: (درجة الرجال، ونشوز الزوج، وشخصية الزوج الصالح) وسوف أستعرض مثالاً واحدا، وهو ما أطلقت عليه المفهوم الإسلامي للرجولة عبر تتبع خطابات المفسرين للآية الكريمة “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا”، فالطبري فهم الآية بأنها لا تتحدث عن فضل جعله الله مكتوباً للرجال أو فطرياً، إنما معناه ندب الرجال إلى العفو، والتعامل مع النساء بالفضل في حال تركهن أداء بعض ما أوجب الله لهن عليهن؛ ليكون لهم عليهن فضل درجة، وهذه الدرجة هي الصفح.

بينما ترى أن المحدثين كالإمام محمد عبده يرى أن الآية تتحدث عن التقسيم الفطري لدوري الرئيس والمرؤوس بالنسبة للرجل والمرأة، وأن هذه أصل الخلقة، وينصح محمد عبده المرأة ألا تستثقل فضل الرجل هذا، وأن تقبله بالضرورة.

وترى الكاتبة أنه كلما تقدم الزمن بالتفسير نلاحظ اختفاء نبرة التوجه إلى الرجال بالنصح والإرشاد؛ ليحل محلها إما تجاهل توجيه لوم إليهم، أو التعميم بتوجيه الخطاب للنفس البشرية عموما كما في تفسير سيد قطب.

وحاولت الكاتبة ترسيخ مقولة أن تقسيم الأدوار بين الرجال والنساء ليس فطريا، وإنما هو نتاج الظروف التاريخية والاقتصادية للمجتمعات الأوروبية، والذي انتقل إلينا بدوره عبر تبني أمثال محمد عبده له؛ ليجعلوه جزء من ثقافتنا، وثقافتنا منه براء[12].

وفي نهاية ورقتها دعت إلى تجنب سلبيات تراها في الخطاب الإسلامي المعاصر الحداثي، ولم يفتها الإشادة بعائشة تيمور، وبخاصة كتابها (مرآة التأمل في الأمور) والذي عدَته محاولة جريئة تعتبر الأولى من نوعها من جانب امرأة مسلمة متعلمة، تقدم اجتهاداً جديداً لفهم الآيات بأن القوامة مشروطة للرجال، وتتوقف على قيامهم بواجباتهم المادية والمعنوية في الأسرة.

  • وفي ورقة هدى الصدة “تناقضات الخطاب الوطني في تناوله لمسألة المرأة: قراءة في مجلة (الأستاذ) لعبد الله النديم

تتابع الباحثة نقد الخطاب الحداثي المتمثل في كتابات عبد الله النديم عن النساء في عدة قضايا رئيسية، أبرزها عمل النساء، تعليمهن، مفاهيم الرجولة والأنوثة، حيث رأت الصدة أن آراء النديم تمثل انحيازاً للرجال تأثراً بالغرب.

واستهلت ورقتها باقتباس لعائشة تيمور يدور حول إمكانية تبادل الأدوار وفقا ً للقدرة على المسؤولية، استنادا ً إلى حكاية الأسد _التي روتها التيمورية_ الذي يتكاسل عن الصيد، وحلت محله اللبؤة بالتدريج فحصلت على امتيازاته، واحتلت موقعه، وعندما يعترض الأسد تقول له: كان ذلك منذ كنت أنت أنت وأنا أنا، وأما الآن فقد انعكس الحال، وصرت أنا أنت وأنت أنا؛ فلك ما كان لي عليك، ولي عليك ما كان لك علي.

ثم سلطت الورقة الضوء على خطاب النديم، والذي انتقدته بعنف فحول عمل النساء: رأى النديم أن قضية عمل المرأة، أو مشاركتها في الحياة العامة قضية لا يجب مناصرتها للأضرار التي تترتب عليها، وترى الكاتبة أن خطابه الحداثي[13] هذا قد وضع حدودًا فاصلة بين العام والخاص[14]، وأسند العام للرجل، والخاص للمرأة، وهذا لم يكن موجودًا قبل ذلك.

وعن تعليم النساء انتقدت الكاتبة خطاب النديم للبنات، وتعيب عليه أنه اختلف عن خطابه للبنين، سواء من حيث اللغة المستخدمة عربية أو عامية، أو محتوى الخطاب، بما اعتبرته الصدة تكريساً للتفرقة بين الجنسين، فهو يوصي بتعليم الفتيات ما يفيدهن في أدوارهن الأسرية، بل وعاب على تعليمهن العزف والرقص؛ لأنه يؤدي إلى الانحلال الخلقي، كما يرى أن الولد يعتني بأموره، ونظافته، بينما الفتاة عليها الاعتناء بكل الذكور في أسرتها، والإشراف على طهارتهم كيما يتمكنوا من أداء الفروض الدينية، وأن المرأة الصالحة هي التي تطيع زوجها، وتقبع في منزلها كما أن طاعة الزوج من طاعة الله.

وحول مفاهيم الذكورة والأنوثة، انتقدت الصدة تعريف النديم لماهية الرجولة؛ حيث اتهمته بالانحياز الفكري للرجال، والانحياز الطبقي؛ فهو يعمم سلوكيات نساء الطبقة الوسطى في المدينة، والتي تقبع في منزلها وكأنه سلوك المصريات عموما، بينما ترى الصدة أن الفلاحة أكثر تحرراً من نساء المدينة.

ندعوكم لقراءة الكتاب ذو الصفحات السبع والتسعين بعد المائة من القطع المتوسط؛ للتعرف على الفكر النسوي، والحركة النسوية باعتبارهما وجهان لعملة واحدة، وكيف تقوم النسويات بإعادة قراءة التاريخ، والنصوص الدينية، ولي عنق الآيات، والأحاديث لصالح الأطروحات النسوية.

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


 

[1] تأسس “ملتقى المرأة والذاكرة” في عام ١٩٩٧ كمنظمة مدنية غير هادفة للربح، ومع صدور قانون الجمعيات ٨٤/٢٠٠٢، تم تسجيل مؤسسة المرأة والذاكرة في عام ٢٠٠٣، وتتشكل مؤسسة المرأة والذاكرة من مجموعة من الباحثات والباحثين، نرى أن الصور والأفكار الثقافية السائدة تقف حجر عثرة أمام تطوير أوضاع النساء وحصولهن على حقوقهن. فكان البحث عن شكل رسمي، يتيح لنا الدعوة إلى تبني منظور الجندر (النوع الاجتماعي) في دراسات التاريخ العربي والعلوم الاجتماعية بشكل عام.

http://arabinfomall.bibalex.org/

[2] سبقه مؤتمران تناولا أعمال ملك حنفي ناصف، ونبوية موسى.

[3] وإن كان في رأيي الشخصي أن كثيرون من هؤلاء لووا عنق القديم؛ كي ينسجم مع الحديث سواء بحسن نية إبراء للإسلام من تهمة التخلف، أو بسوء نية.

[4] أنا أرى أن تصنيف عائشة ضمن المجموعة الثانية رغم أنها أدلت بدلوها في قضايا سياسية بقصائد شعرية شهيرة فصل تعسفي، وقد نحى الكاتب هذا المنحى _في ظني_ إنما لتجميل صورتها وعدم وسمها بالخيانة الوطنية؛ لأن آراءها السياسية كانت ضد النضال الوطني، فقد اتهمت عرابي ورفاقه بالزندقة، ودعمت موقف الخديوي توفيق قلباً وقالباً، وهذا ليس بمستغرب فقد كانت الأسرة التيمورية من صنائع أسرة محمد علي.

[5] رغم أن حجابها لم يمنع تتلمذها على يد أساتذة رجال استعان بهم والدها لتعليمها، ولكن يبدو أن نموذج صالون مي زيادة كان هو النموذج الذي تهفو إليه القلوب آنذاك.

[6] ترسخ كاتبات هذا الملتقى (المرأة والذاكرة) بوجه عام على أن الحركة النسوية أصيلة في مجتمعنا العربي وليست تقليداً للغرب، وليست أجندة خارجية، ومن ثم تحاول تتبع نفس التقسيم التاريخي للحركة النسوية الغربية بالموجة النسوية الأولى والثانية.

[7] يسير نهج الكتابة في أوراق الكتاب التحدث إلى القارئ /القارئة، أي عدم الاكتفاء بأن القارئ إنما يحوي ضمناً القارئة، ففي مواضع كثيرة يتم إضافة التاء المربوطة بعد هذا الفاصل/.

[8] “مي زيادة” (1886-1941) مي زيادة أديبة وكاتبة فلسطينية -لبنانية، وُلدت في الناصرة عام 1886، أتقنت مي تسع لغات هي: العربية، والفرنسية، والإنكليزية، والألمانية، الإيطالية، والإسبانية، واللاتينية، واليونانية، والسريانية.
وهي ابنة وحيدة لأب لبناني وأم فلسطينية أرثوذكسية. تلقت دراستها الابتدائية في الناصرة، والثانوية في عين طورة بلبنان عام 1907، انتقلت مع أسرتها للإقامة في القاهرة. ودرست في كلية الآداب وأتقنت اللغة الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية http://www.egywomen.com/، وتعد مفكرة نسوية، كتبت ثلاثة كتب، عبرت خلالها عن موقف سياسي من منظور نسائي، يسعى إلى تدعيم الحركة النسائية من خلال العمل التوثيقي الذي يحفظ الذاكرة الجماعية، ويؤكد استمرارها، وهذه الكتب هي: “ملك حفني ناصف”، و”عائشة تيمور”، و”وردة اليازجي” انظر: هدى الصدة، وعماد أبو غازي، مسيرة المرأة المصرية علامات ومواقف، مراجعة وتقديم: جابر عصفور (القاهرة: المجلس القومي للمرأة، 2000م)، ص80.

وبخلاف صالون “نازلي فاضل” الذي اقتصر على الرجال. وقد كانت تستقبل “مي زيادة” في صالونها كُتَّاباً، ومفكرين من الرجال، والنساء في بيت أبيها بالقاهرة، مكونة بذلك أول صالون أدبي مختلط، انظر:

ما رجو بدران، رائدات الحركة النسوية المصرية والإسلام والوطن، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000م)، ص94، ويعد هذان الصالونان من أشهر الصالونات الأدبية التي أنشأتها نساء، وناقشت من خلالها قضايا المرأة، وكان لها تأثير كبير على فكر بعض الكتاب في مثل هذه القضايا كـ “قاسم أمين”.

والصالونات الأدبية كانت تعبر آنذاك عن فكر متحرر وافد على المجتمع المصري، ابتدعته متحررات، من بيئات وثقافات مخالفة لثقافة المجتمع المصري.

[9] وهو ما أكدته”مي زيادة” نفسها فـي كتابها “ملك حفني ناصف” حينما وصفت نفسها قالت: “أنا فتاة سافرة، تسري علي عادات مجتمع هو أقرب إلى التفرنج منه إلى أية نزعة أخرى، انظر في: مي زيادة، باحثة البادية، مطبعة المقتطف، القاهرة، 1920م، ص32.

[10] أحبها توبة بن الحمير بن عقيل خفاجي وقال فيها الشعر، فزوجها والدها غيره، فعصت أهلها واستمرت في رؤيته، وحين أرادوا قتله أنذرته أكثر من مرة، وحين توفى رثته بأشعار كثيرة.

[11]يؤمن الفكر النسوي الغربي الراديكالي بأن الزواج عبودية، وأن مؤسسة الأسرة بوجه عام سجنا للمرأة تعوقها عن طموحاتها الشخصية، لمزيد من التفاصيل حول هذا الفكر انظر :المثنى أمين الكردستاني، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، دار القلم، ط1، 2004.

[12]موقفهم من محمد عبده وعبد الله النديم وغيرهم من مفكري هذا العصر هو مدح ما يقولونه إذا اتفق في بعض الجوانب مع المنظور النسوي كموقفهم من التعدد، بينما يطلقوا عليهم سهام النقد إذا ما اختلف الرأي.

[13]وسمت خطابه بالحداثة نسبة إلى المجتمع الحديث الوافد من الغرب، في إنكار أن يستند ما يقوله إلى شرع أو عادات وتقاليد المصريين.

[14]مصطلح العام تعنى به العالم الخارجي من سياسة واقتصاد و …، ومصطلح الخاص المقصود به الأسرة.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة (2) من برنامج أمومة..

9 مساءً
جميع الفعاليات