قراءات: استعباد النساء “لمحات نقدية”

 يُعد كتاب استعباد النساء لجون ستيورات ميل من الكتب التي تمثل انعطافات فارقة في الفكر الغربي عامة والفكر النسوي خاصة، كما يعتبر مؤلفه شخصية رئيسة في التقليد الليبرالي[1]، وهو الإنجليزي جون ستيوارت ميل (1806م ـ 1873م).

صدر هذا الكتاب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحديداً عام 1869م، إبان لهاث بلده انجلترا سعياً وراء تحقيق أطماعها في استكمال تأسيس إمبراطوريتها الاستعمارية التي لا تغيب عنها الشمس، ومن ثم صار هذا الكتاب بالتحديد[2] الإنجيل الذي يُبشر به المحتل الإنجليزي شعوب الدول المحتلة، وصار هذا الفكر هو أداته في إخراج العذارى من خدورهن، وتزييف وعيهن بالفردوس الأرضي الذي ينتظرهن، إن هنَ تمردن على أدوارهن الأسرية لينهلن من كأس الحرية المزعومة.

كما ترجم هذا الكتاب وكتب مقدمته رجل له باع طويل _كأستاذ للفلسفة_ في تناول الفكر الغربي وصفاً وتحليلاً، وخاصة حينما يتناوله من المنظورالفلسفي النسوي، حيث يؤكد دوماً في هوامش الكتب التي يقوم بترجمتها على حقيقة اختلاف السياق البيئي الغربي عن مجتمعاتنا، موضحاً موقف الشريعة الإسلامية في بعض النقاط التي يتم طرحها. غير أنه لا يفوته التعبير عن حنقه الشديد على بعض الجوانب من واقع المسلمين اليوم في تعاملهم مع قضايا المرأة، ويحمل عليهم حملة واسعة قد نتفق أو نختلف معه فيها، وهو الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام، وقد ساق في مقدمته الأدلة البالغة على أهمية هذا الكتاب، بل ووضع على غلافه الأخير عبارة “كتاب لا غنى عنه للمرأة العربية” لتكون آخر عبارة تطالعها عين القارئ.

ويُمثل هذا الكتاب الإصدار الخامس في سلسلة كتب ترجمها ذات المترجم معنونة بـ (الفيلسوف والمرأة)، وهو كتاب صغير الحجم إذ لم تتعد صفحاته السبعين بعد المائة، بيد أنه أحدث ثورة هائلة حين صدوره، ولا يزال يمثل الوحي والإلهام لكثير من أطروحات النسوية بجناحيها الرئيسيين الليبرالي منها والراديكالي، ولاسيما فيما يخص الأسرة.

كما تعدت آثاره المستوى النظري التجريدي إلى مستويات تطبيقية ترجمت نفسها تشريعياً وسياسيا ً في إنجلترا ذاتها، فبعد وفاته عام 1873م “اعترف القانون الإنجليزي عام 1882م بحق المرأة المتزوجة في الامتلاك أسوة بزوجها، وخول للأم حق الإشراف على أبنائها أسوة بالأب”[3].

جوهر الكتاب:

يدور الكتاب بالأساس حول فكرة رئيسة حاول ترسيخها في أذهان قرائه، تتمحور حول أن الأسرة هي مدرسة الاستبداد، والعبودية فيها من نصيب المرأة، بينما يلعب الزوج دور السيد المستبد بزوجته، والتي تصير بزواجها منه أدنى منزلةً من العبد.

كما طرح فكرة خطيرة استندت إليها النسوية الجندرية في فلسفة الجندر مفادها أن البيئة هي التي تُشكل المرأة لا طبيعتها البيولوجية، كما سخر كثيراً عبر فصول الكتاب وانتقد ما اعتبره مزاعم غير حقيقية حول “رسالتها الطبيعية”.

لذا يعتبر ميل الشخصية الأبرز في الفكر الليبرالي الذي استوحت منه النسويات الكثير من أفكارهن، فهو برأيهن الذي فتح الباب على مصراعيه “لتحدي صورة المرأة كـ (ملاك في البيت) تلك الصورة التي جعلت النساء (الحارسات للأخلاق الأسرية)”[4].

ومن ثم كان تأثير “ميل” هو الأخطر في تدمير حصن الأسرة في المجتمع الأوروبي، لتخطو المجتمعات غير الأوروبية نفس الخطى في هذا المنحدر بعد أن جرت محاولات عولمة هذا النمط الاجتماعي المدمر على يد نسويات هيئة الأمم المتحدة ووكلائهن.

يتكون كتابه “استعباد النساء” من فصول أربعة، هي “قانون القوة” وحول “أوضاع الزواج”، وحول “عمل المرأة”، والفصل الرابع “تحرير المرأة من قيودها”، وسيتم تحليل أبرز الأفكار التي وردت بالكتاب وكذلك بيان المفاهيم المتضمنة به.

لكن قبل أن نتناول آرائه بالنقد والنقض والتحليل ينبغي الإحاطة بالسياق البيئي والشخصي لحياة “ميل”، ليس من باب التبرير بل من باب التفسير وفهم البواعث التي دفعت به إلى طرح هذه الأفكار الصادمة في كثير من جوانبها.

السياق التاريخي والشخصي للكاتب:

حياته الشخصية:

أكبر عاملين أثرا في فكر جون ستيوارت ميل هما:

  • والده “جيمس ميل” والذي غرس فيه مبكراً كافة أفكار المذاهب الفلسفية السائدة حينذاك من فردية ونفعية وتجريبية، وكان هدف الأب أن يجعل من ابنه عقلية مفكرة ليصبح رسولاً لإنجيل مذهب النفعية، وقد شجعه على الرحيل إلى فرنسا لدراسة أعمال بنتام فيلسوف النفعية الشهير، فنشأ “ميل” منذ حداثته في رحاب المذهب البنثامي في المنفعة، وشب على شدة تعلقه واحترامه لمعتقدات بنثام، مشاركًا أستاذه بنثام في إقرار المنفعة كغاية لسلوك الإنسان ومعياراً للأحكام، وعلق الأخلاقية على نتائج الأفعال دون بواعثها[5].
  • والسيدة “هاريت تايلور” تلك المرأة المتزوجة والتي شغف بها حبا، وكان على علاقة بها طيلة عشرين عاماً، الأمر الذي أسخط حتى المحيطين به، حيث لا يزال بالمجتمع حينها بقايا من التقاليد المحافظة والإرث المسيحي _وكان ساخطاً على هذا الإرث الذي يحول دون طلاقها_ وقد تزوجها عام 1851م بعدما توفي زوجها.

المناخ الفلسفي في عصر “ميل”:

عايش جون ستيوارت ميل المذاهب التي أفرزها عصر التنوير الأوروبي؛ تحدياً للكنيسة ورجالها الذين ناصبوا العداء للعلم والعلماء، حفاظاً على مكتسباتهم الدنيوية، ودفاعاً عن بقايا دين حرفوه عن مواضعه، مقدمين تصورات منحرفة يرفضها العقل، فكان رد الفعل المغالي فيه مذاهب تُعد انقلابا هائلاً على هذه التصورات الكنسية.

وكما يصف بول هازار: “لم يكتف القرن الثامن عشر بالإصلاح وإنما أراد ان يحطم الصليب، وأن يمحو فكرة الاتصال بين الإله والإنسان، أي فكرة الوحي، وأن يقوض الإدراك الديني للحياة”[6].

جاءت هذه المذاهب لتعلن ذوبان الإنسان في هذا العالم المادي، إما خضوعاً له أو توحداً به، في حركة لا تمت لخالق بصلة، ويقول في ذلك د. عبد الوهاب المسيري “فالإنسان/ المادة يتحرك في نظام بلا غاية أو هدف، مكتف بذاته، توجد مقومات حياته وحركته داخله، فمركزه وقوة دفعه كامن فيه”[7].

فجاءت النفعية والمادية والتجريبية لتكون سمات للمجتمع الأوروبي بعد ردته إلى الوثنية الإغريقية واليونانية، يغترف منها حتى الثمالة وينبش قبور مفكريه القدامى، ويُعد المذهب النفعي أبرز مثال يُجسد هذه الردة، فما هو إلا ترديد لتعاليم الفيلسوف اليوناني “أبيقور” (343- 270 ق.م) صاحب مقولة “أن الخير هو اللذيذ … وأي فعل يعتبر خيراً بمقدار ما يحقق لنا من لذة!”، لتسود هذه التعاليم إنجلترا في القرن التاسع عشر على يد مجموعة من الفلاسفة أبرزهم ميل[8]، كما ظهرت النزعة التجريبية بقوة على يده[9]، حيث كل شيء خاضع للتجريب ولا يوجد ما يسمى “الحقيقة المطلقة”، ولا يوجد ما يسمي التأكد المطلق، بل كل شيء خاضع للعقل والنقاش والنقد والمعارضة، بل الإيمان فقط بما تقع عليه الحواس ويخضع للتجريب، والأخطر من ذلك الاستناد إلى الواقع لا إلى المثل العليا في إصدار الأحكام على الأشياء.

وترتبت على ذلك نواتج كارثية منها:

الإغراق في المادية:

إن مذهب “ميل” الحسي لا يعترف بالكيفية، ومن ثم أغرق الإنسان في المادية البحتة فأصبح الرجل الحديث عبدًا للمنفعة، ساعيًا وراء اللذات دون التفكير في الغاية التي يلتمسها من ورائها، ولذا يمكن القول بأن إنسان العصر الحديث “أصبح مفتقرًا تمامًا إلى الإحساس بالقيم، تلك القيم التي تكمن وراء شتى الأشياء، وتضفي عليها كل ما لها من معنى أو دلالة”[10].

التمركز حول الفرد:

 حيث “يستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره، فالناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها، ولا أحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم، فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده، فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا[11].

وهنا يتناقض المذهب مع نفسه، فتسميته بمذهب المنفعة العامة تسمية مراوغة، فالنفع الذاتي والفردية الطافحة هي الأصل في هذا المذهب الحسي، والاختيار بين اللذات متروك لتقدير المنفعة الحسية الفردية فحسب.

تنحية كل المعايير الضابطة لسلوك الإنسان لصالح النفعية:

حيث صارت النفعية هي المعيار الذي نحكم به على صواب أو خطأ فعل ما، ولا يهم شيء سوى ذلك من قبيل مطابقة الفعل للوحي، أو التقاليد، أو الضمير والحس الأخلاقي.

وقد تجلى مذهب “ميل” النفعي على المستوى التطبيقي في انحيازه لطبقته الرأسمالية والعنصرية ضد الفقراء، حيث تصدى للمصلحين في عهده الذين ساندوا الفقراء، ورفعوا الصوت مطالبين بالحد من ساعات العمل رفقا بهم، إلا أن ميل كان يرى أن هذا سيؤدي إلى كثرة الإنجاب من خلال ما أسماه “قوة التكاثر الحيوانية”، مبرراً ذلك بأن إغراقهم في العمل هو الترياق الوحيد للتهور والشهوة، وأن إنجاب الفقراء سوف يخلق أسرابًا من المخلوقات البائسة التي على الأرجح ستصبح فاسدة[12].

وهنا تحضر المقارنة بين هذا الفكر البشري القاصر والفكر الإسلامي الذي يُجسد عظمة الشريعة الإسلامية التي تأخذ بيد هؤلاء الفقراء، فلا تضن عليهم بالطعام والشراب واللباس والمأوى، وإنما تضمن لهم أيضاً الدواء وغيره من الحاجات المادية اللازمة لحفظ الحياة، بل هي أوسع من ذلك بكثير كما هو مفصل في كتب الفقه، انطلاقاً من نظام (على كل غني نفقة)، حيث جعل الإسلام المسئولية في (التكافل) الاجتماعي على الأسرة، فهي المؤسسة الأولى للضمان الاجتماعي لأفرادها في المجتمع المسلم، فإذا لم تف موارد الأسرة يليها صندوق الزكاة، إلى أن تنتقل المسؤولية إلى ولي الأمر أي الدولة، ومسؤولية ولي الأمر في هذا الشأن هي من أسس النظام الإسلامي.

وعلى المستوى التطبيقي نجد “أن مسودات التشريعات القانونية الصادرة آنذاك تذكر وعوداً للأسر الفقيرة في أراضي الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت _القرن التاسع عشر_ بالحصول على دعم من الدولة في حالة إنجاب عدد كبير من الأطفال؛ لأن عدم قبول الوليد وهو هبة من الله يُعد خطيئة، كما أنه مصدر قوة للدولة العثمانية”[13].

مكانة المرأة في عهد ميل:

نشأ “ميل” وقد حلت المرأة محل الرجل في الريف بعد هجرة الرجال إلى المدن للعمل بالمصانع، لتشاركه بعد ذلك ساعات العمل الطوال بالمصنع وبأجر أقل في نفس الظروف القاسية، وبرغم ذلك كانت القوانين ظالمة لها إلى حد كبير، فهي لا تتمتع بحق تملك ما جنته يداها أو ما يؤول إليها من إرث أو هبة.

يقول في ذلك المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت:

“إن الثورة الصناعية أدت بالدرجة الأولى إلى أن تكون المرأة صناعية أيضاً، وهذا لم يكن أحد يحسب له حساباً، فالنساء كن يحصلن على أجور أقل، وكان أرباب العمل يفضلون النساء على الرجال الذين يطالبون بأجور أعلى، قبل قرن من الزمان أصبح عثور الرجل في إنجلترا على عمل أمر صعب، ولكن الإعلانات كانت تطلب من الرجال أن يرسلوا نساءهم وأطفالهم إلى المصانع، وسُن قانون عام 1882م وبموجب هذا القانون بدأت البريطانيات الاحتفاظ بالمال الذي يحصلن عليه، لقد سن أصحاب المصانع الأعضاء في مجلس العموم البريطاني هذا القانون الأخلاقي المسيحي، حتى يتمكنوا من جر النساء إلى المصانع، ومنذ تلك السنوات وحتى ذلك العام فإن الحصول على الربح الذي لا يقاوم قد خلصهن من العمل كعبيد في البيوت، ولكن ورطهن في العمل بالطريقة نفسها في المحلات التجارية والمصانع”[14].

وعلى الصعيد الأسري كانت أوضاع النساء سيئة للغاية في إنجلترا وسائر البلدان الغربية إبان القرن التاسع عشر، فلم تكن قوانين الزواج أكثر إنصافاً لها بل “الحق أن قوانين الزواج في عصر ميل لم تكن منصفة للمرأة على الإطلاق، فهي إذا تزوجت حُرمت من حق التملك، لأن ما تملكه ولو كان قد آل إليها عن طريق الميراث يؤول إلى زوجها، وهي إذا تركت منزل الزوجية لا تستطيع أن تأخذ شيئاً معها، ولا أطفالها، ولا أي شيء مما كانت تملكه، بل لا يسمح لها القانون بالقيام بتجربة الزواج سوى مرة واحدة، ومهما بلغت إساءة استخدام الزوج لسلطته _فضلاً عن خيانته الزوجية لها_ فإن الزوجة في إنجلترا لا تستطيع أن تتخلص من معذبها”[15].

أبرز آراء ميل الواردة في الكتاب:

  • الحملة على الزواج حتى وإن كان الزوج جيداً.

إذ يقول “لا يوجد شيء في هذه الدنيا يستحق التضحية بحرية الفرد، ومن ثم فكل امرأة يعولها زوجها _حتى ولو كانت رعايته لها جيدة_ قد باعت في الواقع حريتها بثمن بخس عندما استبدلت بها الطعام والمأوى، ولا يمكن لأي إنسان حر في أن يفكر في مثل هذه الصفقة دع عنك أن يقبلها، وهي فضلاً عن ذلك لا يمكن أن توجد في مجتمع يوصف بأنه مجتمع حر”[16].

وهنا نلمس بوضوح نظرة ميل المادية للزواج، فهو برأيه صفقة مادية بحتة، وليس ميثاقا غليظا، كما لم ير في الزواج سوى الطعام والمأوى وليس السكن والمودة والرحمة، تلك القيم والمعاني التي ارتقت بالزواج لتعده لدى المسلمين عبادة تعدل نصف الدين؛ لما لها من أثر إيجابي في توازن شخصية المسلم، وقد أحاط الإسلام هذه المؤسسة _لما لها من أهمية_ بإطار تشريعي بالغ الإحكام، حدد فيه حقوق وواجبات كل طرف على أساس من المساواة والتكامل وليس الندية والتماثل “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”.

وما يعتبره “ميل” بيع حرية مقابل الطعام والمأوى يطلق عليه الإسلام مفهوم “قوامة”، والذي يفيد إلزام الرجل بالقيام على شأن المرأة وهذا حقٌ لها، وهي ليست قوامة قَهْر وتسلط، ولكنها مسئولية وجوب وتكليف لرعاية الأسرة وحمايتها وصيانتها، وضمان مصالحها المادية، وكفالتها بالعمل والكسب وتحصيل المال، فنفقة الزوجة _بكل أنواعها بما فيها العلاج_ على زوجها ولو كانت موسرة.

  • إحصان الزوج.

يصف ميل العملية الجنسية بين الزوجين بأحط ألفاظ، تنفيراً منها، في سياق استعراضه لما اعتبره مظاهر عبودية المرأة فيقول: “فمن حقه أن يطالبها وأن يرغمها على أحط وضع للوجود البشري، أعني أن تكون أداة لعملية حيوانية تمارسها ضد رغبتها وميولها”.

وهنا نلمس بوضوح تأثر ميل بالتراث المسيحي المُحرف، ومغالاته في اعتبار الجنس قذارة ودنس حتى في إطار الزواج لمن يبغي المقدس”[17].

  • الرسالة الطبيعية للمرأة.

كي يضع “ميل” المرأة على قدم المساواة مع المرأة حمل على الفطرة واعتبرها تزييف وعي، وقيود تاريخية على المرأة التحرر منها، وأن عليها اقتحام المجال الذكوري، وعدم الالتفات إلى ما يزعمه الرجل حول “الرسالة الطبيعية” للمرأة. ويعج الكتاب بمقترحات ميل حول إفساح المجال للمرأة للنزول للعمل والمشاركة السياسية أسوة بالرجل، انطلاقاً من أفكاره حول “الفردية المستقلة” و “حق الاختيار”، ويدعي ميل معرفته باختيارات النساء ورغباتهن الدفينة، فيقع في خطأ التعميم لمجرد أن المرأة التي كان على صلة بها ترى ذلك، فيقول:

“نحن نفترض أن الرأي العام للرجال هو أن الرسالة الطبيعية للمرأة هي أن تكون زوجة وأم، وأنا أقول (نحن نفترض) لأن المرء يستطيع أن يستنتج أن رأي النساء على النقيض المباشر لذلك تماماً، ويمكن أن نفترض أنهن يعتقدن أن الرسالة الطبيعية المزعومة للنساء هي أكثر شيء تنفر منه طبيعتهن، بمعنى أنه لو تركت لهن الحرية لأية وظيفة أخرى، وإذا وجدت أية وسيلة للعيش، فلن تكون هناك أعداد متبقية منهن يقبلن الوضع الذي يقال عنه أنه رسالتهن الطبيعية”[18].

أي أن النساء حين يرعين أطفالهن وأزواجهن مضطرات لذلك لحاجتهن الشديدة لمن ينفق عليهن، وهذا قمع ومصادرة لحرياتهن!!

ما قول ميل إذن في النساء اللواتي يؤدين نفس المهام رغم ثرائهن وعدم حاجتهن للمال؟ ماذا يقول ميل أيضاً في هذا الحوار الذي دار بين امرأتين من أقطاب النسوية “حينما سئلت «سيمون دي بوفوار» في مقابلة مع «بيتي فريدان»: هل ينبغي أن يكون للمرأة الخيار في أن تبقى في بيتها لتنشئة أطفالها، أجابت: «ينبغي ألا يمنح هذا الخيار للمرأة؛ لأن ذلك لو حصل فإن كثيرًا من النساء سوف يفضلن هذا الخيار”!![19].

وكذلك يحضرنا هنا تساؤل هام، ألم يتحدث ميل وسائر الليبراليين عن الحرية الفردية وحق الاختيار، أليس ممارسة الاختيار الفردي يُحدد كامل نطاق الحرية؟ لماذا تثور ثائرة ميل ومن تبعه عندما تختار المرأة بشكل كبير البقاء في المنزل وإنشاء أسرة، وأن لا تمارس مهنة، وأن لا تشارك في العملية السياسية!!

كتب مايكل فيرغسون في هذا السياق قائلاً أن خيار الحركة النسوية يفهم الحرية على أنها القدرة على صنع الخيارات الفردية، ويفهم القمع على أنه عدم القدرة على الاختيار، بالنتيجة ما دام يمكن للمرأة أن تقول أنها اختارت أمرًا (على سبيل المثال، البقاء في المنزل …) فإنه يمكن اعتباره من قبيل خيار النسوية ليكون تعبيرًا عن تحررهن… بما أن الاختيار هو المعيار الوحيد الذي يُحدد على أساسه إذا كانت المرأة حرة، فإنه يجب أن نمتنع عن الحكم على مضمون الخيارات التي تقوم بها النساء، لأنه لا يمكن لامرأة أن تختار القمع بنفسها”[20].

  • ضرورة شيوع ثقافة جديدة تبشر بأولويات جديدة

يفتح “ميل” الباب على مصراعيه أمام النساء لتغيير جدول أولوياتهن، مطالباً المجتمع بتغيير ثقافته التي تجعل رسالة المرأة الطبيعية هي البيت، مطالباً بشيوع ثقافة جديدة مفادها أن تكوين أسرة ليست هي كل شيء، وإنما هناك غايات أخرى، فيقول:

“إن من يحاول إرغام النساء على الزواج فإنه يغلق جميع الأبواب الأخرى في وجوههن، ويطبق عليها مبدأ (هذا أو لا شيء)”[21].

وهنا يثور تساؤل أية نساء يتحدث عنهن ويعمم أحكامه بشأنهن؟ أهن نساء طبقته أم نساء الطبقات الأخرى؟ أهن النساء الإنجليزيات أم سائر الأوروبيات؟ أهن نساء عصره أم سائر العصور؟ أهن نساء حضارته أم نساء الحضارات الأخرى؟؟

لقد تجاهل “ميل” _في خضم كراهيته لظلم رجال الكنيسة للمرأة، أو ظلم زوج معشوقته لها_ أن ما يُعرف برسالة المرأة الطبيعية من رعاية أطفال، وحنو على زوج، وما خصها الله بها من خصائص نفسية وجسدية ليس تحيزاً ذكورياً، بل إن الله خلق الكائنات الحية، وجعل منها الذكر والأنثى، وأناط كل منهما بوظائف تتناسب مع القدرات والإمكانات وطبيعة الخلقة، والعمل الناجح هو الذي يقوم على التخصص، فعلى الرجل النفقة والكد والعمل لتحصيل الرزق، وعلى المرأة رعاية الأسرة، وتربية الأولاد، والقيام بواجب بيتها.

وعمل كل منهما لا يقل أهمية عن الآخر، وكي تتفرغ المرأة لتنشئة جيل من الأبناء تنشئة اجتماعية ودينية صالحة _تجعل منهم حجر الزاوية الهام في بناء وتنمية المجتمع_ ينبغي أن يؤمن لها الجانب المادي تماماً، فلا تشغل نفسها به، وهنا صار لزاماً على الرجل تأمين هذا الجانب وليس كما يقول “ميل” بيع حريتها مقابل الطعام والمأوى.

  • منشأ فكرة “الجندر” في كتاب “استعباد النساء”

ركزت أغلب تصورات “ميل” على كون الفروق بين الجنسين راجعة إلى التربية وبعض الظروف التاريخية، فيقول:

“لا يجدي شيئاً أن نقول أن طبيعة الجنسين تؤهلهما لوظائفهما، وتجعل هذه الوظائف صالحة لهما … إن ما يسمى (طبيعة النساء) هو شيء مصطنع”[22].

كما استرسل في توضيح سر عدم تمرد النساء على هذه الأوضاع، حيث أرجعه إلى تزييف الرجال وعيهن، الأمر الذي يتطلب من النساء تمرد جماعي لإلغاء هذه الأوضاع فيقول في هذا السياق:

“لقد اجتمعت كل الأسباب الاجتماعية والطبيعية، لتمنع تمرد النساء جماعيًا على سلطة الرجال، ويختلف وضع النساء عن جميع الطبقات الأخرى الخاضعة، إذ أن أسيادهن يريدون منهن ما هو أكثر من الخدمة الفعلية، هم يريدون مشاعرهن وليس طاعتهن فحسب، إن جميع الرجال لا يرغبون أن تكون المرأة المرتبطة والقريبة منهم عبدةً لهم غصبًا عنها، بل أن تكون عبدةً بإرادتها، ولذلك فقد وضع الرجال كل شيء في مكانه المناسب لاستعباد عقولهن” ليصل في نهاية المطاف الى القول بأن “… ينبغي أن لا يكون هناك أوضاع تجعل النساء في حالة خضوع سياسي واجتماعي للرجال”[23].

وكان تداعيات ذلك:

أن لعبت النسويات بالطبيعة البشرية والاعتقاد بإمكان تغييرها، فالمجتمع برأيهن _وليس البيولوجيا_ هو الذي يشطر الجنسين ويُشكل كل منهما، وكما تقول النسوية الأمريكية مارغريت ميد (1901_1978) التي انتقدت عبر دراساتها الميدانية النظرة البيولوجية التي تحدد للإنسان هويته ذكراً أو أنثى، بل المجتمع هو الذي يُشكل هذه الهوية فتقول:

“الطبيعة البشرية مرنة ومطواعة بصورة واضحة، وأنها تخضع بوفاء لما يفرضه عليها الجسم الاجتماعي … إذ أن المجتمع هو الذي يقرر حول طبيعة هذا الانشراط، وتشَكّل شخصية من كل جنس من الجنسين لا تفلت من الخضوع لهذه القاعدة: فهذا التشكيل هو من اختصاص المجتمع الذي يسهر على أن يخضع كل جيل _مذكرا أو مؤنثا_ إلى النمط الذي فرضه هذا المجتمع”[24].

وكذلك كتَبَتْ «كيت ميليت» تقول:

«لا فَرْقَ بين الجنسين عند الولادة، وإنما تتكون الشخصية الجنسية للإنسان بعد أن يُولَد، وهي تُكْتَسَب اكتسابًا»[25].

إن محاولة تجاهل الفروقات البيولوجية بين الرجل والمرأة، وما يترتب عليها من توزيع الأدوار والوظائف الأسرية والاجتماعية، يفتح الباب واسعاً أمام انحرافات خلقية وسلوكيات شاذة مخالفة للفطرة والعقل، نراها بوضوح في المجتمعات التي سمحت ببعض من ذلك.

إن الله خلق الذكر والأنثى، وجعل من كل شيء زوجين لتكامل الحياة واستمرارها؛ حتى يقوم كل نوع بوظيفته التي هيأ الله له وسائلها، وكل معاندة لتنظيم الله في هذا الكون تؤدي إلى خرابه ثم إلى فنائه[26].

  • العلاقة بين الزوج والزوجة أدنى مرتبة من العلاقة بين السيد والعبد:

يقول ميل: “العلاقة بين الزوج وزوجته هي نفسها العلاقة بين السيد الإقطاعي وتابعه، باستثناء أن الزوجة مطلوب منها طاعة غير محدودة أكثر مما كان مطلوباً من التابع”[27].

وفي موضع آخر يقول:

“ليس هناك عبد تصل درجة عبوديته إلى الحد الذي تصل إليه عبودية الزوجة، فمن الصعب أن تجد عبداً يظل عبد اً كل ساعة، وكل دقيقة، بل هو عليه واجبات محددة، وعندما لا يكون في ساعات عمله، فمن حقه في حدود معينة أن يتصرف في وقته كما يشاء، وفضلاً عن ذلك فإن له أسرة وحياة عائلية نادراً ما يتدخل فيها السيد”[28].

ويؤكد على ذات الفكرة في فصله الأخير من الكتاب “… فالزواج هو بالفعل حالة العبودية الوحيدة التي يعرفها القانون الإنجليزي، فلم يعد هناك من الناحية القانونية، عبيد سوى ربة كل منزل”[29].

وللرد على هذه المقولات ينبغي الإحاطة بهذه النقاط الثلاث:

الأولى: أن تصوير ميل للعلاقة بين الزوج وزوجته بالعبودية إنما يرجع إلى كونها هي الصورة الوحيدة للزواج في أوروبا المسيحية في ذلك الوقت، حيث كانت الزوجة تخضع لزوجها بكل ما لديها من متاع وأملاك مادية.

كما يقول: “كان للوالد السلطة في التصرف في ابنته … وكان من المستحيل عملياً أن ترفض الإذعان إذا أصر والدها على زوج اختاره لها، اللهم إلا إذا نالت حماية الدين ونذرت نفسها لدخول الدير، وكانت للرجل قديماً قبل المسيحية سلطة الحياة والموت على زوجته، ولم يكن في وسعها أن تلجأ إلى القانون ليحميها منه، فقد كان هو قاضيها وقانونها وظل في وسعه _لعهود طويلة_ أن ينبذها، أما هي فلم يكن لها أية حقوق تجاهه. وكانت القوانين في إنجلترا تُطلق على الزوج لقب “سيد” زوجته، وكان يُنظر إليها على أنه سيدها بالمعنى الحرفي للكلمة … إن الحضارة والديانة المسيحية أعادتا للنساء حقوقهن العادلة، وفي الوقت نفسه ظلت الزوجة بالفعل خادمة أقرب إلى الأمة أو الجارية لزوجها، فهي تتعهد أمام المذبح بطاعة زوجها طوال حياتها، ويلزمها القانون بتنفيذ تعهدها مادامت حية ترزق، ليس في استطاعتها أن تحصل على ملكية شيء إلا من أجله، وفي اللحظة التي يصبح فيها شيء ما ملكاً لها، ولو حتى بالميراث، فإنه يصير ملكه هو في الحال، ويُعد وضع الزوجة في ظل القانون العام في إنجلترا أسوأ من وضع الرقيق والجواري، فقد كان من حق العبد في القانون الروماني الاحتفاظ بما يحصل عليه من هبات، ويضمن له القانون _على حد ما_ حقه في أن ينفقها على نفسه، أما في إنجلترا فإن الزوج يستولي على حقوق الزوجة بكاملها، وكذلك ممتلكاته وحريتها، ويكون استيلاؤه عليها تماماً، ولهذا يُطلق على الاثنين (الزوج والزوجة) مصطلح (شخص واحد في القانون)، بمعنى أن كل ما تملكه الزوجة يصبح ماله، لكن كل ما يملكه لا يصبح مالها، فالقاعدة لا تطبق ضد الرجل”[30].

الثانية: أنه على النقيض من ذلك تماماً في الممالك الإسلامية حينها، فقد كان البون شاسعاً بين الوضع الاجتماعي والقانوني للغربيات في عصر ميل ومن سبقوه، ونظيراتهن المسلمات، سواء على مقربة منهن في أراضي الدولة العثمانية، أو على الجانب الآخر من المتوسط، وتشهد أوقاف النساء في الشام ومصر والعراق _على سبيل المثال لا الحصر_ بالمكانة التي حظيت بها المرأة ابنة وزوجة وأماً، ومدى تمتعهن بالشخصية القانونية المستقلة في ذلك الوقت، وكيف أنهن لم يغبن عن الحياة، بل شاركن بقوة في بناء مجتمعاتهن[31].

الثالثة: بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين الزوجين في الشريعة الإسلامية نجد الوضع مغاير تماماً للتصورات الكنسية المحرفة، والتي أفضت إلى ظلم المرأة واستعبادها، فالمرأة _في الشريعة الإسلامية_ لها كامل الحق في اختيار زوجها في حدود قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه …” رواه ابن ماجه، وفي عدم اختيار البقاء معه _إذا لم تستقم الحياة الزوجية_ والنصوص الصحيحة الواردة في تقرير هذا الأمر كثيرة، وواضحة الدلالة، ويجب أن يرد إليها كل اختلاف واجتهاد في الأحكام[32].

كما أن الشريعة لم تجعل من الزوج الخصم والحكم في آن واحد قال الله تعالى: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” [النساء: 35]، قال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتَشَوَّفَ الشارع إلى التوفيق ولهذا قال تعالى: “إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا”[33]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ»[حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود].

كما نصت الشريعة على ما يحقق التوازن بين حقوق وواجبات كل من الزوجين وفق الأصول والضوابط الشرعية، فلكلٍّ من الزوجين حقٌّ يجب أن يصل إليه من الطرف الآخر، وعليه واجب يجب أن يُؤَدِّيَهُ في المقابل: هذا هو العدل، قال الله تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ”[البقرة: 228]، كما ضمنت الشريعة حقوق المرأة عند الرغبة في إنهاء رابطة الزوجية، وكذلك وضعت أحكاماً تضمن ضم المرأة لأطفالها في حال الطلاق، فهي أحق بحضانة أطفالها، والقيام على تنشئتهم، وتربيتهم، وقضاء حاجاتهم الحيوية والنفسية، ثم من تليها وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن تأخذ من مطلقها نفقة من تحضنهم من أولاده منها، بما يتناسب مع كسبه[34].

  • مغالطة ميل للواقع

دافع ميل بضراوة حول ضرورة إفساح المجال أمام النساء للمشاركة السياسية، واستشهد بنماذج تاريخية لنساء حكمن ممالك في بريطانيا وفرنسا، وكيف اتسمن بالحكمة، وأضفين من ميل الأنثى للسلام على السياسة الخارجية فيقول “ظهر أثر النساء بدرجة كبيرة في خاصيتين تميزت بهما الحياة الأوروبية الحديثة هما: النفور من الحرب، والاتجاه نحو الأعمال الخيرية”، وتجاهل ميل عن عمد الإشارة إلى النموذج الأوضح في عصره وهو نموذج الملكة “فيكتوريا”، والذي اتسم عهدها بكثرة الحروب التي خاضتها الإمبراطورية البريطانية مثل حرب القرم (1854(1856-  ضد روسيا التي كانت منافسة لها إزاء الإمبراطورية العثمانية، وشهدت الفترة نفسها مطالبة الهند بالحرية والحد من التدخل الإنجليزي السافر في شأنها عام 1857، فكان موقف الملكة فيكتوريا _المحبة للسلام والحرية التي تشدق بها ميل_ أن ضمت الهند إليها وحكمتها حكماً مباشراً، كما خاضت بريطـانيـا حـربـي البـويـر في جنوبي إفريقيا الأولى في عامي 1880-1881”[35].

الخلاصة:

من يطالع الكتاب لن يعييه الأمر كثيراً أن يلاحظ عدم إنصاف ميل في مناقشته لاستعباد النساء، إذ لم ير إلا بعين واحدة، وتجاهل إعمال العين الثانية لترى استعباد النساء في الخارج من أجل لقمة العيش، حيث فرضت الظروف عليهن حينها أن يعملن كي يجدن قوت يومهن، ومنهن من كانت تترك أولادها في ملاجئ الكنيسة حتى تتحسن أحوالها ويكون بمقدورها الإنفاق عليهن، لكن ميل لم يصب جام سخطه إلا على أوضاع المرأة داخل الأسرة، واستعباد الزوج لزوجته، مطلقاً عليه “استعباد النساء” ولم يُشر _رغم أن الكتاب تناول بإسهاب الحث على مشاركة المرأة في المجتمع في كافة المجالات_ من قريب أو بعيد إلى صور العبودية الحقة وليست المجازية للنساء في المصانع والحقول ودور الدعارة، في تجاهل تام لصرخات نساء عصره التي كانت تملاْ الآفاق من مظالم الإقطاعيين والرأسماليين أصحاب المصانع وأفراد الطبقة التي ينتمي إليها ميل، وإنما جل همه انحصر في الدين والقوانين التي تمنع تواصله بمعشوقته المتزوجة، واستحالة مفارقتها زوجها إلا بموته، وسيرة حياتها الكئيبة مع هذا الزوج الفظ غليظ القلب.

إن ميل ظلم المرأة حين ظن أنه ينصفها، فقد اتخذ _في مطالبته بالمساواة في الحقوق من الرجال_ خطه التوجيهي، زاعماً للمرأة أنها بتمردها على أدوارها الأنثوية والتحرر من الأسرة ومزاحمتها للرجال في الخارج سوف تبلغ “مكانة الرجل”، ومن ثم تتساوى معهن، وهذا ما بات في حد ذاته عُرضة للنقد، حتى من جانب النسويات أنفسهن، اللواتي طالبت الكثيرات منهن بأحقيتهن في التمسك بمزايا التمايز بين الذكور والإناث.

تقول المؤرخة القانونية النسوية يوت جيرهارد، “أن المساواة تبقى ضرورية كمعيار للعدل والتمتع بحقوق متساوية، بألا تفترض الاندماج في وضع الرجال ونمط حياتهم، إن افتراض أن مبدأ المساواة هو مركزية ذكورية لا ينظر إلى النساء إلا إذا أخفين وضعهن الخاص هو افتراض يقوم على سوء فهم لمعنى المساواة في الحقوق.

إن المساواة “مفهومًا علائقيًا”، يُعَبِر عن وجود علاقة بين كائنين، ويُفترض أن الكائنات المقارنة تختلف عن بعضها البعض، خلاف ذلك، قد يُعتبر مبدأ المساواة مُنافٍ للعقل، إن المساواة المطلقة قد تعني الهوية إذا كان للمرء أن يُثبت هذا رياضيًا، قد تكون صيغة الهوية تعني أ = أ، في حين أن المساواة قد تعني أ = ب”[36].

بقي أن نذكر أن ميل رغم انجذابه الشديد لجذور الفكر الغربي اليوناني والإغريقي شأنه شأن كل فلاسفة عصر التنوير الأوروبي ومن تبعهم، ويبدو هذا جلياً في استشهاداته واقتباساته في متن الكتاب، إلا أنه غازل رجال الدين المسيحي واليهودي في ثنايا الكتاب، إلا أن الغريب حقاً تحامله الشديد على الإسلام، إذ يقول جاهلاً بالإسلام محتقراً له:

“القول بأن المسيحية تتجه نحو المحافظة على الصورة القائمة للحكم والمجتمع وحمايتهما من التغير، يعني الانحطاط بمستواها، وردَها إلى مستوى الإسلام والبرهمية. مع أن المسيحية لم يقصد بها ذلك، ولهذا السبب وحده كانت ديانة الجزء التقدمي من البشر، في حين كانت البرهمية والإسلام أديان الأجزاء الجامدة، أو بالأحرى الأجزاء المنهارة لأنه لا توجد مجتمعات جامدة. لقد كان هناك في جميع العصور المسيحية الكثير من الناس الذين حاولوا أن يجعلوا المسيحية على هذا القدر من الجمود، كما أرادوا تحويلنا إلى نوع من المسلمين المسيحيين وتحويل الكتاب المقدس إلى قرآن، وبذلوا جهودا مضنية لتحريم كل إصلاح”[37].

ونحن لا يعنينا أن ننال ثناء “ميل” أو غيره، لكن نورد ما ذكره الكاتب لنرى كيف يكون التحامل على الإسلام ممن جهله، وكي نوضح أمام النسويات من أي معين يستقين فكرهن، ولاسيما أن الكثيرات منهن في بلاد الإسلام يعين جيداً خطأ “ميل” فيما ذهب إليه في اتهامه الإسلام بالجمود العقلي، فالرسالة المحمدية تحديداً هي التي انتهى بها عهد الخوارق المادية وبدأ بها عهد المعجزات العقلية.

كما أن تقدير الإسلام لفكر الإنسان وحريته بلغ حد اعتبار التفكير فريضة، وكثيرة هي الآيات التي تحرض الناس على التفكير، وحرية الرأي، وترشيد العقل، وعدم إذهابه بالمسكرات، أو التقليد والسير على رأي عامة الناس، أو اتباع الآباء والأجداد.

وفي الختام أدعوكم لقراءة هذا الكتاب، وتصفح أوراقه البالغ عددها خمسة بعد المائتين، عبر فصول تسعة، تسرد الكثير من الآراء، منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، وانتقادنا لبعض الآراء لا ينفي وجود آراء لها وجاهتها، لكن تم التعتيم النسوي عليها لأنها لا تخدم النزعة الراديكالية التي تفضي بخروج المرأة للعمل في كل الأحوال، فانا أميل إلى استحسان رأي ميل باشتراك النساء في المجال العام بعد انتهاء فترة الإنجاب وأداء رسالتها الطبيعية على الوجه الأكمل، فيقول:

“ماذا يحدث مع النساء اللاتي فقدن أبناءهن سواء بالموت أو السفر، وبعد الشقة بينهم، أو شبوا عن الطوق وتزوجوا، وشكلوا لأنفسهم أسراً خاصة بهم؟! … ليس هناك من يفكر لنساء مخلصات جديرات بالاحترام، وفين بأمانة ما قيل لهن أنه دينهن للمجتمع بعد أن أشرفن على تربية أسرة شريفة صارت نساء ورجالاً ناضجين، وقامت برعاية شئون بيتها مادام هناك بيت يحتاج إلى رعاية”[38].

فهذا الرأي يتفق مع الشريعة الإسلامية التي تبني على مفهوم الاستجابة للطبيعة، وكما يقول د. عبد الحميد أبو سليمان “الرجل له دور واحد هو أن يعمل، فإذا لم يستطع القيام بهذا الدور فلا معنى لحياته، أما المرأة فلها دوران يتكاملان، وكلاهما أساسي، هما الأمومة وعضوية المجتمع، إلا أن المرأة تستطيع القيام بالدور الأول في الفترة من عمرها التي تتراوح بين سن 20 إلى 45 عاماً، لأنها فترة الخصوبة والإنجاب وتربية الأطفال، ويجب أن تكون الأولوية لهذا الدور، وأن يقوم النظام الاجتماعي بتوفير كافة الأسباب لقيامها بهذا الدور على الوجه الأكمل، وإذا زاد لديها من الطاقة ما يسمح لها بالقيام بعمل آخر فبه ونعم، لكن يظل على سبيل الاستثناء وليس القاعدة، ولنعتبر أن فترة الأمومة هي فترة لاكتساب الخبرة”[39].

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  تبلور الفكر الليبرالي على يد أكثر من مفكر في أزمنة مختلفة وأمكنة متعددة، غير أن أبرزهم على الإطلاق “جون استيوارت ميل” كامتداد لمن سبقه أمثال مواطنه الإنجليزي “جون لوك” أو “جان جاك روسو” الفرنسي، ومن عاصروه أمثال “جيرمي بنثام” وأليكسيس دي توكفيل.

والليبرالية مفهوم غامض وتعريب لكلمة  (Liberalism)وهي تعني “التحررية”، وتعرفها الموسوعة الأمريكية الأكاديمية “الليبرالية هي فلسفة سياسية تركز على الحرية الفردية”. لمزيد من التفاصيل انظر:

 صالح بن محمد بن عمر الدميجي، موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين، رسالة دكتوراه، الرياض: مجلة البيان، 1433هـ، ص45:53.

[2]  للمؤلف كتاب آخر في نفس شهرة هذا الكتاب معنون بـ “الحرية” عام 1859، ومع هذا لم يبشر به المحتل الإنجليزي شعوب المستعمرات، بل ركز على الكتاب الذي بأيدينا.

[3] جون استيوارت ميل، استعباد النساء، ترجمة وتعليق وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، سلسلة الفيلسوف والمرأة(5)، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1998، ص17.

[4] ليندا إم. جي. زيريللي، النقد النسوي لليبرالية، ترجمة سنية نمر ياسين،http://cutt.us/vFBZe

[5] بنثام فيلسوف فرنسي أسس مذهب المنفعة، ويرى أن الناس بطبائعهم يسعون وراء اللذة كالحيوانات تمامًا، لمزيد من التفاصيل انظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص 332- 333 في: http://cutt.us/tdh0W

[6] بول هازار، الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، ترجمة محمد غلاب، مصر: دار الحداثة للنشر، ص2.

[7] عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1427هـ – 2006، الطبعة الأولى، ص17.

[8]  توفيق الطويل، الفلسفة الخلقية نشأتها وتطورها، القاهرة، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، 1959، ص 96-97.

[9]  المرجع السابق، ص287.

[10]  زكريا إبراهيم، المشكلة الأخلاقية، في: مصطفى حلمي، المنفعة العامة كأحد المذاهب الأخلاقية في الفلسفة الحديثة، http://www.alukah.net/sharia/0/44004/

[11]  هبة رؤوف عزت، الليبرالية.. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال؟

[12]  http://cutt.us/vFBZe

[13]  النساء في العالم العثماني: منتصف القرن الثامن عشر إلى أوائل القرن العشرين،http://cutt.us/WjWx7

[14] ويل ديورانت، مباهج الفلسفة، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1955، ص151.

[15]جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص16.

[16]  المرجع السابق، ص14،15.

[17]  لمزيد من التفاصيل حول موقف الكنيسة الأوروبية من الجسد انظر: فيليب كامبي، العشق الجنسي والمقدس، دمشق، 1995، بتصرف، ص162-164، في: إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، بيروت: دار الساقي، 2003.

[18]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص 68، 69.

[19]  Kate Millet, Sexual Politics. Avon Books: N.Y., 1971, p.92.

[20]  ليندا إم. جي. زيريللي، مرجع سبق ذكره.

[21]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص69-70.

[22]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص61.

[23]  المرجع السابق، ص55.

[24]  “الطبيعة والثقافة”، دفاتر فلسفية، نصوص مختارة 2، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، المغرب: دار تبقال للطباعة والنشر، 1991، ص 52-53.

[25]  Kate Millet, Sexual Politics. Avon Books: N.Y., 1971, p.54.

[26] موقع اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، فتوى مجمع البحوث، http://cutt.us/xShLr.

[27]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره ، ص146.

[28]  المرجع السابق، ص75.

[29]  المرجع السابق، ص144.

[30]  جون استيوارت ميل، استعباد النساء، مرجع سبق ذكره، ص 73: 77.

[31]  كانت النساء تتصرف في أموالهن كما تشاء، بل كانت توصي ببناء المدارس والمساجد والمبرات والبيمارسانات (المستشفيات)، وتخصص أوقافاً للإنفاق على هذه الأعمال، بل كان من الأوقاف الزوايا والأربطة التي بنتها النساء للنساء الأرامل والمطلقات ومن لامعيل لهن، فيقمن في الرباط، ويقدم لهن الوجبات، وتقوم على خدمتهن خادمة الرباط حتى يُحل أمرهن بالزواج، وتُعين نساء فقيهات لوعظهن يأخذن رواتبهن من الوقف، وكذلك بناء المكاتب لأبناء الفقراء، ويقدم بها الطعام والملابس، ويعين بها مؤدبين يعلمون أيتام المسلمين القرآن، لمزيد من التفاصيل انظر: آمنة محمود سليمان الرواشدة، حيوات المرأة في الدولة المملوكية في مصر والشام (1250- 1517م)، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، 1997م- 1417هـ، ص75:77.

 أيضاً حول حيوات النساء في الدولة العثمانية، انظر: http://cutt.us/8DCLa

[32] إبراهيم الناصر، وثيقة: حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام، الرياض: مركز باحثات لدراسات المرأة.

[33]  تفسير ابن كثير، ج1، ص(496-497).

[34]  لمزيد من التفاصيل، انظر: ميثاق الأسرة في الإسلام، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، ط4، 1432هـ – 2011م.

[35]  http://cutt.us/uSgVR

[36]  ليندا جي، مرجع سبق ذكره.

[37]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص 20، 21.

[38]  جون استيوارت ميل، مرجع سبق ذكره، ص166.

[39]  عبد الحميد أبو سليمان، قضايا المرأة – المشكلة والحل: رؤية حضارية معاصرة، ضمن آخرون في:

مراجعة في خطابات معاصرة حول المرأة، تحرير أماني صالح، مركز الدراسات المعرفية وبرنامج حوار الحضارات، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2007، ص25.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات