مقالات: انتصار الحب؟ أم على خطى سدوم؟

     بفارق صوت واحد، أصدرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة قرارًا يسمح بزواج الشواذ، يوم الجمعة 26 يونيو الماضي، حيث صوّت خمسة قضاة للقرار، مقابل رفض أربعة قضاة، وقد سارع الرئيس الأمريكي باراك أوباما للإعلان عن هذا القرار، والذي وُصف بالتاريخي!

فما حيثيات هذا القرار؟ ولماذا هذا الاهتمام العالمي بالشواذ؟

   بدايةً لم تعرف البشرية هذه الفاحشة إلا في قوم لوط، كما أنبأنا بذلك الكتاب العزيز: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ}، وبعد إهلاكهم، لم تُجمع أمة على قبوله، خلا ما كان يتداوله فلاسفة الإغريق، بل كان هذا الأمر مستهجنًا لدى شعوب الأرض قاطبة.

  ولكن (في نهاية القرن 19 م وبداية القرن 20 م بدأت تتغير النظرة نحو الشذوذ الجنسي، حيث حذفت كلمة إثم أو ذنب أو جريمة من القواميس الطبية والقانونية والاجتماعية والنفسية، ووضع مكانها لفظ “مرض” أو “اختلالات جينية وراثية” بحثاً عن التبرير، وسعياً نحو القبول الاجتماعي لمثل هذه الممارسات الشاذة.

  وفي عام 1973 م ألغت الجمعية الأمريكية للطب النفسي APA الشذوذ الجنسي من قائمة الأمراض العقلية، والاضطرابات النفسية، بضغط وتأييد من عدد من الجماعات) [1].

  وفي 17مايو 1990م ألغته منظمة الصحة من قائمة الأمراض العقلية، في دليل الأمراض ICD_10 وصار هذا اليوم يومًا عالميًّا لمناهضة “رهاب المثلية” لاحظوا التسمية!

  وللحديث عن طبوغرافية الشذوذ مع الأمم المتحدة، تسرد الدكتورة صباح الخشيني، أبرز المؤتمرات الأممية في هذا الصدد:

– مؤتمر السكان والتنمية الذي عُقد في القاهرة عام 1994م، حيث حفلت الوثائق الأساسية للمؤتمر بمصطلحات ملغومة غير واضحة المعالم، ومبهمة المعاني، لا يمكن تحديد معانيها بدقة إلا من خلال القائمين على المؤتمر، والعودة للنص الإنجليزي الأصلي للوثائق، مثل كلمة الصحة الإنجابية و”الاختيارات الإنجابية “، ومعناه حرية الإجهاض كخيار إنجابي تتمتع به المرأة دون عوائق. وكذلك مصطلح “الحقوق الجنسية” وكلمة المتحدين والمتعايشين (Gouple) ومعناها حرية الشخص في الممارسة الجنسية حتى مع شخص من نفس الجنس “اللواط”، بمعنى أن الوثيقة أرادت إقرار حقوق “اللواطيين والسحاقيات” واعتبارهم أشخاصاً طبيعيين، يمارسون حريتهم الجنسية خارج الإطار التقليدي، أو النمطي، الذي فرضه المجتمع وهو نطاق الأسرة “الأب والأم” تحت مظلة الزواج!!

– المؤتمر الدولي الرابع للمرأة، والذي عُقد في بكين 1995م، ويعدُّ من أهم المؤتمرات النسوية، وفيه خرجت أكبر تظاهرة مؤتمرية نسوية مكونة من “7000 امرأة” تنادي بحقوق السحاقيات أو الشواذ، وتعتبر وثيقة بكين هي قاعدة العمل لمخططات صندوق السكان، وقرارات المؤتمرات السابقة، وخاصة مؤتمر القاهرة، وقاعدة التحرك الهامة لمخططات النسوية النوعية.

    وكان من أكبر المفاجآت في هذا المؤتمر ظهور عبارة التوجه الجنسي (Sexual Orientation) التي تفيد حرية الحياة غير النمطية، كحق من حقوق الإنسان في نص المادة 226 في وثيقة بكين.

 وكنتيجة لاعتراض كثير من الدول، منها الدول الإسلامية ودول جنوب أمريكا اللاتينية الكاثوليكية، وحتى الكنيسة الكاثوليكية وغيرها، كالصين على هذا المصطلح، تم حذفه من وثيقة بكين، والتي تعتبر أول وثيقة، ومؤتمرها أول مؤتمر يدرج هذا المصطلح في أجندة أعماله.

ولم تكتفِ الوثيقة بذلك، بل جاءت بمفاجأة ثانية، وهي مصطلح الجندر “GENDER” والذي تكرر في إعلان بكين 254 مرة _خلافاً لمؤتمر القاهرة الذي تكرر فيه مصطلح الجندر 51 مرة فقط، وتم تعريفه بأنه “نوع الجنس” من حيث الذكورة والأنوثة، فلم يثر أي نزاع لانتهاء الأمر بالتعريف_ ولكن في مؤتمر بكين ظهر المصطلح كلغم قابل للانفجار بما لا تحمد عُقباه، فطالبت وفود كثير من الدول المحافظة بتعريف الجندر، وعُرف بأنه لا يخرج عن المعنى اللغوي المعروف.

 هذا، وقد خرج مؤتمر بكين بتوصيات تفيد أن للأسرة أنواعاً وأنماطاً تختلف بحسب المجتمع حيث أقر بوجود 6 أنماط للأسرة حسب الوسط الاجتماعي!

–   مؤتمر اسطنبول للمستوطنات البشرية في تركيا عام 1996م بعد مؤتمر بكين بعام واحد، وقد تجدد الصراع حول الأسرة بين حفنة الشواذ التي تقود المؤتمرات، وبين دول العالم المحافظة.

وكانت الأسرة هي موضوع الصراع بين كونها خلية اجتماعية يجب تدعيمها، أم أنها الإطار التقليدي الذي يجب الانفكاك منه، واستحداث مفهوم جديد للأسرة، وتزعمت كندا ودول الاتحاد الأوربي الدول التي تطالب بضرورة استحداث أطوار أو أنماط جديدة لـ “الأسرة” (Different Forms of the Family) ووقفت الصين ودول عدم الانحياز ضد هذا الأمر، وكان الحل الوسط تبني النص المقارب لإعلان القاهرة، الذي يتضمن الإشارة إلى الزوج والزوجة، مع الإبقاء على تعدد الأنماط والأنواع للأسر، وترك اللفظ على عمومه وغموضه، إرضاء للجماعات التي تطالب باستحداث زواج بين الجنس الواحد!!

–   مؤتمر روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، الذي عقد في عام 1998م، وإمعانًا في الاعتراف بالشواذ، حاول المؤتمرون إصدار توصيات مُلزمة على المستوى الدولي، بتجريم القوانين التي تعاقب على الشذوذ الجنسي أو “المضادة للشذوذ الجنسي” إذ أوردت الدول الغربية في النص ما معناه أن كل تفرقة أو عقاب على أساس “الجندر” تشكل جريمة ضد الإنسانية‍‍!!

ورفضت وفود الدول العربية والإسلامية مفهوم الجندر، وطالبت بحذف هذا المفهوم أو تعريفه، ليتسنى لهم الحكم عليه، وبعد خلاف استمر أيامًا، اعترفت الدول الغربية بأنها تعني بالجندر عدم الحياة النمطية للنوع الواحد، وبالتالي إذا مارس أحدهم الشذوذ الجنسي، فعوقب بناءً على القانون الداخلي للدولة، كان القاضي مجرماً بحق الإنسانية، لأنه عاقب الشاذ بسبب سلوكه الجنسي، الذي من حق الشاذ أن يتمتع به، وأن يبدله تبعاً لأهوائه ‍!!‍‍

–  مؤتمر الشباب في براغ 1998م، وفيه تمكنت المنظمات الدولية من إدخال عبارة “مرض الخوف من الحياة الجنسية المثلية”.

– مؤتمر لاهاي للتنمية والسكان في هولندا 1999م، وقد تبنى المؤتمر وبكل وقاحة أطروحات جماعات الشواذ والمنحلين، والاستحواذ على فعالياته وتوصياته.

– مؤتمر التمكن والإنصاف في صنعاء عام1999م، ويُعدُّ أحد مؤتمرات السلسلة المعروفة بمؤتمرات المرأة، ولكن ما يميز هذا المؤتمر عن غيره أنه ركز على كلمة الجندر في أغلب الأوراق المقدمة إليه، وصارت هي الكلمة الأساسية للتخاطب بين المؤتمرين، رغم أن الكثير منهم لا يعرف ما ترمي إليه الكلمة، ولا المعنى الحقيقي لها، وحفل بها كذلك التقرير الختامي، الذي لم تتح فرصة قراءته من قبل المشاركين[2].

ولئن كانت الأمم المتحدة فيما مضى تطرح في اتفاقياتها مما لا تقبل به الشعوب من إفساد بخفاء، فإنها في العقدين الأخيرين صارت تعمد لطرحه بشكل مكشوف!

ففي عام 2010 م أبدى بان كي مون استياءه من التمييز على أساس الهوية الجندرية، وقال لن يصمت حيال معاقبة الشواذ في الدول! [3].

وفي عام 2013م يؤكد بان كي مون أن الثقافة، والدين، والتقاليد لا يمكن أبدا أن تبرر الحرمان من الحقوق “يقصد حقوق الشواذ” [4].

وإثر إعلان القرار، جدّد بان كي مون ترحيبه بقرار الولايات المتحدة لإقرار زواج الشواذ.

من جانبه، طالب الأمير الأردني زيد رعد الحسين _بصفته المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة_ بحماية “الشواذ” جنسيا في العالم، ومنع أي طريقة لعلاجهم _باعتباره مرضا_ [5].

لم تكن الولايات المتحدة الأولى في تقنين زواج الشواذ، فقد سبقتها عدة دول، إلا أنها بهذا الفعل أعطت دفعة كبيرة، للمعركة التي تدور رحاها في أروقة الأمم المتحدة، لفرض قبول الشذوذ على العالم، بل والاعتراف بحقوقهم واحترامها! باعتبارها حقًا من حقوق الإنسان العالمية لا يقبل التفاوض، وهذه الحقوق يجب أن تتحطم أمامها كل الحواجز، دينية كانت، أم أعرافًا اجتماعية، أم مبادئ أخلاقية، بحيث تهيمن هذه الحقوق على سائر الموروثات الثقافية، وتكون القطب الذي يجسد الإنسان العالمي المتحضر!

 أما الإعلام الذي كان _ولا يزال_ “بيضة القبّان” فهو الذي سهّل تمرير هذا القانون في الولايات المتحدة، ومهّد السبيل لتقبّله، بطرقه المستمر والحثيث لهذا الموضوع، في شتى وسائله المختلفة، ففي الآونة الأخيرة، أضاف تطبيق “آبل” في تحديثه أيقونات جديدة، ذات دلالات جنسية شاذة، مثل طفل بين رجلين، أو امرأتين!

كما أن رئيس شركة آبل نفسه، اعترف بأنه شاذ جنسيًا!

وفور إعلان الخبر، احتفلت كبريات الشركات الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي بالقرار، وتماهت شعارات تويتر، وفيس بوك، ويوتيوب، بألوان الطيف _الرمز العالمي للشواذ_ وكذلك الشركات التي توصف بعابرة القارات، كستار بكس، وسنكرس، وديزني، … إلخ، كما قام تطبيق سناب شات بنقل احتفالات الشواذ، واصطبغت واجهة البيض الأبيض بالألوان الستة!

 ودُشن هاشتاق في تويتر بمسمى: “الحب ينتصر” نقل غثاء القوم وحثالتهم.

ما حدث قد حدث، ولا جدوى من الجدل البيزنطي الآن، فوراء الأكمة ما وراءها، وستفتل الأمم المتحدة في الذروة والغارب للاعتراف بالشواذ _إن طوعًا وإن كرهًا_ وستتوالى الدراسات التي تزعم أن الشذوذ جينٌ من جينات الكائن البشري، لا مندوحة من قبوله واحتوائه، وأن الطفل الذي ينشأ بين “أبوين” شاذين، سيعيش حياته الطبيعية، كطفل يحيا مع أسرته الطبيعية!

ختامًا:

ما هو حجم الازدهار المتلفع بالبؤس الذي سيشهده سوق استئجار الأرحام؟!

وما الطفرة العالمية التي ستقفز إليها بنوك النطف نتيجة لهذا السُعار الجنسي؟!

أين حقوق المرأة التي تبذل رحمها _لقاء حفنة من المال تقتات به أسرتها الجائعة_ لتُغرس فيه نطفة لا تدري مصدرها، ثم تكابد اضطرابات الوحم، وآلام الحمل، وهنًا على وهن، ليأتي أناس يدّعون الحضارة، ويتلقفوا المولود الذي تغذى بدم قلبها، تسعة أشهر كاملة؟!!

وأين حقوق الطفل الذي ذُبحت إنسانيته على أعتاب حضارة القرن الواحد والعشرين أباه مجرد ماءٍ في شريحة مختبرية، محفوظة في بنك بنى ثروته، على حساب بشريته!

وأمه البيولوجية تعاني الأمرين، ثم يُنشأ في ظل “شاذيْن” ارتضيا لنفسيهما أن يعيشا دون رتبة البهيمية!

هل كانت البشرية _التي تواطأت على استبشاع هذه الفاحشة_ نوعًا من الكائنات المستأنسة، حتى يأتي الغرب ويعلمها حقوق الإنسان؟

هل انتهت مشاكل العالم، لتأتي الأمم المتحدة بقضها وقضيضها، وتنادي بـ “حقوق” للشواذ؟

هل سيشهد التاريخ الحديث سدوم وعمورة أخرى؟

وهل سنظل حيارى لا ندري أَنُخثِر أم نُذيب، نلوك الموضوع وكأنه لا يعيننا؟

آن الأوان لصد هذا الوباء، ومزاحمة هذا العفن العالمي، وبيان عواره، وفضح مخططاته التي تسوق العالم سوقًا لمصير محتوم، لا تزال آثاره ماثلة في مرابع المؤتفكات (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1] ينظر: الانحراف الجنسي بعد البلوغ وعلاقته بالتعرض للاعتداء أثناء الطفولة، أحمد بن محمد الشهري، ص30-31.

[2] ينظر: مشروع الجندر من وثائق الأمم المتحدة: من الحرية والمساواة إلى التماثلية والشذوذ، د. صباح عبده هادي الخيشني:

https://groups.yahoo.com/neo/groups/mraya/conversations/messages/11473  

[3] http://www.un.org/press/en/2010/sgsm13311.doc.htm  

[4] http://www.un.org/press/en/2013/sgsm14944.doc.htm

[5] http://goo.gl/SzEPTm

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

الحلقة 13 من برنامج أمومة

9م - 9:30م
جميع الفعاليات