قراءات: كتاب”نظريات التنمية السياسية المعاصرة” عرض ونقد

أضحى الالتفات لملفات عديدة شغلت أهمية أدنى على سلم الأولويات في الفكر والعمل الإسلامي من واجبات الوقت، ولعل من تلك الملفات ملف التنمية، والذي أهمله المسلمون رغم شدة حاجتهم إليه، وحينما التفتوا إليه اتجهوا صوب الغرب إما قسرا عبر هيئة الأمم المتحدة، حيث أن مفهوم “التنمية” صار مجالا لأعمال قرارات الأمم المتحدة، وموضوعا لممارسة الشرعية الدولية، ولم يعد شأنا خاصا مرتبطا بأعمال السيادة والإشكالية أن التصورات المقدمة من الهيئة الدولية  تتمركز حول حتمية بعينها، وهي أن النسق السياسي والاقتصادي والثقافي السائد في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يعد سقفا للعالم عليه أن يسعى نحو الوصول إليه، وهي ذاتها نفس المسلمات والأسس التي قامت عليها نظريات التنمية، حيث واحدية وخطية وتصاعدية الحركة التاريخية والتطور البشري بصورة تجعل من أوروبا والولايات المتحدة الأنموذج الأرقى ونقطة نهاية التاريخ البشري.

هذه الحتمية تفرض ذاتها من خلال وسائل تقوم على الإجبار المادي، باستخدام هيئة الأمم المتحدة والفصل السابع من ميثاقها، أو باستخدام صندوق النقد الدولي، أو باستخدام مؤسسات حقوق الإنسان.

أو أن يتجه المسلمون إلى الغرب ليستقوا منه طوعا وافتتانا، وعندما يعود أولئك المفتونون بالمنظور التنموي الغربي ليجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام الفشل، بعد أن ثبت فشل هذا المنظور عندما التقى بروافد حضارية مغايرة، إذا بهم للأسف الشديد يطعنون في أصول ومصادر الانتماء الحضاري للأمة، داعين للمزيد من التذويب للهوية والتنكر الحضاري، وحاملين لواء فناء الذات في الوجود الغربي.

من هنا تبرز أهمية السعي نحو الحفاظ على الذات، والمحافظة على الهوية، وطرح منظور مغاير للمنظور السائد، ضمن منظور “أسلمة المعرفة” أي إدخال المنظور الإسلامي في مختلف العلوم الاجتماعية والطبيعية، بصورة تحقق مفهوم الاختيار الذي لابد أن يكون بين بدائل مختلفة، تبعد الإنسان عن مفهوم الحتمية والجبر.

فجاءت دراسة نصر حمد عارف (نظريات التنمية السياسية المعاصرة) والتي هي دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي؛ لإنقاذ النفوس من المزيد من السقوط والاستلاب، وكي تتمرس بها الوفود الإسلامية وغيرهم، ممن يحتك بالعمل الأممي والوثائق الدولية المعنية بالتنمية.

ملخص الدراسة:

يقدم الباحث من خلال الكتاب الذي بلغت صفحاته عدد أربعمائة وثمانية وثمانين صفحة منهجا رائدا لتناول الأدبيات المطروحة في مجال التنمية، ويقدم فهما وتحليلا للأسباب التي أدت إلى إخفاق النظريات والنماذج الغربية في التنمية، ويطرح نظرة إسلامية نابعة من الأصول المنزلة، تضع إطارا للحركة التي تحقق الاستخلاف والعمران.

كما يتناول الكتاب عبر فصل تمهيدي وثلاثة فصول التراث الإنساني من خارج أرضية الغرب، إسهاما في بناء مدرسة فكرية تعيد علوم الأمة إلى حظيرة الإسلام.

  • بدأت الدراسة بمقدمة تساءل فيها الباحث عن سبب انقضاء ثلاثة عقود من التنمية، ولازالت الدول التي اصطلح على تسميتها بـ “النامية” تعاني من نفس الأزمات، بل إنها تراجعت في كثير من هذه النواحي أدنى مما كانت عليه.

ومن ثم انطلق الباحث لتوضيح أسباب فشل محاولات التنمية التي تمت، سواء على المستوى التنظيري أو على المستوى الواقعي، مفندا الكتابات العربية التي قدمت الأنموذج الغربي كأنموذج معياري على الدول الأخذ به إن أرادت التنمية والتحديث، وسلك مسارين في هذا التفنيد حيث فنده في بيئته الأصلية، وفند صلاحيته للنقل إلى المجتمعات غير الأوروبية؛ ليختم بعد كل جزئية بإيراده للنموذج الحضاري الإسلامي المقابل، ومدى قدرته على تقديم إطار بديل _أصيل_ للحركة الإنسانية.

  • بدأ الفصل التمهيدي والذي أورده الباحث بعنوان “منهجية دراسة التنمية السياسية والمنظور الحضاري الإسلامي” مؤكدا على حقيقة أن الحسم والحتم في الظواهر الاجتماعية غير وارد، ولا يمكن تقبله عقلا ًومنطقا.

وقد طرح الباحث في المبحث الأول أسئلة من قبيل هل استطاع الفكر التنموي العربي طرح رؤى مستقلة نابعة من طبيعة واقعة، ومعطياته الفكرية والتاريخية، ومشاكله المعاصرة، أم أنه سار في سياق المنظور المعرفي الغربي الأوروبي؟، وأين موضع الخصوصية والعالمية في الفكر التنموي العربي؟

حاول الباحث الإجابة على هذه الأسئلة بتناول الدراسات العربية التي تطرقت إلى بحث سبل تنمية المجتمعات غير الأوروبية، من خلال محاور عدة أبرزها:

التعريف بمفهومي التنمية والتخلف، وتحديد أبعادهما، حيث وجد أن بعض الكتابات شخصت أسباب التخلف بعوامل داخلية محضة، وبعضها بعوامل خارجية محضة، والبعض الثالث بتفاعل بين الداخلي والخارجي، مستعيرا مقولة مالك بن نبي “الاستعمار والقابلية للاستعمار”.

كما تناول البحث طرق التنمية ووسائلها التي وردت في هذه الكتابات، ليجدها تسير إما في اتجاه تقليد النظريات الأوروبية والنقل عنها، سواء في صورته الليبرالية، أو الاشتراكية، أو الماركسية الجديدة (مدرسة التبعية).

أو تسير في اتجاه الدمج بين المصادر الأوروبية والمصادر الإسلامية، وداخل هذا الاتجاه هناك من ينطلق من نظريات التنمية الغربية المعاصرة، ويتخذها مرجعا للتنظير والحركة، وإضفاء صفة الشرعية عليها، ويعيب هذا الاتجاه ما أسماه الباحث “التلفيقية” والاستظهار بالإسلام لتسويغ القيم الأوروبية، بما يجعله أكثر خطورة من تلك القائمة على النقل والتقليد.

وهناك داخل هذا الاتجاه أيضا من ينطلق من أرضية إسلامية كوعاء، لكن يتم ملئه بذات المضامين الغربية، دون البحث عن المفاهيم الإسلامية الأصيلة.

وهناك دراسات ظهرت مؤخرا تبرز مدى المفارقة بين المنهج الإسلامي والمنهج الدنيوي، من حيث المنطلقات والغايات والوسائل.

ومن ثم انتقل إلى المبحث الثاني ليوضح المنظور الحضاري الإسلامي، كإطار تحليلي بديل لدراسات التنمية، موضحا دواعي استعمال هذا الإطار،

للقصور الوارد في المناهج الغربية، ضاربا نماذج توضح أوجه هذا القصور، أو لعدم صلاحية التقليد كمدخل للمعرفة، أو لعدم شرعية تقليد غير المسلمين في عقائدهم وأفكارهم ومناهجهم.

وكانت أبرز المقولات التي استند إليها في هذا الإطار التحليلي البديل:

التكامل والجمع بين الثابت والمتغير، الشمول، الاعتداد بالبيئة الزمانية، الاعتداد بالبيئة المكانية.

  • ثم انتقل الباحث إلى الفصل الأول والذي أورده بعنوان “المصادر الفكرية لنظريات التنمية السياسية”.

حيث تعرض فيه الباحث بالدراسة لنظرة حضارة معينة إلى الحضارات الأخرى، وتاريخ التعامل بين أوروبا والعالم غير الأوروبي، واعتمادها وسائل ثلاث بغرض استبعاده واستنزاف موارده: الوسيلة العسكرية، الوسيلة الاقتصادية، الوسيلة العلمية، وهذه الأخيرة هي التي أفرزت دراسات التنمية كما أفرزت الاستشراق والأنثروبولوجيا.

وقد تناول الباحث في مبحثين الاستشراق والأنثروبولوجيا كأرضية فكرية انطلقت منها نظريات التنمية المعاصرة، وتناول في مبحث ثالث نظريات النمو المجتمعي، باعتبارها البوتقة التي اختمرت فيها نظريات التنمية وأبرزها “النظرية النشوئية التطورية” و “نظرية المنظومات” و “نظريات النمو الاقتصادي”، وتتمحور جميعها حول الخبرة الأوروبية كأنموذج أصيل للتطور البشري، في تجاهل تام للعوامل التاريخية التي أدت إلى تقدم أوروبا وتدهور وركود المجتمعات غير الأوروبية، وتاريخ عمليات البغي (الاستعمار) ونهب الثروات.

خلص الباحث في هذا الفصل إلى أن العلم الأوروبي المخصص لدراسة العالم غير الأوروبي انتقل من الاستشراق إلى الأنثروبولوجيا إلى التنمية، دون تغير حقيقي في أسس الدراسة ومناهجها وأهدافها، بل يقدم ذات المقولات القديمة تحت مسميات جديدة، ويحتفظ لنفسه بالهيمنة العلمية على هذه المجتمعات، فيغرق علماءها بسيل جارف من المعارف، حتى يظلوا مستهلكين لما ينتجه دوما العالم الأوروبي، وبحيث لا يرون أنفسهم ومجتمعاتهم إلا من خلال الرؤية التي وصل إليها العلم الأوروبي.

  • أما الفصل الثاني والذي ورد بعنوان “الاستخلاف والتنمية” فوضع فيه الباحث نظريات التنمية الغربية في مقارنة مع مفهوم “الاستخلاف” من خلال ثلاثة محاور (المسلمات والمفاهيم والغايات)، ووزعها على ثلاثة مباحث.

يتناول أولها المسلمات التي تستند إليها النظريات التنموية الغربية، ثم يقدم البديل الإسلامي لها، وذات الأمر عند تناوله للمفاهيم، وكذلك الغايات.

والمسلمات التي تناولها بالتفنيد هي “حيوانية الإنسان” عكس الشريعة التي تنظر للإنسان على أنه “كائن مكلف”، وكذلك “تفسيخ الظاهرة البشرية” حيث إسقاط فكرة الإله من دائرة الاعتبارات العلمية، حيث برأيهم لا توجد فائدة له في النظام الفكري الذي يقوم فقط على الأفكار التجريبية، يقابلها مسلمة “التوحيد” كمفهوم ومنهج للحركة البشرية في استعمار الأرض، وكذلك مسلمة “التطور الخطي للمجتمعات البشرية” عبر مراحل متصاعدة، انطلاقا من اعتبار المجتمع الأوروبي أنموذجا معياريا للمجتمعات الأخرى، إذا أرادت تحقيق التنمية والتحديث، يقابلها نظرة القرآن لحركة المجتمعات البشرية، والتي ترسي حركة لا هي خطية ولا دائرية، وإنما حركة تؤكد أن تاريخ البشرية وتطورها يسير في طريق أوله الله سبحانه وتعالى الخالق، وآخره الله سبحانه وتعالى المميت، وأن طول الحضارات وقصرها يتوقف على مدى تمسكها بالشريعة والعدل.

ثم انتقل الباحث إلى المبحث الثاني ليتناول “المفاهيم” بالنقد والتحليل، مشيرا في بادئ الأمر إلى المخاطر التي أصابت المفهوم الإسلامي جراء نقل المفاهيم الأوروبية، مثل استبدال المفهوم الإسلامي “التنمية” بـ “الاستخلاف” و “الديمقراطية” بـ “الشورى”، فضلا عن التلبيس وإفراغ بعض المفاهيم من معانيها الإسلامية وإعطائها مضامين نابعة من الخبرة الأوروبية، بحيث أصبح الإسلام تماما مثل المسيحية، وكذلك طمس المفاهيم الإسلامية وإخراجها من ساحة البحث العلمي، باعتبارها مفاهيم لا علمية مثل “الزكاة” و”البركة”.

أما عن المفاهيم الغربية التي تناولتها الدراسة بالتحليل والنقد فهي الآتي:

“التنمية، التخلف، التحديث، التقدم، التطور، التغريب، الأزمة”.

كما تناول بالمقابل المفاهيم الإطارية التي يقدمها الإسلام، وأبرزها مفاهيم

“الاستخلاف، والاستعمار، والابتلاء”.

ثم انتقل الباحث إلى المبحث الثالث والذي أورده بعنوان “الغايات”، تناولها الباحث مفندا إياها طبقا لمحكات ثلاثة أساسية، من حيث:

مدى تناسقها المنطقي في بنائها النظري، وما أفرزته الخبرة الأوروبية المعاصرة، ومدى تحققها أو إمكانية تحقيقها، ومدى ملاءمتها وصلاحيتها للدول غير الأوروبية.

ثم انتقل إلى توضيح غايات مجتمع الاستخلاف كما حددتها الأصول الإسلامية، من تحقيق العبادة لله وحده، والإيمان بالآخرة، والتي تجعل القيم التي يتصارع عليها البشر أكثر فعالية وأعظم قيمة في ضوء الإيمان بالآخرة.

عقد الباحث مقارنة بين غايات التنمية في النظريات الغربية، والتي يقتصر دورها في كونها مجرد أحد موجهات السياسات العامة في الداخل والخارج، عكس الغايات في المجتمع الإسلامي، والتي هي _على حد قول الباحث_ شرط ابتداء كما هي شرط دوام وبقاء.

  • ثم تناول الباحث في الفصل الثالث “وسائل التنمية”، فهو لم يقف عند حد نقد المسلمات والمفاهيم والغايات، وإنما تعداها لتفنيد وتحليل الوسائل التي طرحتها نظريات التنمية الغربية، كسبيل للمجتمعات غير الأوروبية لتحقيق التنمية.

يرى الباحث أن الوسائل هي الوسيط الذي ينقل المسلمات والمفاهيم إلى أرض الواقع للوصول إلى الغايات.

وقد تناول الوسائل في ضوء النظرة الإسلامية التي ترسي قاعدة أساسية في التعامل مع الوسائل من زاوية “اعتبار المآل”، فإن أدت إلى مصلحة فهي مطلوبة، وإن كانت مؤدية إلى مفسدة فهي ممنوعة، وقد قسمها إلى ثلاث مجموعات: ثقافية واقتصادية ومؤسسية، متناولا كل مجموعة على حدة في مبحث مستقل.

بدأ الباحث بالوسائل الثقافية؛ لأنها برأيه من أهم الوسائل فضلا عن كونها توطئة لازمة لسريان الوسائل الأخرى المؤسسية والاقتصادية.

ونظرا لقيام نظريات التنمية على اعتبار التجربة الأوروبية أنموذجا معياريا، فإنها تطرح مجموعة من الأبعاد الثقافية أهمها:

القضاء على النسق الثقافي التقليدي، وتحقيق علمانية البناء الثقافي، وبلورة الوعي الطبقي كأداة للتغيير.

ويتناول الباحث البعد الأول بالتحليل مفندا إياه، حيث شكك في صلاحية هذا الأنموذج للمجتمعات غير الأوروبية؛ لأن التغيير الثقافي الذي تم في المجتمعات الأوروبية كان عن طريق الإصلاح الذاتي، بإصلاح الثقافة من داخلها ومن منطلقاتها التي يؤمن بها المجتمع، بعكس ما يقدم للعالم غير الأوروبي، فإنه دعوة لاستبدال ثقافة المجتمع بثقافة أخرى مغايرة لها وقد تتعارض كلية معها، فهي دعوة تغفل “جغرافية الكلمة”.

كما تناول موضع البعد الثقافي في الصراع السياسي الدولي، حيث تعتبر الوسيلة الثقافية أداة سياسية في القضاء على الخصوصية والهوية للمجتمعات غير الأوروبية؛ توطئة للسيطرة عليها.

كما أشار الباحث إلى ارتباط عمليات الاستبدال الثقافي بمصالح الشركات المالية الكبرى.

وبالنظر إلى ما طرح حول علمانية البناء الثقافي ولزوميتها لتحقيق التنمية، يرى الباحث أنه لم يتحقق النمط الثقافي الأفضل، مستدلا بالظواهر التي أفرزتها التطبيقات العلمانية في المجتمع الأوروبي، وما أفرزته في المجتمعات غير الأوروبية …

كما تناول بالتحليل البعد الثالث، موضحا قصور النظريات الماركسية، بل وخطؤها، ناهيك عن صلاحيتها للمجتمعات غير الأوروبية.

ختم الباحث المبحث بتناول الوسيلة الثقافية من المنظور الإسلامي لتحقيق مفهوم الاستخلاف، موضحا محورية وأهمية البعد الثقافي في تحقيق مجتمع الاستخلاف والمستويات التي تتم فيها عمليات التغيير، وطرح ما أسماه “عقيدية الثقافة” في مقابل “علمانية الثقافة”، وكذلك تحقيق الربانية كمقصد للوسيلة الثقافية.

وانتقل الباحث إلى المبحث الثاني، وتناول فيه الوسائل المؤسسية أو التنظيمية لنقل المجتمعات إلى طور التحديث، عارضا لها كتصور ثم تعرض لها بالتقويم في ضوء معيارين:

الأول: الخبرة الأوروبية، حيث أوضح ملامح القصور والضعف من الجمود المؤسسي، والبيروقراطية، والفساد، وتضخم الأبنية على حساب الوظائف، وإفراز طبقة جديدة متضخمة العدد قليلة الإنتاج، فضلا عن ترسيخ مفهوم الصراع كمحرك للعملية التنموية.

الثاني: مدى صلاحية المؤسسات الحديثة كوسيلة للتنمية في الدول غير الأوروبية، والتي تم بالفعل نقلها – كليا أو جزئيا – إلى المجتمعات غير الأوروبية إبان الاحتلال الأوروبي وبعده، وكان نتاج نقلها:

تشويه المجتمعات غير الأوروبية وخلخلتها وفقدانها لفعاليتها الذاتية، دون أن تتمكن من اكتساب فعاليات حديثة، حيث تم القضاء على المؤسسات الأصيلة، وكذلك نقل الهياكل المؤسسية الأوروبية دون مضمونها، أيضا عدم تفاعل المؤسسات الحديثة مع البناء الاجتماعي، ذلك أن هذه المؤسسات لم تنقل إلى بيئة خاوية من المؤسسات، بل بيئة بها جذور أو بقايا مؤسسات تم إلغاؤها مع المستوى الرسمي، لكنها لم تزل في وجدان الشعب وضميره.

ثم انتقل إلى توضيح الوسائل المؤسسية لتحقيق مفهوم الاستخلاف، وذلك بشرح مفهوم المؤسسية كما جاء بالأصول الإسلامية، ومدى ارتباطها بالقيم التي بنيت عليها، والغاية التي تسعى للوصول إليها، والأحكام الشرعية التي يستند إليها، وكذلك المعايير والضوابط التي تحكم هذه المؤسسات، من شورى وعدل ومسئولية ومراقبة وخضوع للأحكام الشرعية.

ثم عرج إلى توضيح بعض الأشكال المؤسسية في الخبرة الإسلامية، لينتقل الباحث إلى المبحث الثالث والذي تناول فيه الوسائل الاقتصادية والتكنولوجية، والتي برأي الباحث أنها البنية الأساسية التي لابد من توافرها لسريان وتحقيق الوسائل الأخرى الثقافية والمؤسسية، فضلا عن محورية البعد المادي في الخبرة الأوروبية.

وقد تناولها الباحث بصورة نقدية مقارنة في ضوء ما يقدمه المنظور الإسلامي، حيث عرض المنظور الغربي أولا والركائز الاقتصادية التي يستند إليها وأبرزها:

التراكم الرأسمالي، والذي ترى النظريات الغربية للتنمية أنه لابد من تواجده لإحداث عملية التنمية، وأن غيابه هو السبب الجوهري في استمرار الدول غير الأوروبية في إطار وضعية التخلف، وقد فندها من جوانب عدة منها:

أن السياق التاريخي الذي تمت فيه عملية النمو في الدول غير الأوروبية يختلف عن غيره في الدول الأخرى، حيث استطاعت الأولى تحقيق تراكم رأس المال عبر النهب واستنزاف الثروات، وهو ما أطلق عليه عمليات “فقر الدم”، والتي فرغت هذه المجتمعات من مواردها فتخلف هذه المجتمعات هو الوجه الأسود لنمو المجتمعات الأوروبية، وهذا ما لا يمكن تكراره، كما أن استمرارية عمليات الاستنزاف لموارد الدول غير الأوروبية في ظل النظام الاقتصادي المعاصر يؤدي إلى استمرار حلقة الفقر، وإذا ما أرادت هذه الدول القضاء على الفقر ومراكمة رأس المال عن طريق اللجوء إلى القروض فإنها تخضع لمشروطية سياسية، فضلا عن أن معظم هذه القروض لا تعطى في صورة نقود سائلة، بما يفقدها حرية استخدام القرض، وكذلك الفوائد الباهظة لهذه القروض والتي تعرف بـ “خدمة الدين”.

كما أن اتباع الدول غير الأوروبية لنفس الوسائل الاقتصادية التي اتبعتها الدول غير الأوروبية أدى إلى اللجوء إلى وسائل تحديد النسل، وإفقار الشعوب من ثرواتها البشرية.

ثم عرج الباحث إلى الحديث عن الركيزة الثانية وهي التصنيع، والذي تضعه نظريات التنمية شرطا ضروريا لتحقيق تنمية العالم غير الأوروبي، انطلاقا من اتخاذ الخبرة الأوروبية مصدرا للتنظير ومعيارا للتقويم، وحتى مفهوم التصنيع تم اختزاله أيضا في أنموذج واحد، ذلك النموذج الذي شهدته أوروبا.

فند الباحث جدوى التصنيع كما هو في النموذج الذي شهدته أوروبا بتوضيح آثاره البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلا عن التشكيك في مدى صحة وصلاحية التركيز على التصنيع كوسيلة رئيسة لتحقيق التنمية في الدول غير الأوروبية، سواء لاختلاف الأولويات عندها أو للصعوبات التي تواجهها في مجال التكنولوجيا، والتي من أبرزها ما أطلق عليه الباحث “امبريالية التكنولوجيا”.

كما تناول الباحث العنصر الثالث وهو التحضر وظهور المدن؛ ليفسر سبب ظهورها في أوروبا، مع الإشارة إلى النتائج السلبية التي ترتبت عليها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

ختم الباحث الفصل بتوضيح الوسائل الاقتصادية التي تحقق مفهوم الاستخلاف، وأهمها العمل الإنساني كجوهر لحقيقة الاستخلاف، فهو في النظرة الإسلامية يرتقي من كونه حقا للإنسان ليكون في مصاف الفريضة الواجبة، كما أنه العنصر الأساسي في عملية الإنتاج وفي تقسيم العوائد، فضلا عن كونه سببا أساسيا للتملك.

ثم انتقل إلى العنصر الثاني من عناصر العملية الإنتاجية في النظرة الإسلامية، وهي المسخرات التي أوجدها الله في الكون، واضعا لها ضوابط في التعامل معها، وتحدد للإنسان كيفية الانتفاع بها واستخدامها.

ثم العنصر الثالث وهو فقه أولويات الإنتاج والانتفاع (الاستهلاك)، حيث تخضع كل من عمليتي الإنتاج والانتفاع ليس لعامل الندرة أو الوفرة، وإنما تخضعان لمقياس معين يضع الضروريات قبل الحاجيات ثم ينظر للكماليات … ذلك لضبط الحركة، والحفاظ على توازن المجتمع، وتوازن الكون.

ثم العنصر الرابع وهو التطوعية، ولهذا البعد أثر كبير في إعمار الأرض، وتحقيق الاستخلاف، كالوقف والبركة، كشروط ضرورية لسير العملية الاقتصادية.

يخلص الباحث في نتيجة الدراسة إلى أن نمط التطور الأوروبي تم بصورة تلقائية، دون وجود مؤثر خارجي، ولم تكن هناك نماذج تغريه بالنقل والمحاكاة والتقليد، وإن محاولة نقل أي وسيلة سواء كانت ثقافية أو اقتصادية أو مؤسسية سوف يجر معه المنظومة كاملة، فهي تحمل من القيم والمعايير ما يجعلها لا تؤدي فعاليتها إلا في إطارها الثقافي والاجتماعي، الأمر الذي يستوجب تضافر الجهود العلمية والعملية؛ للكشف عنه، وبلورة منظور إسلامي بديل للتنمية، يعتمد مفهومي الاستخلاف والعمران البشري، كأساس ومنطلق له.

إنه حقا كتاب جدير بالقراءة والدراسة، ورغم عدد صفحاته التي كادت أن تقترب من الخمسمائة إلا أن أسلوب كاتبه الشيق لا يدع فرصة للملل، بل يزيد من إصرار القارئ ألا يبرح مكانه حتى يصل مع كاتبه إلى سطور الخاتمة.

 

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات