مقالات: حصاد الهشيم.. مرور سبعين عاماً على وفاة هدى شعراوي

أ.سيدة محمود[1]

 

بانصرام هذا الأسبوع يكون قد مر سبعون عاما على وفاة هدى شعراوي، رائدة العمل النسوي بمصر، والتي وافتها المنية يوم 28 من محرم 1367هـ، 13 من ديسمبر 1947م. تلك المرأة التي أثرت تاثيراً بالغاً في مسار الحركة النسوية بمصر والعالم العربي، بل كانت أقرب الطرق وأنجح الوسائط لمحاربة الإسلام وأهله دون جلبة أو ضوضاء مدافع، فكانت أنموذجاً لما تحدث عنه المناضل اليساري الفرنسي “فرانز فانون” في كتابه “سوسيولوجيا ثورة” حول كيفية استهداف المرأة المسلمة كمدخل لتغيير اجتماعي باتجاه علمنة المجتمعات المسلمة.

وقد اقتدى بها العلماني شريف الشوباشي الداعي لمليونية خلع الحجاب بميدان التحرير بمصر، قائلاً إن خلع هدى شعراوي للحجاب في 1919 أدى لطفرة في المجتمع المصري يأمل هو في أن يقيم مثلها من خلال دعوته[2].

والحجاب بالتحديد يُميز المجتمع ويحدد سمته العام، وكما وصفه “فرانز فانون” في كتابه المذكور سالفا سوسيولوجيا ثورة:

“نماذج المجتمعات تُعرف من خلال اللباس قبل أي شيء آخر، والحجاب الذي ترتديه النساء في العالم العربي هو ما يراه (الغريب) مباشرة، فمن الممكن أن يجهل الإنسان أمداً طويلاً أن المسلم لا يأكل الخنزير، أو أنه يمتنع عن العلاقة الجنسية خلال صيامه، لكن حجاب المرأة يبدو ثابتاً إلى حد أنه يكفي بصورة عامة لتمييز المجتمع العربي”[3].

ويروي “فرانز فانون” كيف تحول الحجاب إلى معركة ضخمة، عبأت قوى الاحتلال الفرنسي للجزائر من أجلها أغزر الموارد وأكثرها تنوعاً، وعملوا على بذل أقصى مجهوداتهم ضد ارتداء الحجاب، عملاً بقاعدة: لنعمل على أن تكون النساء معنا وسائر الشعب سيتبع”[4].

والمطلع على السيرة الذاتية لتلك المرأة سيجد أنها خير من يقوم بهذا الدور، فهي مهيأة له تماما، لذا تلقفتها جماعات تحرير المرأة في روما وأمستردام ومرسيليا وإستانبول وباريس وبرلين وبروكسل وبودابست وكوبنهاجن وجنيف وحيدر أباد ونيودلهي لتقود الحركة في مصر.

هي نور الهدى بنت محمد سلطان باشا، التي تسمت فيما بعد على الطريقة الأوربية بهدى شعراوي؛ إلحاقاً لها باسم زوجها “علي باشا شعراوي” وأبوها “محمد سلطان باشا”، الذي كان يرافق جيش الاحتلال الإنكليزي في زحفه على العاصمة، والذي كان يدعو الأمة إلى استقباله وعدم مقاومته.

وهي تلميذة وفية لزوجة “حسين رشدي باشا” الفرنسية، التي كانت “هدى” تفيض في ذكر مبررات إعجابها بها، واتخاذها مثلها الأعلى، فقالت عنها:

لم تكن تُعنى بظروفي وحالتي واسمي فقط، وإنما كانت أيضاً تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية، وكانت ترشدني إلى أثمن الكتب وأنفعها، وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب عليّ فهمه، وكانت تغذي عقلي وروحي بكل أنواع الجمال والكمال”.

وكانت هذه المرأة الفرنسية الأصل التي أعدت “هدى شعراوي” إعداداً خاصاً لمهمتها قد ألفت كتابين، الأول بعنوان (حريم ومسلمات مصر) وكتاب (المطلقات) تعبر فيهما عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من “أجل تعاسة المصرية وظلم الرجل لها”[5].

نجحت شعراوي في مجتمع كان المجتمع شبه ملزم للمرأة بارتداء النقاب لتظهر هي سافرة، ليس فقط الوجه وإنما بغطاء على الرأس لا يسمن ولا يغني من جوع، ويكشف أكثر مما يخفي.

نجحت أيما نجاح في إقناع النساء بالمطالبة بالاستقلال، ليس استقلال الوطن، إنما الاستقلال عن الرجل وذكوريته البغيضة، في وقت كان المحتل الإنجليزي مبتلعاً الرجال والنساء على حد سواء. ومع هذا لم تر تلك المرأة بأساً في هذا المحتل الذي يغتصب الديار فأمره ليس بالخطير، وإنما ثمة ما هو برأيها أهم وأكثر إلحاحاً، وقد اختارت اللحظة الحاسمة للإعراب عنه بشكل عملي، فكانت أول من خلعت النقاب أثناء استقبال المصريين الحاشد لسعد زغلول بعد عودته من المنفى، داعية المصريات للتحرر مما رأت فيه إهانة ومذلة للمرأة، وقيوداً على حريتها من زواج مبكر، وتعدد زوجات، فدعت إلى رفع السن الأولى للزواج إلى 16 عامًا للفتاة و18 عامًا للفتى، وحاربت تعدد الزوجات، وطالبت بوضع قيود أمام الرجل للحيلولة دون الطلاق.

طالبت شعراوي برفع سن الزواج، وها قد تحققت مطالبها، وتثمر دعوتها ثمارها المرة، ويستمر سلم صعود سن الزواج إلى الهاوية ليصل إلى ثلاثين عاما، حسبما أكد تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، فنسبة العنوسة في مصر عام 2016 تجاوزت 13.5 مليونا ممن تجاوزت أعمارهم 30 عاماً، منهم 2.5 مليون شاب و11 مليون فتاة.
قد ترى بعض حفيدات شعراوي والسائرات على دربها المظلم أن ارتفاع نسبة العنوسة ليس بخسارة، لكن علماء الاجتماع لهم رأي آخر في العواقب الوخيمة لهذه الأرقام، سواء على الفتيات أو على المجتمع، حيث “تسبب ارتفاع من فاتهم قطار الزواج في وجود ظواهر كثيرة غير مقبولة اجتماعياً أو دينياً في البلاد، مثل ظاهرة الزواج السري والعرفي بين الشباب في الجامعات، والشذوذ الجنسي بين الفتيات، والإصابة بأمراض نفسية أدت إلى الإقبال على الانتحار، كما دفعت بعض الشباب والفتيات إلى إدمان المخدرات من أجل النسيان، وهو ما يؤدي بحياة الكثير منهم إلى الموت”[6]، كما يحذر “سيد إمام” الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية من كارثة أخرى بقوله: أن تأخر سن الزواج أدى إلى ارتفاع نسبة الأطفال من مجهولي النسب[7].

بل علت صيحات التحذير لتصل إلى ضرورة تدخل الدولة للحث على الزواج وتشجيع الشباب، واعتبرتها لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب المصري قضية أمن قومي ينبغي التصدي لها، فعزوف الشباب والفتيات عن الزواج سواء بإرادتهم أو بسبب الظروف المجتمعية تهدد الأمن القومي؛ لأنها تؤدي إلى انحراف الشباب، وتفاقم معدلات الأمراض النفسية والعصبية والجريمة[8].

والمشكلة هنا أن التقارير ترصد أن غالبية هؤلاء اللواتي حرمن من حياة زوجية دافئة، وأمومة حانية، هن الأعلى في سلم التعليم الجامعي، كالتقرير الذي أوردته جريدة قاهرية معنون بـ “شبح العنوسة يطارد خريجات كليات القمة” قام به مركز الأرض لحقوق الإنسان، وصل في نهايته إلى حقيقة مؤلمة بأنه “كلما ارتقت المرأة في سلم التعليم، كلما قلت فرصتها في الزواج “ومن خلال المقابلات التي أجراها في عملية رصده أنهن عانين من ضغط عصبي شديد، مما يتسبب في التقليل من هرمونات الأنوثة، إضافة إلى أنهن لا يجدن وقتا لأي اهتمامات أخرى بخلاف الدراسة[9].

وهنا يثور تساؤل، ها قد تعلمت الفتاة ولكن ما فائدة العلم إن لم يتم تطويعه وترويضه لمواجهة المشكلات لا أن يكون هو سبباً للمشكلات وجالباً للبؤس؟

متى نتجاوز مرحلة الانبهار بالعلم بوصفه الكمال المطلق الذي لا يدانيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، وأن يجاوز موقعه كغاية بدلاً من أن يكون وسيلة للرقي بالإنسان؟ متى نتحول عن تلقين بناتنا بأن العلم فقط هو السلاح الذي يحمي الفتاة من غوائل الزمن وما عليها من سبيل إلا التبتل إليه مهما قدمت من قرابين كزواج أو أطفال أو أسرة.

إن ديننا هو دين العلم، والذي يطالب فيه المرأة ليس بنيل العلم حتى المرحلة الجامعية وإنما يمتد الأمر معها إلى اللحد، لكن بمصاحبة زوج وأبناء وأسرة، وقيمنا الإسلامية من تكافل وتعاون وأسر ممتدة توفر لها القيام بأدوارها المتنوعة خير قيام.

لكن مع الحملات المسعورة لتشويه القيم الإسلامية، وكذلك الانتكاسة الحضارية التي تعاني منها أمتنا، صارت الساحة مهيأة لأمثال شعراوي وغيرها، اللواتي ينفثن السم في في عقول الفتيات بالتحرر والاستقلال، ومكانة المرأة التي لن تتحقق إلا بالعمل والاعتماد على ساعديها، مرددات معها قول النسوية الكسندرا كولونتاي:

“لقد انتهى عهد عبودية المرأة المنزلية! فالمرأة لن تعتمد بعد الآن على زوجها، وإنما سوف تعتمد على عملها. ولن يعيلها زوجها، وإنما ساعداها القويان”[10].

وفي تقرير رسمي لجهاز التعبئة والإحصاء صدر مؤخراً، أشار إلى أن مساهمة الشباب في قوة العمل خلال العام الماضي بلغت 48.5%، وأن نسبة الشباب المشتغلين بعمل دائم إلى 45٪ ذكورا و28.5% إناثا.

أي أن نسبة الشابات المشتغلات بدوام كامل تكاد تقترب من الثلاثين بالمائة، وهي نسبة عالية لها تداعياتها المجتمعية، بل وأدت إلى تغير في قيم النخوة عند الشباب، حيث كشف رصد لمركز الأرض لحقوق الإنسان عن حقيقة مؤلمة مفادها أن “الشباب صار يبحث عن الفتاة التي تدر عليه دخلا”، فيشير إلى أن شباب اليوم يبحثون عن امرأة عاملة لتتحمل معه أعباء الزواج، وتشترك معه في الإنفاق على البيت، بل إن التغير طال سلوكيات الرجال العوائل لبيوتهم، فاستمرأوا إنفاق المرأة عليه ولازم هو المنزل، وتبدلت الأدوار، واستشهد التقرير بحالات من محكمة الأسرة كدعوى الطلاق للضرر رقم 8356 لسنة 2017[11].

وها هو رسم بياني يوضح ارتفاع معدلات الزواج والطلاق في يونيو 2017 مقارنة بمثيله من عام 2016[12].

لو امتد العمر بهدى شعراوي لهللت لنتاج دعواتها المسمومة، فقد آتت أُكلها، وتبوأت بلدها المركز الأول عالمياً، ليس في التكنولوجيا أو الصناعة أو التجارة وإنما في الطلاق، وفقاً للإحصاءات التي رصدتها الأمم المتحدة، وأكدت فيها أن نسب الطلاق ارتفعت في مصر من 7 % إلى 40 % خلال نصف القرن الماضي، ليصل إجمالي المطلقات في مصر إلى 4 ملايين مطلقة، في مقابل 9 ملايين طفل من أبناء الأزواج المطلقة، والرقم مرشح للزيادة، وتتصدر مصر المرتبة الأولى عالميا كأكثر بلدان العالم في الطلاق[13].

أي بمعدل 250 حالة طلاق في اليوم الواحد، ويعني هذا حدوث طلاق كل 4 دقائق في مصر، من أصل 14 مليون قضية طلاق تشهدها المحاكم المصرية سنويًا، بمشاركة 28 مليون شخص أمام المحكمة، أي ما يعادل ربع سكان مصر، وألمح التقرير الوثائقي بحسب إحصائية مركز البحوث الاجتماعية إلى زيادة الطلاق في المدينة عنه في الريف؛ لارتفاع سقف الحريات لدى المرأة فيها، وإعالتها لنفسها[14].

والكارثة في أن عددا ضخما من حالات الطلاق يكونوا حديثي الزواج، حيث يكشف تقرير مكاتب تسوية المنازعات الأسرية عن لجوء 7500 “زوجة من حديثي الزواج” والتي أظهرت ارتفاع نسب الطلاق بينهن، وتنوعت أسبابها، ومنها أن البعض يهرب من تحمل المسئولية الأسرية، وبعض الزوجات وفقا للأزواج ليست على مستوى من النضج، وغير قادرات على تحمل مسؤولية الزواج”[15].

والبقية تأتي، ولا تزال الأيام حبلى بالكثير، ونخشى مما يحمله لنا المخاض.

يا بنات جنسي أفقن قبل فوات الأوان! يا نساء قومي استيقظن من سباتكن واسألن أنفسكن ماذا بعد؟

لا تغتررن بما يُسمينه انتصارات نسائية، فهي لم تجلب إلا الشقاء للنساء والراحة بعد الكد للرجال، فقد صارت المرأة لهن أقل مؤونة وأيسر منالاً.

سوف نصاب بالسكر والضغط وتصلب الشرايين وأمراض كنا بمنأى عنها من ضغوط المنافسة والصراع على لقمة العيش.

سوف نفقد الأسرة، ذاك النظام الذي ينقل لنا ميراث المزايا، وآداب العرف والعقيدة، كما ينقل ميراث الأرزاق.

سوف نفقد الأنوثة، ونتنهد بحسرة قائلات: ليت الأنوثة تعود يوماً.

 

إعداد أوقاف مركز باحثات لدراسات المرأة


[1]  باحثة علوم سياسية.

[2]  حسن مجدي، خلع الحجاب من 1919 إلى 2015، جريدة اليوم السابع، 15 أبريل 2015.

[3]  فرانز فانون، سوسيولوجيا ثورة، في: ممدوح الشيخ، الاستشراق الجنسي: الحرب على النقاب، القاهرة: ابن رشد، 2015م، ط2، ص89.

[4]  المرجع السابق، ص90.

[5] من كتاب د. محمد اسماعيل المقدم، عودة الحجاب.

[6]http://cutt.us/JS0yC

[7]  المرجع السابق.

[8]حنان السمني، 13 مليون عانس في مصر، الأسبوع أون لاين، في:http://cutt.us/Z5Wfe

[9] يمنى مختار، شبح العنوسة يطارد خريجات القمة، جريدة اليوم السابع.

[10] http://revsoc.me/theory/lss-ljtmy-lqdy-lmr/

[11] http://cutt.us/IJ0o4

[12] هبة حسام، “المركزي للإحصاء”: 15% ارتفاعاً في معدلات الطلاق خلال يونيو 2017، 25 أغسطس، 2017 في:http://cutt.us/Jxf1w

[13]  http://cutt.us/rTQeY

[14]   http://cutt.us/NjpIn

[15] http://cutt.us/UclgI

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مناقشة كتاب (كيف نربي أولادنا بالقرآن) مع أ.د. أسماء السويلم

جميع الفعاليات