وقفات مع مسودة الجلسة 61 للجنة مركز المرأة “التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير”

رؤية نقدية حول مسودة الاستنتاجات المتفق عليها المطروحة في الجلسة الواحدة والستين للجنة مركز المرأة،المنعقدة في الأمم المتحدة بعنوان

“التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير”

Women’s Economic Empowerment in the Changing World of Work

الأمم المتحدة -نيويورك – 13 – 24 مارس 2017

كاميليا حلمي

أولى الإسلام عناية خاصة بحقوق المرأة، في إطار التكامل والتوازن، وتوزيع الأدوار، لتحقيق الخير والسعادة والانسجام داخل الأسرة التي هي النواة للمجتمع السعيد. ومنح الحقوق الطبيعية للمرأة هو إضافة حقيقية للمجتمع الذي يتكون من عنصرين أساسيين هما (الذكر والأنثى). ومن ثم يؤكد على التكامل والتمايز بين الرجل والمرأة في المهامداخل الأسرة والمجتمع، والذي من شأنه تحقيق النهوض والتقدم للأمة بكافة شرائحها.

وقد ضمن الإسلام للمرأة حقوقاَ طبيعية، داخل الأسرة والمجتمع، مثل حق الزوجة – ولو كانت ذات مال- في الإنفاق عليها بما يكفيها للطعام والشراب والمسكن والملبس والعلاج من الأمراض بقدر استطاعته يُسْرًا وعُسْرًا في غير إسراف ولا تقتير، على النحو الوارد تفصيلاً في الأحكام الشرعية[1]. حيث يعد الإنفاق واجبا على الزوج ضمن مسؤوليات القوامة التي فرضها الله تعالى عليه في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. وفي الحديث الشريف «…وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [حديث صحيح، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة].

وهذه الحقوق مكفولة للمرأة في جميع أطوارها، فهي مكفولة من أبيها وأخيها إن كانت دون زوج، ومن زوجها إن تزوجت، وإن عُدموا جميعا فعلى العصبة من أهلها، وعلى الدولة كفالتها بما يسد حاجتها. فحقها فيما يسمى الآن “ضمانا إجتماعيا” هو واجب على الدولة دون النظر لوضعها في سوق العمل.

كما أن عمل المرأة خارج بيتها في نظر الإسلام أمر مباح أصلاً، وهو ليس غاية في ذاته، ولكنه وسيلة لتحقيق مصلحة ما تحتاجها الأسرة أو يحتاجها المجتمع، بما يتناسب مع طبيعتها وفطرتها. وليس من الفطرة المطالبة بالتساوي المطلق في فرص العمل بين الرجل والمرأة؛ نظرا للاختلاف الخِلْقي والنفسي فيما بينهما. بل إن ذلك التساوي المطلق غير المحدد هو ظلمٌ لأحدهما أو كليهما. 

وإذ تطرح لجنة مركز المرأة في جلستها الواحد والستين (13 مارس 2017) للنقاش مسودة الاستنتاجات المتفق عليها بعنوان:

“التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير Women’s Economic Empowerment in the Changing World of Work“، فإنه برغم اشتمال المسودة على بعض الأمور الإيجابية مثل، المساواة في الأجر لنفس العمل، وتأمين شروط العمل العادلة لعاملات المنازل، وتأمين الضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجور لعاملات المنازل وغيرهن من العاملات بشكل غير رسمي وصاحبات المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، وتأمين حق المرأة العاملة في إجازة الأمومة، وتأمين مرافق للعناية بالأطفال، وتأمين الظروف الملائمة للعمل للأشخاص ذوي المسؤوليات العائلية، وصاحبات الاحتياجات الخاصة، واللاجئات، ومنع الإساءة للمرأة في بيئة العمل.

إلا أن الخطورة تكمن في إصرار هذه المسودة –كسابقاتها- وبدعوى الحفاظ على حقوق المرأة، على تقديم تلك الحقوق ضمن منظومة متفردة من المفاهيم لا تراعي الاختلافات الثقافية والأيدولوجية لمختلف البلدان والمناطق، وهو ما يؤدي إلى استحالة تطبيقها بسبب رفض الكثير من الشعوب والحكومات لها.

وفي هذا المجال نورد أهم الملاحظات على الوثيقة والتي تتكرر في أغلب الوثائق الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة المختلفة:

1-  المطالبة بالتطبيق الكامل للاتفاقيات والمواثيق السابقة مع التأكيد على رفع التحفظات[2] ، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والبروتوكول الملحق بها، ومنهاج عمل بيجين، ومخرجات الجلسات السابقة للجنة مركز المرأة، وجدول أعمال التنمية المستدامة بحلول العام 2030، وإعلان نيويورك لشؤون المهاجرين واللاجئين، والإصرار على اعتبارها إطاراً قانونياً دولياً[3]، برغم تضمنها جميعا لكثير من البنود التي تخالف تشريعات الدول ومعتقدات وثقافات شعوبها، والعديد من التحفظات التي سجلتها الحكومات عند التوقيع عليها. وهو ما يشكل استهانة بإرادة الشعوب ورفضاً للتنوع الثقافي الطبيعي وسعياً لإرساء ثقافة بعينها عوضاً عن السعي لتأمين الحقوق في مختلف المجتمعات .

2- تمحورالوثيقة حول منظومة “الجندر (النوع) Gender“: حيث تكرر ذكرالمصطلح في الوثيقة (المكونة من 6 صفحات ) 16 مرة! رغم أن العنوان الأساس للوثيقة هو“التمكين الاقتصادي للمرأة Women’sempowerment“، وهذا المصطلح يتضمن الاعتراف بالشذوذ الجنسي، ومساواة الشواذ جنسيا بالأسوياء. ويتعدى ما يُشاع بأنه محاولة لتحديد الأدوار والمسؤوليات والمعوقات لكل من المرأة والرجل.

     وهذاالأمر واضح في مختلف وثائق الأمم المتحدة ، حيث يعرَّف «دليل تنسيق تداخلات العنف القائم علىالنوع الاجتماعي في الأوضاع الإنسانية» الصادر عن «اللجنةالدائمة المشتركة بين الوكالات Inter-AgencyStandingCommittee (IASC)» التابعة للأمم المتحدة؛ مصطلح “الهويةالجندرية Gender Identity” بأنه: “يشير إلى تجربة الشعور الداخلي العميق والفردي لكل شخص حول النوع، والتي قد  تتوافق أو لا تتوافق مع الجنس الذي نسب إليه عند الولادة. وهي تتضمن إحساس الشخص بالجسد (الذي قد يتضمن، إذا أُختير بحرية، تعديل المظهر الجسدي أو الوظيفي بوسائل طبية أو جراحية أو وسائل أخرى) وغيرها من التعبيرات عن النوع، بما في ذلك اللباس والكلام والسلوك”[4].

وبالتالي فإن نوع الإنسان – وفقا لذلك التعريف- أمر متغير ومتوقف على شعوره واختياره! وفيحين يشمل «الجنس» الذكر والأنثى، فإن «الجندر» يشمل كل الأنواع (الرجل، والمرأة،والشواذ بأنواعهم). وبالتالي فإن مساواة الجندر (النوع)، تشمل مساواة كل الانواع!

3-   الإصرار على إقحام مصطلح “الحقوق الجنسيةوالإنجابية” sexualand reproductive rights في المسودة رغم اختلاف السياق[5]:

      من المعلوم أن “الحقوق الجنسية والإنجابية” تتضمن إباحة الإجهاض وإعطاء المراهقات الحق في ممارسة النشاط الجنسي خارج إطارالزواج سواء كانت ممارسة طبيعية أو شاذة، وتأمين المعلومات الكافية لهن وأيضاوسائل منع الحمل[6].في حين يتم التشديد على منع الزواج الشرعي قبل عمر 18 سنة، ومساواته بالزواج القسري [7] الذي يتم فيه إجبار المرأة على الزواج بغير إرادتها وهو أمر مرفوض شرعا وبه يبطل الزواج.

كما أن التحديد الأممي لسن الطفولة حتى الـ 18 عاماً مخالفاً للشريعة الإسلامية، فالطفولة تنتهي بالبلوغ. واللافت للانتباه، تجريم الزواج تحت سن الـ 18، وفي نفس الوقت إباحة الزنا في نفس تلك السن! ولم يقف تجريم الزواج حتى سن الـ 18، بل تجري محاولة تعدي تلك السن عن طريق النص على منع: “الزواج المبكر و زواج الأطفال”،أي أن المطلوب هو رفع سن المنع ليتجاوز الـ 18! فأي مصلحة تتحقق للمجتمع بتجريم الحلال، و تحليل الحرام؟  

4-  الترحيب بتقريريطالب بالاعتراف بالدعارة كعمل رسمي وتقنينها وحمايتها والاعتراف بالداعراتالشاذات والمتحولات جنسيا:

ترحب المسودة بتقرير الأمين العام حول “التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير-الجلسة 61 للجنة مركز المرأة”، والذي استند إلى تقرير لجنة الخبراء حول “التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير”[8]،والذي تضمن فقرتين متعلقتين بالداعرات، حيث أطلق عليهن تعبير ((عاملات الجنس sex workers)) و ((العاملات المتحولات جنسياً transgender workers)) حيث تمت المطالبة بالاعتراف بالدعارة كعمل رسمي وتقنينها وتأمين الحماية الاجتماعية والصحية للعاملات فيها والسماح بإنشاء روابط ونقابات خاصة بها كمهنة! والمطالبة بالاعتراف بهوية الشاذات جنسيا، والمتحولات من جنس إلى جنس آخر، بشكل رسمي وتأمين الحماية الاجتماعية لهن وتمثيلهن ضمن روابط العمل![9].

ونظرا لفجاجة ذلك المطلب ووقاحته الشديدة، لم ترد المطالبة به بشكل مباشر في المسودة، وإنما من خلال تأكيد تقرير الأمين العام بكون تقرير لجنة الخبراء المشار إليه أساس في إعدادالمسودة، وتلك هي الطريقة التي طالما اتبعتها الأمم المتحدة في تمرير القضايا الشائكة التي يُتوقع لها الرفض من قبل الدول المحافظة.

لذا ندعو لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة، إلى أن تبرهن على حياديتها واحترامها للتعددية الثقافية لشعوب العالم، ولسيادات الحكومات، وذلك بتنقية الوثيقة من المصطلحات والمفاهيم الشائكة والمختلف عليها، التي تم ذكرها آنفا، والسعي لتأمين الحقوق المشروعة في مختلف المجتمعات والمناطق بما يحفظ خصوصيات الشعوب ومعتقداتهم وكراماتهم.

 


[1] ميثاق الأسرة في الإسلام، المادة (70) “حق النفقة”، المذكرةالتفسيرية، ص 215.
[2]– مسودة الاستنتاجات المتفق عليها، البند ( ( 13-a
[3]– البنود  (1-2-3-4-5-6-11-والفقرات “13-a ” و”13-t“)
[4]Guidelines for Integrating Gender-Based ViolenceInterventions in Humanitarian Action ANNEX2, PAGE 319))&  موقع IASChttps://interagencystandingcommittee.org/
[5]– مسودةالاستنتاجات المتفق عليها، البند (6).                     
[6]– نهى القاطرجي، معجم المصطلحات الدولية حول المرأة والأسرة،مركز باحثات لدراسات المرأة 1437ه-2016م، ص147، بتصرف.
[7]– مسودةالاستنتاجات المتفق عليها، البند (6).
[8]– عقدته وحدةمساواة الجندر وتمكين المرأة UN Women بالتعاون مع منظمة العدل الدولية في الفترة 26-28       أيلول2016 – جنيف.
[9]– تقريرالخبراء حول موضوع بحث الجلسة الواحدة والستين للجنة وضع المرأة في المجلس الاقتصاديوالاجتماعي للأمم المتحدة :التمكين الاقتصادي للمرأة في عالم الأعمال المتغير وحدةمساواة الجندر وتمكين المرأة بالتعاون مع منظمة العدل الدولية –جنيف، 26-28 أيلول2016، ص16.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن من أعظم جاء به الإسلام للمرأة أن صان كرامتها الإنسانية، وأوضح لها شخصيتها المستقلة، وأعطاها حريتها السامية في العمل والتعليم، والتملك وإبداء الرأي، فجعلها مسؤولة عن أعمالها – كالرجل تمامًا-. د. فؤاد العبد الكريم

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...