الإباحية الجنسية للجميع.. واحدة من كوارث الوثيقة الأممية الجديدة

الإباحية الجنسية للجميع.. واحدة من كوارث الوثيقة الأممية الجديدة

سيدة محمود[1]

تستعد نيويورك خلال هذه الأيام لاستقبال وفود رسمية على أعلى مستوى من رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء المائة والثلاث والتسعين في الأممالمتحدة؛ من أجل اعتماد وثيقة تصف نفسها بأنها “ميثاق للناس والأرض في القرن الحادي والعشرين”, الأمر الذي يستوجب الدقة فيتناول هذا الميثاق المزعوم الذي ُرادعولمته على شعوب المعمورة.

وقد مهد لصدور هذه الوثيقة أو الميثاق على حد وصفهم، عقد مؤتمرات، وتشكيل لجان تمخض عنهامجموعة من الوثائق، شكلت مرجعية للوثيقة النهائية المزمع اعتمادها والمعنونة بـ:

“تغيير عالمنا بحلول العام 2030.. جدول أعمال جديد للعمل التنمويالعالمي”

وقدأُشير إلى هذه الوثائق المرجعية في صلب الوثيقة بما يفيد اعتمادها كاملاً شأنها شأن سائر الوثيقة، وهذا من الخطورة بمكان؛ لأن بعض هذه الوثائق شهد سجالات،واعتراضات، وتحفظات عدة لكثير من الدول الأطراف، والتأكيد الأممي الأخير على تطبيقها كاملاً يعني أن تحفظات الدول كأن لم تكن شيئاً مذكورا، رغم أن هذه الاعتراضات لم تكن على مجرد فقرة، أو صياغة، أو حتى مصطلح، وإنما كانت تعبر عن رفض نمط حياة يمس معتقدات الشعوب وثقافتها وقيمها.

وسوف نتناول عبر هذا المقال واحد من الألغام الموجودة بالوثيقة، حتى وإن تسربل  بدثارات جوفاء، وشعارات براقة؛ بُغية ترويجه، وتيسير تمريره، وبخاصة من قبل الدول المحافظة, وهو: ((مصطلح الصحة الجنسية والإنجابية))

ذلك المصطلح الذي شنت النسويات هجوماً واسعاً في السابق؛ بسبب إسقاطه من أهداف الألفية فتقول إحداهن: “مما يثير الجدل أن التزام أهداف التنمية الدولية بتوفير الصحة الإنجابية للجميع قد أُسقط من أهداف الألفية التنموية نتيجة لمعارضة المحافظين لبرنامج القاهرة للسكان, وما تبقى هو بعض مؤشرات الصحة الجنسية، والإنجابية من بينها نسبة الوفيات بين الأمهات، ونسبة وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر, والأهداف الخاصة بالوقاية من مرض نقص المناعة المكتسبة “.[2]

ولكنهم نجحوا في إدماجه كاملاً في وثيقة التنمية المزمعاعتمادها هذه الأيام, ويصرح بهذا الأمين العام للأمم المتحدة في البند110 ” سيكون من الضروري حتماً أن تكون صياغة مجموعة الأهداف من أجل التنميةالمستدامة أوسع نطاقاً من صياغة الأهداف الإنمائية للألفية حتى تعكس التحدياتالجديدة”. [3]

وقد ورد مصطلح الصحة الجنسية والإنجابية بالوثيقة المزمع اعتمادها فيأكثر من بند:

“….وسنعمل على ضمان حصول الجميع على خدمات الرعاية الصحية الجنسيةوالإنجابية”[4]

   ” ضمان حصول الجميع على خدمات رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك خدمات ومعلومات تنظيم الأسرة والتوعية الخاصة به، وإدماج الصحة الإنجابية في الاستراتيجيات والبرامج الوطنية بحلول عام 2030″.[5]

والأشد خطورة أن هذه الخدمات لن تُترك لسيادة الدول أن تتعامل معها وفق قوانينها الوطنية أو نظامها الاجتماعى،وإنما نصت الوثيقة أن يكون وفقاً لبرنامج مؤتمر السكان ومنهاج عمل بكين.

“ضمان حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وعلى الحقوق الإنجابية، على النحو المتفق عليه وفقاً لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية, ومنهاج عمل بيجين, والوثائق الختامية لمؤتمرات استعراضهما “[6]

*   ما المقصود بالصحة الجنسية والإنجابية؟

 الفارق دقيق بين الصحة الجنسية والصحة الإنجابية,فالصحة الجنسية تشير إلى ما يتعلق بسلامة الجهاز التناسلي والممارسات الجنسية فقط، أما الإنجابية فيزيد على ذلك ما يتعلق بالإنجاب.

ولكي نفهم دلالة المصطلح، يتوجب فهمه بلغة المنشأ الذي صُكَّ فيه فها هي “مارجبيرير” والتي تتولى تحرير مجلة “شؤون الصحة الإنجابية” ReproductiveHealth Matters, التي تصدر في بريطانيا توضح مدلول المصطلح في افتتاحية العدد رقم 6 شهر نوفمبر 1998 حين ذهبت في نهاية مقالها إلى أن:”معنى الصحة الجنسية يشير إلى كل أنواع الممارسات الجنسية حسب تعريف منظمة الصحة العالمية، ووثيقة مؤتمر السكان والتنمية 1994 على أن تكون الأعضاءالتناسلية وما يرتبط بها من أجزاء الجسد الأخرى سليمة ومعافاة”[7]

والبند المشار إليه هو البند 94/جـ من وثيقة مؤتمرالسكان والتنمية بأنها:

(حالة سلامة كاملة بدنياً وعقلياً واجتماعياً في الأمورالمتعلقة بالجهاز التناسلي ووظائفه وعملياته) وهذا يعني أن الصحة الجنسية هي:

–     تمتع المخاطب بهذا البند بغض النظر عن حالته الزوجية[8]بكامل المعافاة في كل ما يخص جهازه التناسلي، ووظائفه، وعملياته.

–     تمتع المخاطب بهذا البند أياً كان توجهه الجنسي[9],بكامل المعافاة في كل ما يخص جهازه التناسلي، ووظائفه، وعملياته.

–      وبهذا يصير الختان أياً كان صورته فرعوني أو سني، ذكور[10]و إناث من الممارسات الضارة، والتي ينبغي وقفها بل وتجريمها.

–     ضرورة توفير التثقيف الجنسي كي يتعلم الأطفال والمراهقون كيفية السلامة من الأمراض الجنسية.

–     حق المرأة في إشباع غريزتها بالصورة التي تقررها هي، لا التي تضبطها لها أية معايير أخرى إلا معيار السلامة.

–     حق المرأة في الامتناع عن زوجها، فإذا وطأها بغير كامل رضاها، يعتبر هذا جريمة[11],يعاقب عليها القانون، وتسمى بـالاغتصاب الزوجي. [12]

وتم تعريف (الصحة الإنجابية)في البند (95) من وثيقة بكين بأنها تعني: «الاعتراف بالحق الأساسي لجميع الأفراد، والأزواج (couples) في أن يقرروا بحرية ومسؤولية عدد أطفالهم، وفترة التباعد فيما بينهم، وتوقيت إنجابهم, و أن تكون لديهم المعلومات والوسائل لذلك، وبالحق في بلوغ أعلى مستوى ممكن من الصحة الإنجابية والجنسية». ([13])

وهذا يعني تمتع المخاطب بهذا البند بـ:

–     أزواج كانوا أو أفراد لهم كامل الحرية في اتخاذ قرار الإنجاب من عدمه, والمقصود بأزواج Partners& couples  أي اثنين يعيشان معًا بغض النظر عن نوع الارتباط، والأفراد أي فرد يعيش بمفرده ويتمتع بحياته الجنسية كيفما يشاء.

–     حريةالمرأة والمراهقة في اتخاذ قرار الإنجاب دون أن تُقتل دفاعاً عن الشرف، أو أن توصم بمخالفة شرع، أو أعراف اجتماعية،أو حتى قانونية.

–     حريةالمرأة المتزوجة في أن تقرر تعقيم نفسها دون الرجوع إلى زوجها[14],فلها الحق في أن تتحكم وتبت بحرية في المسائل المتصلة بحياتها الإنجابية.

–     حق الجميع بمن فيهم الأطفال والمراهقين في الوصول إلى المعلومات حول الجانب الجنسي والإنجابي.

–     الحق في أن تكون وسائل منع الحمل متاحة للجميع, وبأسعار زهيدة ليتمكنوا من تأجيل الإنجاب.

 

*   أسباب ترويج المصطلح:

يسعى الغرب -بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية- سعياً محموماً في اتجاهين كل منهما نقيض الآخر, فهو يدفع بالأموال الطائلة لأقطاره فيسبيل تكثير النسل، وعلى الجانب الآخر ينفق المليارات في مشروعات تحديد النسل، وإنشاء مستشفيات التعقيم، وإنتاج حبوب منع الحمل لدول العالم الثالث، ويوجه المليارات منأجل ذلك. وهذه المليارات لو أنفقت في مجال النمو الاقتصادي لأثمرت نتائج إيجابية فيمجال التنمية؛ فلماذا يُصر الغرب على تحديد نسل العالم الثالث, وتزييف وعي شعوبه بأن التنمية تمر عبر التحكم في الديمغرافيا؟

إن هذا إنما يعني أن القضايا السكانية تمثل بالنسبة للغرب مجالاً استراتيجياً حيوياً للتدافع الدولي خلال القرن الواحد و العشرين، وقد أوردت مؤسسات غربية وأبرزها الكنيسة الكاثوليكية كثير من الإحصاءات والتقارير تدق ناقوس الخطر في أن نسبة المواليد في الدول الغربية في هبوط مستمر, وقد بلغت لدى بعضها درجة الصفر. [15] وهذا الانحسار السكاني سيؤدي إلى ركود اقتصادي واجتماعي خطير.

هذا في الوقت الذي يزيد فيه العالم الثالث، وفي القلب منه العالم الإسلامي زيادة هائلة, قال “ترومانستو لتنبرغ ” المفوض السابق لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة لصحيفة كريستيان سيانس مونيتور سنة 1990, “إن هذه الزيادة المضطردة في سكان العالم الثالث، والدول الإفريقية خاصة تهدد أمن الدول الأوروبية بشكل مباشر”.[16]

*   وسائل الغرب للحد من النمو السكاني لشعوب العالم الثالث:

لنيصل الغرب لمبتغاه والتبشير بما يريد إلا بتشويه الثقافات الأخرى كعملية لابدمنها،  فالتخلية تسبق التحلية، ولاسيما إنكانت هذه الثقافات تحتوي لقيم تؤدي إلى زيادة النسل؛ كالنظر إلى الزواج على أنهعبادة، وأن من مقاصده حفظ النسل، وتكاثر الذريات واستمرار الحياة,تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا أُبَاهِي بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ”  [17]، وأيضاً المسؤولية في الأسرة التي تحمل الرجل عبءالإنفاق، ورعاية الأسرة من كل النواحي, بما يجعل المرأة تتفرغ للإنجاب، فضلاً عن الاستقرار الأسرى الذي يهيئ للمرأة المناخ لإنجاب مزيد من الأطفال.  

أولاً : ضرب المنظومة العقدية بالتشكيك في الإسلام، وتشويه تعاليمه وبخاصة الطعن في تعددالزوجات؛ لأنه سبيل لتكثير النسل.

ليس هناك أيسر من خطاب المرأة، ومعاداة الإسلام لحقوقها الإنسانية سبيلاً ليشن أعداء الإسلام والحاقد ينعليه، وأعداء الإنجاب حرباً شعواء على الإسلام وأحكامه, وعلى المرأة المسلمة ومعاناتها من ” النظام الأبوي الذكوري ” والدين الذي يتحيز للرجال ويُميز ضد النساء، ولن يعدم أن يجد له وكلاء ينعقون بما يشاء فنجد إحداهن لا تستحيمن ربط الدين بالعنف, وتصويره على أنه أحد مظاهر العنف الذي يؤثر على صحة النساء الإنجابية فتقول تحت عنوان:

                 ((التأقلم مع العنف الذي يؤثر على صحة النساء الإنجابية والجنسية))

            “وقد تتعرض الفتيات في فترة الحيض إلى الإقصاء باعتبار أنهن لسن طاهرات ويدنسن المكان مما يخلق لديهن شعوراً بالقذارة والخجل، ويحذر القرآن في (سورة البقرة) على النساء والفتيات الحائضات لمس كتاب القرآن، والصيام، والصلاة على أساس أنهن غير طاهرات”[18].

ثانياً : ضرب المنظومة الأخلاقية, وإيهام المراهقين بأن تلبية الغريزة شأنه شأن تلبية الحاجة للطعام والشراب.

وأن يؤمن الجميع بما تؤمن به الثقافة الغربية من أن الجنسكالطعام، والشراب، والهواء، لا يمكن حرمان الجسد منه، وينبغي توفير وسائل منع الحمل بما يحقق للشباب تحديداً مغنمًا من المتعة بدون مغرم من النسل والذرية. وأنه على المجتمعات بدلاً من تقييد ممارسة الجنس بمجموعة من الأطر التشريعية والدينية،أن تعترف بحق الجميع في هذه الممارسات وتسمح بها علانية، بل ويجب على الحكومات,”استعراض وإصدار قوانين ولوائح تتعلق بالحد الأدنى لسن

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن من أعظم جاء به الإسلام للمرأة أن صان كرامتها الإنسانية، وأوضح لها شخصيتها المستقلة، وأعطاها حريتها السامية في العمل والتعليم، والتملك وإبداء الرأي، فجعلها مسؤولة عن أعمالها – كالرجل تمامًا-. د. فؤاد العبد الكريم

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...