الحقوق الاقتصادية للمرأة في الإسلام

 

يلخص سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع المرأة في الجاهلية قبل نزول الإسلام قائلا: ” كنا في الجاهلية ما نَعُدّ النساء شيء حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم”.. فقد كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحقوق فهي توأد صغيرة، تباع وتشترى شابة جميلة، وتورث كبيرة، حيث يرثها الرجل عن أبيه إذا مات كما يرث أي قطعة أثاث أو مال.. ثم جاء الإسلام بتعاليمه المنيرة لينير لها طريقها المعبد بالغيوم وليُبين أن المرأة إنسانة مُكرَّمة لها مكانتها العالية كابنة وأم وزوجة ومطلقة وأرملة ولديها كل الحق في التملُّك والميراث وأن يكون لها ذمتها المالية الخاصة بها، ولها حقوقها الشرعية والاقتصادية كالمهر والصداق، كما يحق لها التصدق والزكاة من مالها أو من مال زوجها ولكن بشروط.

وإذا قارنا ما جاء به الإسلام للمرأة، بما جاء به الغرب المتحضر للمرأة فسنجد أن الغرب لم ينصف المرأة كما أنصفها الإسلام، سنجد امرأة مغلوبة على أمرها، فحتى وقت قريب كانت القوانين الغربية تسلب المرأة حقوقها الاقتصادية والمادية، مثال على ذلك ما نشرته الجريدة الرسمية الفرنسية للقوانين في 20 فبراير سنة 1938 حينما أفادت بإلغاء القانون الخاص بمنع المرأة المتزوجة من توقيع أذون الصرف المالية، ومن فتحها حسابا جاريا في أي بنك من البنوك، ومن توقيع أي عقد مالي، ومن استيلائها على الإرث مباشرة بدون إذن القاضي في ذلك كله.. أي أن المرأة في الغرب كانت مسلوبة من كل هذه الحقوق قانونيا قبل هذا التاريخ. ومع نشأة الرأسمالية الاقتصادية وما تبعها من ثورة صناعية فتح الباب على مصراعيه أمام المرأة الأوروبية للعمل، ولكنها كانت تحصل على نصف ما يتقاضاه الرجل على العمل ذاته من أجر، بمعدل ساعات عمل يصل لنحو 17 ساعة، وفي ظروف عمل خطرة بالإضافة لتحملها كافة أعباء البيت والعائلة.

لا يوجد في الغرب أيضا ما يسمى النفقة، فالمرأة مسئولة عن كل شيء في حياتها، وليس الرجل مسئولا عن الإنفاق، وهي مضطرة إلى أن تنفق على نفسها وعلى زوجها في بعض الأحيان، كما أن الزوجان يتقاسمان المال مناصفة بينهما بصرف النظر عن رضاهما ومدى أحقية أحدهما بهذا المال عن الآخر، وبالنسبة للميراث أيضا فهو ميراث انتقائي وللشخص أن يحرم من يشاء من الميراث سواء الولد أو البنت، وإن كانت بعض الدول أعطت حق متساويا للأبناء في الميراث مهما كان الجنس.

ولكن ما هي الحقوق الاقتصادية التي منحها الإسلام للمرأة تفصيلا، وكيف ميزها وجعلها على هذا القدر العالي من الاستقلالية الإنسانية التي تمكنها من التصرف في مالها الخاص وأن يكون لها ذمتها المالية الخاصة؟ وهل المرأة على أرض الواقع تمارس كامل حقوقها الاقتصادية أم أن المجتمع ينتقص منها لصالح العادات والتقاليد.. هذا ما سنناقشه مع مستشارينا الشرعيين فيما يلي:
حقوق أقرها الإسلام

يقول د.محمد سعدي عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: لقد أقر الإسلام للمرأة الكثير من الحقوق التي لم تكن تتمتع بها بحرية قبل سطوع شمس الإسلام على الأرض، فقبل نزول الإسلام ـ على سبيل المثال ـ كانت المرأة محرومة من الإرث، بل كان ينظر إليها على أنها متاع تركه الزوج، فتدخل هي في الأشياء التي تقسم على الورثة، ومنع المرأة من الميراث ساد في الأعراف الجاهلية قبل الإسلام، فاليهود على سبيل المثال لا يورثون المرأة، والمرأة في الجاهلية الأولى لم تكن ترث شيئا في بعض قبائل العرب، أتى الإسلام وكانت هذه الحال وهذه الفوضى تعم الأرض، والأعراف الفاسدة التي تظلم المرأة وغيرها سائدة منتشرة بين الناس فحارب الإسلام هذه الأعراف الفاسدة، وأعاد للمرأة مكانتها، وإن كانت المرأة لاقت تمييزا خارج الإسلام فالمرأة المسلمة لاقت تميزا، فالمرأة لها حق طلب الطلاق في الإسلام كما لها أن تخلع  زوجها إن رفض الطلاق، ولها ذمتها المالية المستقلة، ولها الحق في البيع والشراء ولها الحق في التملك وجميع ألوان التصرف من هبة وهدية ووصية، ووقف. وغير ذلك, ولها الحق في التعلم والتعليم. وعلى ضوء هذا فللمرأة ذمتها المالية المستقلة التي تستطيع من خلالها أن تباشر حقها في إدارة مالها على الوجه الذي ترضاه.

ومن جهتها تقول أمل خيري الباحثة الإسلامية والاجتماعية: لقد تساوت المرأة مع الرجل في حمل أمانة التكليف المتمثلة في قوله تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”، ويشمل لفظ الإنسان هنا الذكر والأنثى على حد سواء وبذلك فإن الرجل والمرأة سيان في الأهلية التي هي مناط التكليف، وقد منح الإسلام للمرأة أهليتها الكاملة للتصرفات الاقتصادية من حيث جواز التملك والتصرف بالهبة والوصية والبيع وغير ذلك. في إطار قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية وللمرأة ذمة مالية مستقلة عن زوجها وأبيها وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: “للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن”.

ميراث المرأة ونفقتها

أما عن حقوق المرأة الاقتصادية في الإسلام وعناصرها يقول د.محمد سعدي: المرأة في التشريع الإسلامي مكفولة النفقة، تجلس في بيتها، وعلى زوجها أن ينفق عليها ولو كانت ميسورة، والنفقة هي كل ما تحتاج إليه لمعيشتها من طعام وكسوة ومسكن وفرش وخدمة حسب المتعارف بين الناس وهذا الإلزام للزوج بالإنفاق من مقتضى قوامته مصداقا لقول تعالى : ” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم.. “.

وهنا يجب التطرق لإرث المرأة الذي يعادل نصف إرث الرجل والذي يراه البعض خصوصا في الغرب أنه يخالف مبدأ المساواة بين إنسانية الرجل وإنسانية المرأة إلا أن الله عندما أوجب للمرأة نصف ميراث الرجل فسبب ذلك أنه أوجب عليه الإنفاق في أمور لم يوجبها على المرأة وهو الإنفاق على الزوجة والأسرة.

ويكمل سعدي قائلا: بالنسبة لراتب الزوجة فإن ما تتقاضاه الزوجة من راتب نظير عملها هو من حقها هي لا سلطان لأحد عليه إلا المرأة ولها حق التملك والتصرف فيه في أوجه الحلال كتجارة وغيرها، ولها أن تنفق منه على أهلها، ما دامت ملتزمة بشروط الإنفاق العامة مثلها مثل الرجل سواء بسواء، أما إذا اشترط الرجل قبل الزواج على المرأة أن يسمح لها بالعمل نظير أن تساعده بشيء في نفقة البيت ورضيت المرأة والتزمت بهذا قبل الزواج فإنه يجب عليها أن تلتزم بالشرط الذي قبلته على نفسها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً.

 ليس للمرأة أيضا أن تجبر على أن تنفق في البيت، والزوج إن كان منفقا على زوجته بالمعروف فله إما أن يسمح لها بالعمل دون أن يأخذ منها شيئا، وإما أن يمنعها من العمل ولا يأذن لها بالخروج للعمل ما دام موسرا لأنه من المعلوم أن نفقة البيت ونفقة الزوجة والأولاد كلها تقع على عاتق الرجل وليس على المرأة. أما إذا أعسر الزوج بالنفقة أو امتنع عن النفقة عليها ففي هذه الحالة لها أن تخرج لكي تبحث عن نفقتها.

يستطرد سعدي مؤكدا أن للزوجة ذمتها المالية المستقلة التي تمنع غيرها من التسلط على مالها فلا يجوز للزوج مثلا أن يتسلط على مال امرأته دون رضاها، فإن فعل هذا يكون قد أكل أموال الناس بالباطل، والحق سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (البقرة: من الآية188) وفي الحديث الذي أخرجه الدارقطني: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه” ليس له أن يأخذ من مال زوجته شيئا دون رضاها.

أما عن مشاركة المرأة لزوجها بمالها، يقول د.سعدي: إن هذا يعود إليها دون أن تجبر على هذا، علما أنه إن رضيت المرأة بأن تدفع شيئا لزوجها دون إكراه أو ضغط فهذا لها، وقال تعالى: “وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا  [النساء/4]

وخير الصدقة هي الصدقة على الزوج والولد، ويشهد لهذا حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري في صحيحه, أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت يا نبي الله: إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” صدق ابن مسعود ، زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم“.

وقال صلى الله عليه وسلم: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة” رواه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح.

 

فالمرأة يندب لها أن تشارك زوجها وأولادها في مالها ويكون لها هذا العمل من أرجى أعمالها الصالحة أمام الله تعالى.
تصدق المرأة وصداقها

واستكمالا لحقوق المرأة الاقتصادية في الإسلام تقول أمل خيري: كانت العادات الجاهلية تقضي بحرمان النساء والصغار من الميراث حيث اقتصر التوريث على الذكور المقاتلين الذين يحوزون الغنيمة ويحمون الذمار وقد استمرت عادة حرمان النساء من الميراث إلى أن ظهر الإسلام فذهبت أم كحلة وهي من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : ” يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث “، فقال عم ابنتها: ” يا رسول الله، هي لا تركب فرسا ولا تحمل كلا (أي لا تلي أمر العيال والسعي عليهم) ولا تنكي عدوا (أي لا تجرح عدوا) يكسب عليها ولا تكتسب ” فنزل قول الله: “ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً” وبذلك انتصف الإسلام للمرأة ومتعها بالتملك والمال الموروث شأنها شأن الرجل.

من الحقوق التي فرضتها الشريعة الإسلامية أيضا للمرأة ما ألزمت به الرجل وفقا لإمكانياته من دفع مهر أو ما يسمى الصداق للمرأة فيقول عز وجل: “وآتوا النساء صدقاتهن نِحلة“. والمهر هو عطاء خالص من الزوج لزوجته وهذا العطاء هو نحلة أي ليس أجرا أو ثمنا بل هو عطاء يوثق المحبة ويربط القلوب ويديم العشرة وهذا الصداق يصبح حقا خالصا للمرأة وحدها تتصرف فيه كما تتصرف في سائر أموالها .

أما عن حق المطلقة، فقد أوجب الإسلام للمرأة إذا طلقت نفقة العدة مثلما وجبت لها في حياتها الزوجية وأوجب لها المتعة وهي ما يبذله الرجل بعد طلاقها غير نفقة العدة مما تحفظ به نفسها وكيانها، يقول تعالى “وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين“.

وتكمل خيري حديثها قائلة: إن الإسلام أجاز للمرأة أيضا الشهادة على المعاملات الاقتصادية والمالية، فقد نصت آية المداينة في سورة البقرة نصا صريحا على جواز الأخذ بشهادة المرأة في المعاملات الاقتصادية والمالية، فيقول الله تبارك وتعالى: ” فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى“.

ويترتب على حق المرأة في التملك والتصرف في أموالها أن تنفق من مالها في سبيل الله على الفقراء والمحتاجين فعليها إيتاء زكاة مالها من مال وحليّ ونحوه كما يجوز لها أن تتصدّق من مالها على الأوجه التي تختارها، كما يحق للمرأة أن تأخذ من مال زوجها للإنفاق على نفسها وبيتها بالمعروف إذا كان بخيلا فعن عائشة رضي الله عنها: أن هندا بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف“.
أما الواقع العملي لممارسة المرأة لهذه الحقوق تقول خيري: إن الوقع يؤكد أن الإسلام في تأصيله الشرعي برئ كل البراءة من أي تمييز ضد المرأة وأنه ليس مسئولا عن الممارسات الخاطئة لدى بعض المسلمين الناشئة عن قصور فهم للإسلام أو موروثات اجتماعية أو ثقافية خاطئة توارثها البعض دون إعادة النظر فيها أو التفكير ظنا منهم أنها هي الإسلام نفسه وهؤلاء نجد مثلهم في قوله تعالى “ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مهتدون“.

وحينما يتحرر العقل المسلم ويعيد التمسك بالأصول التشريعية الثابتة ويطبق تعاليم الإسلام السمحة لن نجد امرأة مسلمة تعاني من اضطهاد أو تمييز في المجتمعات الإسلامية.

المصدر:

http://www.wafa.com.sa/node/10055

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز