حقوق المرأة في النظام القضائي (6)

 

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعي الأفاضل – في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وما زال الحديث متصلًا في ثماني حلقات عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معِينةً لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاةً لوضعها وطبيعتها).

وقسمت حديثنا على أربعة محاور، وما زال الحديث عند المحور الثاني: “حقوق خلال العِشرة الزوجية”.

وفي هذه الحلقة، أسلط الضوء على ما يتعلق بتنفيذ الأحكام القضائية في الجوانب الأسرية.

مستمعي الأفاضل، للحُكم القضائي نفوذُه وقوته، وهو واجب التنفيذ؛ إحقاقًا للحق، وإنصافًا لصاحبه؛ ولذا جاءت النصوص الشرعية والنظامية مؤكدةً على أهمية تنفيذ ما يحكُم به القضاء، وإلا أصبح القضاء دون جدوى.

جاء في المادة السادسة والتسعين بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية:

(يتم التنفيذ بموجب نسخة الحكم الموضوع عليها صيغة التنفيذ، وصيغة التنفيذ هي: “يطلب من كافة الدوائر والجهات الحكومية المختصة العملُ على تنفيذ هذا الحكم بجميع الوسائل النظامية المتبعة، ولو أدى إلى استعمال القوة الجبرية عن طريق الشرطة”.

ولكن النظام القضائي السعودي راعى طبيعة القضايا الأسرية، فاستثنت اللائحة التنفيذية لهذه المادة صورةً مهمة، ونصها: “لا تشمل هذه المادة الحكم على الزوجة بالعودة إلى بيت الزوجية، حيث تُفهم عند الحكم بسقوط حقوقها الزوجية إن هي رفضت العودة، ويدوَّنُ ذلك في الضبط والصك”.

وذلك لأنه لا يمكن – بأي حال من الأحوال – أن تُجبر الزوجة على العودة إلى بيت الزوجية؛ لأن هذا من التكليف بما لا يُطاق، ولكن إذا امتنعت الزوجة عن العودة إلى بيت الزوجية بسبب عدم قيام زوجها بواجبه في النفقة والمسكن ونحوهما، فإن الزوج يُجبر على تنفيذ هذه الواجبات وَفق ما ورد في الشريعة الإسلامية، والإجراءات المنصوص عليها في نظام التنفيذ الصادر عام 1433هـ.

وقد خصص نظام التنفيذ فصلاً مستقلاًّ لتنفيذ الأحكام القضائية في مسائل الأحوال الشخصية، ومما ورد فيه: في المادة الثالثة والسبعين: (تنفذ القرارات والأحكام الصادرة في مسائل الأحوال الشخصية بالطرق المقررة في هذا النظام، إذا اقتضى ذلك الحجز على الأموال وبيعها، وإذا تضمن التنفيذ دفع أموال بشكل دوري، فيجري التنفيذ من خلال ترتيبات تحددها اللائحة).​

وفي المادة الرابعة والسبعين: (تنفذ الأحكام الصادرة بحضانة الصغير، وحفظه، والتفريق بين الزوجين، ونحو ذلك مما يتعلق بالأحوال الشخصية جبرًا، ولو أدى ذلك إلى الاستعانة بالقوة المختصة (الشرطة)، ودخول المنازل، ويعاد تنفيذ الحكم كلما اقتضى الأمر ذلك).

وفي المادة الخامسة والسبعين: (لا ينفذ الحكم الصادر على الزوجة بالعودة إلى بيت الزوجية جبرًا).

وأما المادة السادسة والسبعون: فتبين طريقة تنفيذ الحُكم الصادر بزيارة الصغير، ونصها: (يحدِّد قاضي التنفيذ طريقة تنفيذ الحكم الصادر بزيارة الصغير ما لم ينصَّ الحكم عليها، ويجري التنفيذ بتسليم الصغير في مكان مهيَّأٍ ومناسب لهذا النوع من التنفيذ، وتحدد وزارة العدل تلك الأماكن في اللائحة، على ألا يكون في مراكز الشرط ونحوها).

وواضحٌ من نص المادة: أن تنفيذ الحكم الصادر بزيارة الصغير يكون وَفق الحكم الصادر بشأنها من القضاء، فإن لم يتضمنِ الحكمُ بيان ذلك تولى قاضي التنفيذ تحديدَ مكان الزيارة حسب الأصلح للصغير ووالديه ونحوهما؛ فقد يقرر قاضي التنفيذ أن تكون الزيارة في مكان إقامة الصغير، أو في بيت أحد أقاربه، أو في مكان يُخصص لذلك تحت إشراف المؤسسات الحكومية أو الخيرية المختصة بالشؤون الأُسَرية والاجتماعية، ومن باب الاحتياط نصت المادة على أنه لا يجوز – بحال – أن يكون تنفيذ زيارة الصغير في مراكز الشرط ونحوها من القطاعات الأمنية؛ لأنها غير مهيأة، ولا يناسب تنفيذ الزيارة فيها بسبب خصوصية الصغير، وطبيعة الزيارة.

ومما يتعلق بالقضايا الأسرية وعناية المحاكم بها: التأكيد على سرعة البتِّ في القضايا الأُسرية:

فنظرًا لطبيعة الدعاوى في الأمور الأسرية، فإن التعليمات المبلغة للمحاكم تقضي بسرعة البت في هذه القضايا قدر الإمكان.

ومن ذلك ما ورد في التعميم الصادر من وزارة العدل برقم 13/ت/1990 في 7 /5 /1423هـ، ونصه: (نظرًا للآثار المترتبة على قضايا الطلاق وأبعادها الاجتماعية والأخلاقية، وبناءً على الدور الهام في المسؤولية الملقاة على أصحاب الفضيلة القضاةِ في نظر القضايا الناشئة عن الطلاق من النفقة والحضانة ونحوها، وحيث إن سرعة البتِّ في هذا النوع من القضايا تسهم – بإذن الله – في الحد من الآثار الناجمة عن الطلاق، وحفظ حقوق المطلقة وأولادها من مطلقها؛ لذا نرغب من أصحاب الفضيلة القضاةِ العملَ على مراعاة هذا الجانب، وإعطاءَه ما يستحقُّ من الاهتمام والعناية؛ حمايةً لجانب الأسرة، ومحافظة على الحقوق، ودرءًا لِما ينشأ من مفاسدَ نتيجة أي تأخير في سرعة البت في هذا النوع من القضايا، والعمل وَفق مقاصد الشريعة في دفع المفاسد وتحقيق المصالح)؛ انتهى.

ولكن ينبغي العلمُ أن المحكمة لا تحكم في أي قضية إلا بعد استكمال ما يتعلق بها من سماع الدعوى والإجابة واستيفاء البينات، وغالبًا ما يطول أمدُ التقاضي بسبب الخصوم أنفسهم؛ إما لتخلُّفِهم عن بعض الجلسات، أو التأخر في إحضار البيِّنات والطعن فيها، ونحو ذلك.

ومما يتأكد لدى المحاكم العناية بأماكن انتظار النساء، وإعدادها بما يليق بها، وقد ورد التأكيد على ذلك في تعاميمَ وزارية حثَّت على إيجاد صالات خاصة بالنساء في المحاكم العامة والجزئية وكتابات العدل، تقدم الخدمة في قضايا المرأة، من حيث استقبال الطلب، ومتابعة إبلاغها بموعد الحضور لدى القاضي وغير ذلك .. كما تقدم الخدمة في الطلبات الإنهائية، وما يتعلق بالوكالات والتوثيق، وتكون هذه الصالة مزودة بشبكة الحاسب الآلي، والقوى العاملة المؤهلة ذات الكفاءة والديانة، وأن تكون الأماكن المخصصة للنساء تفصل عن مواقع الموظفين بزجاج عازل للصوت، ولها فتحات يتم التعامل من خلالها مع النساء.

وأختم هذه الحلقة بمسألة يكثر طرحها في وسائل الإعلام، وهي: هل يشترط مرافقة المحرَم للزوجة في حال تقديم الدعوى والمراجعة ونظر الدعوى؟

والجواب: الأصل أن يكون مع المرأة حال مراجعتها للمحكمة مَحرَمٌ لها، يساعدها في إيصالها للمحكمة، وإنهاء إجراءات قضيتها، أما إذا لم يتيسر ذلك، فإن هذا لا يمنع من قبول دعوى المرأة، والشروع في نظر قضيتها؛ حيث إن المحذورَ والممنوع حصولُ الخَلوة، وهو ممتنع في المحكمة؛ لوجود الكتَّاب والموظَّفين، وغيرهم.

مستمعي الأفاضل، هذا ما تيسر ذكره، ولنا لقاء – بإذن الله تعالى – لإكمال الحديث عن جوانب العناية بالقضايا الأسرية لدى المحاكم.

 

 

المصدر:

http://cutt.us/ItQy8

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز