حقوق المرأة في النظام القضائي (4)

 

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعي الأفاضل – في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وما زال الحديث متصلًا في ثماني حلقات عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معِينةً لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاةً لوضعها وطبيعتها).

وقسمت حديثنا على أربعة محاور، ووقف بنا الحديث عند المحور الثاني: “حقوق خلال العِشرة الزوجية”، وأشرتُ في الحلقة الماضية إلى أن الشريعة الإسلامية قرَّرت للمرأة جملة من الحقوق، وجاء القضاء السعودي منفذًا لذلك، وأن للمرأة حال العِشرة الزوجية حقوقها المشروعة، ومتى أخَلَّ زوجها بشيء من تلك الحقوق، كان لها المطالَبة به عبر القضاء.

ومن الأمور الهامة في التقاضي والخصومات في المنازعات الأسرية: معرفة الاختصاص القضائي للمحاكم:

جاء في المادة الثانية والثلاثين من نظام المرافعات الشرعية المبينة لاختصاصات المحاكم العامة:

(من غير إخلال بما يقضي به ديوان المظالم، تختص المحاكم العامة بجميع الدعاوى الخارجة عن اختصاص المحاكم الجزئية، ولها – على وجه الخصوص – النظرُ في الأمور الآتية:

ب- … وإثبات الزواج، والوصية، والطلاق، والخُلع، والنسب، والوفاة، وحصر الورَثة.

ج – إقامة الأوصياء، والأولياء، والنظار، والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذنَ القاضي، وعزلهم عند الاقتضاء.

د – فرض النفقة وإسقاطها.

هـ – تزويج مَن لا وليَّ لها مِن النساء.

وفي اللائحة التنفيذية لهذه المادة:

32/4 يراعى لإثبات الخُلع: اقترانه بإقرار المخالع بقبض عِوَض المخالعة، أو حضور الزوجة، أو وليِّها للمصادَقة على قدر العِوض، وكيفية السداد.

32/7 ليس للقاضي توليةُ الأب على أولاده؛ لأن الأصل ولايته شرعًا، وله إثبات استمرار ولايته عند الاقتضاء، كما له رفع ولايته فيما يخص النكاح، أو المال، أو الحضانة، أو جميعها لموجبٍ يقتضي ذلك.

32/10 للقاضي عزل الأولياء والأوصياء والنظَّار حال عجزهم أو فقدهم الأهليةَ المعتبرة شرعًا.

32/11 يدخل في فقرة (مَن لا وليَّ لها من النساء): مَن انقطع أولياؤها؛ بفقدٍ، أو موتٍ، أو غَيبةٍ يتعذر معها الاتصال بهم، أو حضورهم، أو توكيلهم، ومَن عضَلها أولياؤها، وحُكِم بثبوت عضلهم، ومَن أسلَمَتْ وليس لها وليٌّ مسلم.

ومن أبرز الأمور والأحكام التي تؤخذ من هذه المادة ولائحتها:

1 – حق المحكمة في إقامة الأوصياء، والأولياء، والنظَّار، والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذن القاضي، وعزلهم عند الاقتضاء؛ إذ للمحكمة ولايةٌ وسلطة تمكِّنُها مِن عزل الولي عند تعسفه أو امتناعه مما فيه مصلحة لِمَن هو مولى عليه.

2 – فرض النفقة على الأبِ والزوج ونحوهما إذا حصل منهم امتناع عن أداء هذا الحق.

3 – وللمحكمة أيضًا حقُّ إسقاط النفقة عند قيام ما يوجب ذلك، كما لو نشزت الزوجة وهجَرت بيت زوجها دون عُذر.

4 – التأكيد على المحاكم بتضمين إقرار المخالع بقبض عوض المخالعة، أو حضور الزوجة، أو وليِّها للمصادقة على قدر العوض، وكيفية السداد؛ لأن في ذلك حفظًا لحقِّ الزوجة المخالعة.

5 – للقاضي رفعُ ولاية الأب فيما يخص النكاح، أو المال، أو الحضانة، أو جميعها – لموجِبٍ يقتضي ذلك، كما لو امتنع من تزويج مَوْلِيته أو إعادتها إلى زوجها.

ومن أبرز الأمور المتعلقة بإجراءات رفع الدعوى معرفة الاختصاص المكاني لإقامة الدعوى في المسائل الزوجية.

فمن المتقرر فقهًا ونظامًا أن الدعوى تقام في بلد المدعَى عليه؛ أي: إن على المدعي رفعَ دعواه في محكمة البلد الذي يقيم فيه المدعَى عليه؛ وذلك استصحابًا لبراءة الذمة؛ إذ إن الأصل سلامة جانب المدعَى عليه، ولا يصار إلى إلغاء هذا الأصل إلا بعد إقامة الدعوى وثبوتِها، وإلزام المدعَى عليه بما وجب عليه قضاءً، وقد ورد التأكيد على هذا المبدأ في المادة الرابعة والثلاثين من نظام المرافعات السعودي، ونصها:

(تقام الدعوى في المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعَى عليه، فإن لم يكن له محل إقامة في المملكة، فيكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعِي، وإذا تعدد المدعى عليهم، كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة الأكثرية، وفي حال التساوي، يكون المدعِي بالخيار في إقامة الدعوى أمام أي محكمة يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة أحدهم).

إلا أن اللائحة التنفيذية لهذا النظام استثنت المسائل الزوجية من هذه القاعدة؛ حيث ورد في الفقرة (هـ) من لائحة المادة الرابعة والثلاثين ما نصه: (للزوجة في المسائل الزوجية الخيار في إقامة دعواها في بلدها أو بلد الزوج، وعلى القاضي إذا سمع الدعوى في بلد الزوجة استخلاف قاضي بلد الزوج للإجابة عن دعواها، فإذا توجهت الدعوى ألزم الزوج بالحضور إلى محل إقامتها للسير فيها، فإذا امتنع سمعت غيابيًّا، وإذا لم تتوجه الدعوى ردها القاضي دون إحضاره، ويَسري هذا الحُكم على دعاوى الحضانة والزيارة في الأحوال الشخصية).

وواضحٌ من ذلك أن للزوجة في المسائل الزوجية – وما يُلحق بها من دعاوى الحضانة والزيارة في الأحوال الشخصية – الخيارَ في إقامة دعواها في بلدها أو بلد الزوج، وفي هذا مراعاةٌ لحال الزوجة، وتيسير لها عند رفع الدعوى من قِبَلها في المسائل والخلافات الزوجية.

ونظرًا لخصوصية المطالبة بالنفقة فقد ورد فيها التخيير في مكان إقامة الدعوى؛ ففي المادة السابعة والثلاثين من نظام المرافعات: (استثناءً من المادة الرابعة والثلاثين يكون للمدعي بالنفقة الخيار في إقامة دعواه في المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محلُّ إقامة المدعَى عليه أو المدعِي).

وفي تفصيل المقصود بهذه المادة بيَّنت اللائحة التنفيذية لها: أن هذه المادة تشمل كون المستفيد من النفقة ذكرًا أو أنثى، وأن أحكام هذه المادة تَسري على المطالبة بالنفقة أو زيادتها، أما المطالبة بإلغائها أو إنقاصها فتكون وَفق ما جاء في المادة (34) التي نصت على أنه: (تقام الدعوى في المحكمةِ التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعَى عليه).

والمقصود من هذه المادة: التيسيرُ على المدعي الذي يطالب بالنفقة؛ لأن النفقة حقٌّ واجب على المنفق، ولأنها تتعلَّق بنفس المُنفَق عليه، ونماءِ جسده، وبقاء حياته بإذن الله تعالى، وهي لا تقبَل التأجيل، كما أن الغالب أن المدعيَ بالنفقة ضعيف الحال، وربما شق عليه الانتقال إلى محل إقامة المدعى عليه.

ونقف هنا مستمعي الأفاضل؛ لانتهاء وقت البرنامج، على أمل أن نلتقي في حلقة قادمة بإذن الله تعالى لمواصلة الحديث عن الاختصاص القضائي في مسائل الأسرة.

 

المصدر:

http://cutt.us/v0JEF

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز