حقوق المرأة في النظام القضائي (1)

 

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعي الأفاضل – في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وقد رأيت تخصيص ثماني حلقات للحديث عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، ومن أبرز الأسباب التي دعت لذلك:

1- إبراز عناية الشريعة الإسلامية والأنظمة التي لا تتعارض معها بحقوق المرأة.

2- إبراز الجوانب المشرقة التي حظيت بها المرأة السعودية في الأنظمة القضائية.

3- استعراض أبرز الحقوق التي تضمنتها الأنظمة القضائية السعودية للمرأة.

4- التنبيه إلى أخطاء تقع فيها المرأة؛ مما يسبب ضياع بعض حقوقها.

أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها معِينة على حفظ الحقوق، وحسن تأديتها.

وقبل الشروع في الموضوع أبين المراد بحقوق المرأة والنظام القضائي السعودي.

• الحقوق: جمع حق، و”(الحق) ضد الباطل؛ {مختار الصحاح (1 / 77)}.

قال في مقاييس اللغة (2 / 15): (حق) الحاء والقاف: أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته؛ فالحقُّ نقيض الباطل، ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج، وحسن التلفيق، ويقال: حق الشيء: وجَب”.

• والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معِينة لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خصت بها المرأة؛ مراعاة لوضعِها وطبيعتها).

• والمراد بالنظام القضائي السعودي في هذه الورقة: الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية في القضاء العام، ومن أهمها:

1- نظام القضاء الصادر عام 1428 هـ.

2- نظام المرافعات الشرعية الصادر عام 1421هـ.

3- التعليمات المبلغة من وزارة العدل للمحاكم وكتابات العدل.

• ومما ينبه إليه قبل الشروع في تفصيلات الموضوع: أن الأصل شمول الأنظمة والتعليمات للرجال والنساء، كما هو مقتضى الخطاب التكليفي الشرعي، إلا أنه – ولِما تختص به النساء وتنفرد به عن الرجال – جاءت بعض التكليفات الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية موجهةً للنساء، وكذلك في الأنظمة عمومًا، والأنظمة الحقوقية والقضائية خصوصًا.

• بل إنه صلى الله عليه وسلم يؤكد على حق المرأة، ويصفها بوصف يغلِب عليها مقارنة بالرجال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أحرِّجُ حق الضعيفين: اليتيم والمرأة))؛ أخرجه أحمد في المسند (15 / 416)، والنسائي في السنن الكبرى (8 / 254)، وابن ماجه في السنن (2 / 1213)، وحسنه الألباني في الصحيحة (1015).

قال السندي شارحًا الحديث: “(إني أحرج) بالحاء المهملة من التحريج أو الإحراج؛ أي: أضيِّق على الناس في تضييع حقهما، وأشدِّد عليهم في ذلك، والمقصود: إشهاده تعالى في تبليغ ذلك الحُكم إليهم، وفي الزوائد: المعنى: أحرج عن هذا الإثم، بمعنى أن يضيع حقها، وأحذِّر من ذلك تحذيرًا بليغًا، وأزجر عنه زجرًا أكيدًا؛ قاله النووي”؛ {انظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه 2/ 393}.

• ولذا لا نعجَبُ إن رأينا تخصيص النساء في الأنظمة القضائية ببعض الاستثناءات التي تراعي وضعَهن وطبيعتهن.

• فالمرأة بطبعِها عاطفية، وربما استُغِلَّت هذه العاطفةُ من بعض القريبين فبخَسوا المرأة حقها، أو أكَلوه دون عِوَض ولا رضا.

يقول ربنا – تبارك وتعالى – عن حقِّ المرأة في الصداق، وأنه خاص بها: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4]، قال الشيخ عبدالرحمن السعدي – رحمه الله تعالى -: (ولما كان كثير من الناس يظلِمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، خصوصًا الصداق الذي يكون شيئًا كثيرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعُه للزوجة، أمَرهم وحثهم على إيتاء النساء ﴿ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾؛ أي: مهورهن، ﴿ نِحْلَةً ﴾؛ أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن، أو تبخَسوا منه شيئًا.

وفيه: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملِكه بالعقد؛ لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك، ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ﴾؛ أي: مِن الصداق، ﴿ نَفْسًا ﴾ بأن سمَحْن لكم عن رضًا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المعاوضة عنه، ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4]؛ أي: لا حرجَ عليكم في ذلك ولا تبِعة، وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها – ولو بالتبرع – إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حُكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به)؛ انتهى.

ولذا لا عجبَ حين تخص المرأة بشيء من العناية في حفظ حقوقها، وهذا منهج قرآنٌّي سارت عليه التنظيماتُ القضائية التي جعلت الشريعة الإسلامية أساسها.

• وسأقتصر في هذه الحلقات على الإشارة إلى الحقوق التي تختص بها المرأة في الأنظمة القضائية، وإبراز الجوانب التي تبين عناية الأنظمة القضائية بالمرأة.

وأما القواعد العامة التي كفَلتها الأنظمة لحفظ الحقوق، وتحصيلها، والمطالبة بها، مما يستوي فيه الرجال والنساء – فلن أعرِّج عليه؛ لكونه معلومًا في الجملة، ولأن استعراض وسائل حفظ الحقوق في الأنظمة القضائية موضوع طويل متشعب.

• وسيكون تناولُ الموضوع في هذه الحلقات عبر المحاور الآتية:

1- حقوق وتعليمات عند عقد النكاح.

2- حقوق خلال العِشرة الزوجية.

3- حقوق عند انتهاء العِشرة الزوجية.

4- وصايا وتنبيهات.

• ومنهجي في هذه الحلقات المخصصة استعراض أبرز الموضوعات والمواد التي تبين حرص النظام القضائي السعودي على حقوق المرأة، مع الاختصار قدر الإمكان في إيضاح المقصود والشاهد.

وموعدنا في الحلقة القادمة – بإذن الله تعالى – للحديث عن المحور الأول في هذه الحلقات تحت عنوان: حقوق وتعليمات عند عقد النكاح.

المصدر:

http://cutt.us/kmfrm

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز