الولاية المغلوطة: وأد جديد (2-4)

ذكرنا في الحلقة الأولى  أن  حرمان المرأة من ميراثها الشرعي، نوع من ممارسات الولاية المغلوطة والظلم، يشبه في آثار هو بشاعته وأد الجاهلية، واليوم نستكمل حديثنا حول نوع آخر من الوأد يتمثل في الولاية المغلوطة عند تزويج الفتيات؛ إذ أي دفن وقهر هو أشدُّ على نفسِ فتاةٍعفيفة كريمة ذات رأي وعقل مِن أن يُجبرها وليُّها على أن تتزوج مَن لا ترغبه، أوليس كفئا لها، أو يعضلها ويمنعها من الزواج بالكُفْء الذي  يتقدَّم لها وترغبفيه؟!

إن أكثر الآباء قد يأخذون رأي بناتهم الصغيرات في نزهةٍ قصيرة، أو يُخيِّروهن بين أنواع من الحلوى قبل أن يشتروها لهن ـ مع التزامهم بالتوجيه والإرشاد إنْ أسأْنَ الاختيار، بل والمنع إذا اخترن أشياء قدتضرَّ بهن ـ وهكذا في أمور كثيرة، ولو لم يأخذوا رأيهنَّ فيها لما كان عليهم لوم أو عتاب؛ لأنها أشياء قد لا تؤثر في مسيرة حياتهن ولا مستقبلهن. وإن كانت ممارسة الاختيار لها فوائد كثيرة لا تخفى على أحد، ولكن هؤلاء الصغيرات إذا لم تعجب إحداهن النزهة قد تحتملها إرضاءً لأبيها، كذلك الحلوى إذا اشتراها والدها من نوعلا ترغب فيه، يمكنها أن تتخلص منها بطرق شتى؛ لأن اختياره لم يُوافق مزاجهاوالطَّعم الذي تحبه، مع أنها لو أكلتها لن تتضرر، وطعمها يزول بعد دقيقة أو أقل.

فإذا كان أي عاقل يقول باستحسان الاختيار والمشاركة في القرار في مثل هذه الأشياء اليسيرة جدًّا، والتي لا تشكِّل ـ غالبًاـ تأثيرًا في مسار حياة بناتنا الصغيرات، فكيف يمكن أن يأتي بعض الآباء أو أولياء المرأة ليحرموا فتياتهن المقبلات على الزواج من حقهن  في إبداءرأيهن في قرارات مصيرية؛ كالخاطب الذي يتقدم لطلب الزواج بهن، وأخذهن لبَناء أُسرةجديدة، وبيت جديد، وحياة جديدة يقضين فيها بقية عمرهنَّ؟ إن قرارها هنا سيؤثر علىحياتها لثلاثين أو أربعين عامًا أو أكثر.

إن وجود بعض الفتيات ضعيفات الرأي أو غيرالناضجات أو السيئات، اللاتي يَحْتَجنَ إلى مزيد من الرعاية والوصاية وحسن التدبير لمصالحهن مِن أوليائهن، لا يُمكن أن يلغي الأصل العام؛ وهو حق الفتاة في الموافقة أو الرفض تجاه مَن يتقدم لخطبتها، ما لم تكن مُتَّهمة في عقلها أو رأيها أو ضَعْف نفسها، حتى وصل الأمر بالإسلام في اعتبار رأيها أن يأتي التوجيه النبوي صريحًا فيوجوب أخذ الأمْر مِن الأيِّم لإمضاء عقد الزواج؛ حيث قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تنكح الأيم حتى تُستأمَر»[رواه البخاري وغيره]. والمرأة الأيم هي التي لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيِّبًا،مطلَّقة كانت أو مُتَوَفًّى عنها، ويريد بالأيِّم في هذا الحديث الثِّيَّبَ خاصَّة.

وإذن فاعتقادُ أو ظنُّ بعض الآباء أو أولياء المرأة بعدم أحقية ابنتهم في الاختيار وقرار الارتباط بخاطبٍ ما ليس صحيحًا، ونزيدعلى ذلك أن كثيرًا من أهل العلم رأوا أنه يحقُّ لها أن تلي بنفسها لنفسها عقدالنكاح، إذا احتاجت لذلك أو دعت إليه الحاجة.  

قال الإمام الشوكاني في “نيل الأوطار”: “ظاهرالأحاديث أن البكر البالغة إذا تزوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم”.

وقال الإمام ابن القيم في “زاد المعاد”، بعد أن ذكَر ماحكم به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وجوب استئذان البكر: “وموجب هذا الحكم ألا تُجبرالبكر البالغ على النكاح، ولا تزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبيحنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي نَدين به، ولا نَعتقد سواه، وهوالمُوافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه”.

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن حرص الإسلام على إثبات الولاية  لأولياء المرأة في تزويجها، خاصة أن الجمهور يرى أن الولي شرطا للزواج؛ أخذًا بحديث:”لا نكاح إلا بولي“[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وصححه العلماء].

والحق أن هذا الحرص لحِكَمٍ تتعدد وتتنوع، منها أن يتم الزواج بتراضيأسرتي طرفي العلاقة، وكي لا تكون المرأة إن تزوجت بغير إذن أهلها، تحت رحمة الزوج وتسلطه؛ حيث لم يكن لأهلها رأي في زواجها، كما أن اشتراك الولي في تزويجها، وحدوثالزواج تحت إشرافه يُثبت إقرار العائلة لهذا الزواج؛ مما يساعد على توثيق روابط المودة بين العائلتين، وبين الزوجين أيضًا؛ فالزواج ليس مجرد علاقة بين امرأة ورجل، وإنما هي أيضًا بداية لصلة وتواصل بين عائلتين أو أسرتين. 

وهكذا نرى أن ولاية التزويج ليست سيفًا مصلتًا في أيدي أولياء المرأة، بحيث يزوجونها لمن شاءوا أو يعضلونها ـ عَضْل المرأة يعني منعها من الزواجمِن كُفْئها ـ دون اعتبار لها أو لإرادتها الحرة.

 

المرجع:

موقع لها أون لاين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن من أعظم جاء به الإسلام للمرأة أن صان كرامتها الإنسانية، وأوضح لها شخصيتها المستقلة، وأعطاها حريتها السامية في العمل والتعليم، والتملك وإبداء الرأي، فجعلها مسؤولة عن أعمالها – كالرجل تمامًا-. د. فؤاد العبد الكريم

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...