تأديب الناشز بين الشرع الحنيف والزوج العنيف

د. سعد بن مطر العتيبي

لكثير من النَّاس مواقف شخصية من حق تأديب الناشز تنم عن جهل بمفهوم هذا الحق، أو سوء فهم له، أو سوء قصد في ذكره كما يصنع بعض مروجي الشبهات الذين يشغبون على الشرع الحنيف بما لا ليس منه. ويعضد جميع هؤلاء في ذلك سوءُ استعمال حق القوامة وحق التأديب، ممن لا يفقهون أو ممن لا يقفون عند حدود الشرع في ذلك .. وهم بهذا يظلمون أنفسهم وزوجاتهم، ويسيئون لشريعة الله بزعمهم أن ما يقومون به حق شرعي! مع أنَّهم تجاوزوا الحق الشرعي فيه بمراحل من التجاوز والظلم والجور، وقد وقفت على وقائع عديدة لا يكاد يصدق العاقل أنها تقع من إنسان لمثله، فضلا عن زوج لزوجه!

لذلك سأحاول تقريب هذه المسألة بياناً للطف الشريعة، وتبرئة لها من عنف بعض الأزواج ممن يمررون سوء العشرة في أذى أزواجهم بدعوى حق التأديب، وفعلهم أقرب للإجرام بل بعض ما بلغني منه لا أشك أنه إجرام لا تقره الشريعة ولا فقهاؤها!

         نعم .. تأديب الزوج الناشز (التي تسيئ عشرة الزوج بما يتطلب تأديبا، كالامتناع عن أداء الحقوق والقيام بالواجبات الشرعية) حق منصوص في القرآن الكريم:)وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً( وهي تتمة آية القوامة المنصوصة في قول الله عز وجل: )الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ(، فالقوَّام هنا: الذي يقوم على رعاية المرأة والقيام بأمورها وحمايتها والاهتمام بها، وهذا ينافي إهمالها وعدم القيام بأمورها والاعتناء بها؛ لأن القوامة الشرعية تحقق مصالح الحياة الزوجية وتدفع المفاسد عنها. وليس الحديث هنا عن القوامة ومفهومها وحدودها الشرعية فهذا موضوع واسع لا يناسبه المقام، وسأتحدث عنه في مقال مستقل إن شاء الله ..

         لكن الإشكال -الذي يكثر السؤال عنه- في مفهوم الضرب وفلسفته .. وقد تحدث عنه علماءُ معتبرون، ومفكرون موثوقون، وبينوه بما يزيل إشكال من استشكَل، بل أُلِّفت فيه مؤلفات خاصّة.

ويمكن إيجاز الجواب الإشكالات بالتأصيل والتقريب في النقاط التالية:

1)   الأصل في العِشرة بين الزوجين: المودة والرحمة)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(، و وسيلتها الناجحة: التشاور، حتى في فطام الطفل:)فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا(، ونظامها: العشرة بالمعروف: )وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(.

2)   أنَّ العلاقة الزوجية في نظام الإسلام الاجتماعي، ليست بالضرورة علاقة أبدية، لا ينفك فيها الزوجان عن بعضها بأي حال كما في بعض الديانات؛ بل “عضوية مؤسسة الأسرة في شريعة الإسلام عضوية اختيارية، ومن ثم لا مجال فيها للقهر والتسلط والعسف؛ فإذا لم يمكن بقاء العلاقة الزوجية إلا بالشقاء والأذى، فللزوج مخرج بتشريع الطلاق، وللزوجة مخرج بتشريع الخلع (وقوع الفرقة بين الزوجين بطلب الزوجة من زوجها بمقابل مالي أو بتنازلها عن مهرها أو جزء منه) أو الفسخ (نقض العلاقة الزوجية بحكم الشرع أو قضاء القاضي بغض النظر عن رضى الزوجين) ولكل منهما أحكام وتفاصيل.

3)   اختلاف الناس وطبائعهم وبيئاتهم وظروفهم، قد يتولد عنها مشاكل زوجية، وهذه المشاكل تتطلب حلولا متنوعة تراعي طبيعة الإنسان، في أي بيئة كان.

4)   أنَّه كلما أمكن حل المشكلات الزوجية بين الزوجين دون لجوء للخارج بتصعيد الخلاف خارج إطار الأسرة، فهو أقوى لبقاء الحياة الزوجية وسلامتها من المشاكل، ومن ثم فلا يلجأ الزوجان للحكَمين فضلا عن القضاء إلا إذا لم تفد الحلول البينية الداخلية.

5)   أنَّ الأصل منع ضرب المرأة بأي شكل من الأشكال المؤذية، لعموم النصوص الواردة في تحريم إيذاء المسلم؛ وقد نهى النبي ﷺ عن خطأ ضرب الرجل زوجته ضربا مبرحاً  -كما هو سلوك بعض الأزواج لا تشريع الإسلام- مذكِّرا بأنَّها فراشه الذي يحتضنه إثر ذلك، إذ قال محذرا من ضرب الزوجة في خطبته وهو يذكر النساء، ويحرك العاطفة ويستنهض الرجولة التي تأبى اللؤم: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه) رواه البخاري (4942).

6)   وقد ذكر الله عز وجلثلاث خطوات في حل الخلافات الزوجية: الأولى: الوعظ، بالقول والحوار والتذكير، وهي خطوة تتوقف لا يكاد يتجاوزها أكثر الناس، فإذا لم تجد هذه الطريقة جهالة أو دلالا فله الانتقال للخطوة الثانية: الهجر في المضجع، لأن المرأة تدرك ضعف الرجل أمام إغرائها، فإذا هجرها فالمضجع وعزف عن الفراش، أدركت خطورة الأمر وجديته، وقلَّ أن تحتاج امرأة عاقلة إلى أكثر من هذه الخطوة. فإذا لم يفد ذلك، انتقل للخطوة الثالثة داخل نطاق الأسرة: الضرب المنصوص في الآية، وليس الضرب العقابي الـمُذِل المؤذي المهين الذي في أذهان كثير من الجهال، وإنَّما هو الضرب اليسير، الذي لا يدخل في باب العقاب الجسدي، وإنما هو في حقيقته تعبير مادي انتقل من الفعل عن بعد من خلال الهجر، إلى الفعل بالحركة والمسّ المباشر التي هي أبلغ في التنبيه والتعبير عن الغضب وعدم الرضا، لخلوها من الأذى الحقيقي والإيلام الجسدي، فقد مثّل له العلماء بالضرب بالسواك! وهو أشبه بالمسّ الذي هو نوع من التعبير عن المحبة والتدليل  -أشبه بمس خد الطفل بأطراف أصابع اليد ملاعبة له- لولا مصاحبة الغضب له وظهور عدم الرضا معه! وهذا التشبيه التقريبي قد لا يستوعبه من اعتاد ضرب زوجته أو من اعتادت ضرب زوجها ضربا مبرحا خارج إطار المشروع! وعلى كل حالٍ فاللجوء إلى الضرب المشروع إنما هو حالة استثنائية، لأنه ليس بعد كل ذلك إلا تفكك الأسرة، وهذا مع ما فيه من لطف، لا شك أنَّه أخف ضررا من الطلاق و آثاره.

7)   أنَّ من حق الزوجة وعظ زوجها إذا أساء إليها، بل لها هجره في المضجع إن غلب على ظنها أنَّ ذلك يفيد في إصلاحه.  أمَّا المساواة بضرب الزوج، فقد قال العلماء إن هذا لا يقع من امرأة سوية تهمها المحافظة على كرامة زوجها الذي يفترض منه حمايتها، ولن يكون له احترام في نفسه بعد ذلك، ثم إنَّ الفطرة البشرية والواقع العملي –لا المثاليات الذهنية- تؤكد أن نتائج هذا تكون عكسية، فبدل أن يكون الضرب حلا لمشكلة سيضيف مشكلة أخرى معقّدة نفسيا واجتماعيا.

8)   هنا ثمة تنبيه مهم: قد يمنع التأديب بالضرب الشرعي بالوصف السابق، إذا غلب على الظن ترتب ضرر أكبر على فعله؛ كما في البلاد غير الإسلامية التي يكثر فيها ضرب النساء ضربا عنيفا يصل حدّ القتل، فتمنع قوانينها تأديب الزوج لزوجه بالضرب أياً كان، بما في ذلك الضرب اليسير غير المؤلم، ومن هنا فلا ينبغي أن لا يلجأ إليه الزوج إن غلب على ظنه أن زوجه قد ترفع عليه دعوى بسببه، لأن استعماله حينئذ يكون عديم الفائدة بتخلف مقصوده شرعا، بل قد يضيف ضررا إلى الضرر الأول، وحينئذ ففقه الموازنة الشرعية بين المصالح والمفاسد يقتضي منعه في هذه الحال والله أعلم.

     وعلى كل حالٍ فهو قضية عارضة، قد تبدأ الحياة الزوجية وتنتهي دون الحاجة إليها، وإن احتاج إليها الزوج فأمامه درجات من الاحتواء ومراحل من التدرج في الإصلاح، فقد لا يحتاج إلا إلى مراحلها الأولى التي لا تعد مشكلة عند عموم الناس، من المسلمين وغير المسلمين، ويبقى الإشكال عند كثير ممن تأثر بالشبهات بسبب كثرة حملات خصوم الإسلام التي تستهدف التشريع الإسلامي كلّه .. وسيذهب خصوم الإسلامي كما ذهب أسلافهم وسيبقى الإسلام كما وعد الله بحفظه ..

         وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله القائل (خيركم خيركم لأهله).

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يزعم غويلد أنه لم يكن هناك إلا قلة من العلماء الذين آمنوا بالمساواة، في حين أن كل العلماء تقريبًا اعتقدوا بأن السود والنساء والمجموعات الأخرى أدنى فكريًا وأنهم أقرب للحيوانات الدنيا. ولم يردد أي من هؤلاء العلماء هذه الأحكام المسبقة ببساطة دون دراسة وتفكير مكثفين حول نظرية التطور. لقد حاولوا الإثبات علميًا أن النساء أدنى وذلك بإنجاز مقدار كبير من البحوث التجريبية، و حتى اليوم ما زال هناك بعض علماء التطور يتقبلون هذه الاستنتاجات. - المرأة بين الداروينية والإلحاد، د.جيري بيرغمان

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...