آمال عريضة، في سراب التمكين الأممي

هدى مصلي

تنتشر منظمات الأمم المتحدة حول العالم وتختلف في توجهاتها الاجتماعية و الاقتصادية والثقافية والسياسية لكنها تشترك في أهدافها والتي تتبع هيئة الأمم المتحدة. وتحرص الأمم المتحدة على تمرير مصطلحاتها عبر مواثيقها ومؤتمراتها الدولية ومنخلال أنشطتها الإعلامية المختلفة، وكثرة ترديد تلك المصطلحات يجعل النفس تتقبلها شيئًا فشيئًا؛ حتى يتبناها الشخص، ويحمل أهدافها.

وتبذل الأمم المتحدة جهودًا في تحقيق أهدافها حتى أصبحنا نسمع كثيرًا على ألسنة النسويات والمثقفين والإعلاميين والسياسيين عبارة “التمكين”وبخاصة “تمكين المرأة”، والتمكين هو أحد مصطلحات الأمم المتحدة وأكثرها خطورة. وقد يقول القائل إن التمكين كلمة قرآنية لها مدلولاتها الإيجابية، والمعنىالظاهر لها هو أن تأخذ المرأة فرصتها في التنمية، لكننا لو أننا لو نظرنا إلى وثائق الأمم المتحدة لوجدنا اختلافًا كبيرًا في المعنى، وليس المراد بالتمكين المعنى اللغوي والذي هو سعيًا إلى النجاح؛ إنّما هو ترجمة للكلمة الإنجليزية “empowerment” والتي تعني الاستقواء. فعندما تذكرتلك المنظمات عبارة (women empowerment ) فهي تقصد بذلك استقواء المرأة وتقويتها لتتغلب على الرجل فيالصراع الذي يحكم بينهما. ويتضح هذا التفسير ليتماشى مع الحركة النسوية الراديكالية والتي تبنت “مبدأ الصراع بين الجنسين انطلاقًا من دعوى أن العداء والصراع هما أصل العلاقة بينهما، حيث سعت إلى عالم تتمحور فيه الأنثى حول ذاتها مستقلة استقلالًا كاملًا عن عالم الرجال”.

فالتمكين الذي تقصده وثائق الأمم المتحدة متولدة من فكرة الجندر – وكان الظهور الأول للجندر في الحركات النسوية، وهي تُعبّر عن الاختلاف والتمييز الاجتماعي للجنس، والجندر مصطلح لم يتم تعريفه بشكل دقيق، حتى دخل في مضمونه وتطبيقاته حاليًا قضايا الشواذ وقضايا المرأة -. ذُكر في وثيقة صدرت عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن “مصطلح النوع الاجتماعي يشير إلى الخواص الاجتماعية، ولأن هذه الخواص هي سلوك وتصرفات يتم تعلمها، فهي قابلة للتغير” أي أن الأنوثة والذكورة والأدوار المخولة لهما ترجع إلى مفاهيم اجتماعية مكتسبة ولا علاقة للاختلاف البيولوجي بينهما، إذَا التربية الاجتماعية هي التي تحدد كون الانسان ذكرًا أو أنثى. ومن فكر الجندر هذا تولّد مصطلح “تمكين المرأة”.

رغم أن مفهوم التمكين يعود بارتباطه للحركات الاجتماعية التي نادت بالحقوق المدنية والاجتماعية للمواطنين في الستينات إلا انها عادت وبقوة في التسعينات إثر إعلان الحكومات في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية عام 94م ومن ثم في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين عام95 وفيه ذُكر (إزالة كافة العقبات التي تحول دون تمكين المرأة في جميع الجوانب منها: الاقتصادية)، وأصبح المصطلح محورًا أساسيًا في كل ما تلاها من وثائق: القاهرة للسكان+5، بكين +5 وغيرها.

ويُعرّف مصطلح تمكين المرأة بأنه إعطاء المرأة حق السيطرة والتحكم في حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجنسية، وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالانجاب خاصة في سن المراهقة، والوقاية من الأمراض الجنسية أو الممارسات الجنسية غير المأمونة. فالهدف الأساسي تمكين المرأة في صراعها مع الرجل، ولا يعني اصلاح وضعها، بل دعوة للتمرد على الأدوار الطبيعية لكل من الرجل والمرأة داخل الأسرة الطبيعية.

يتمحور مصطلح التمكين حول المرأة الفرد، وليست المرأة التي هي نواة الأسرة، لذا فإن المرأة المعتبرة هي المرأة العاملة، أما ربة الأسرة؛ فينظر إليها على اعتبارها متخلفة وخارج السياق الدولي الجديد؛ لأنها لا تمارس عملًا مدفوع الأجر ولأنها ربطت نفسها بالزوج والأولاد والأسرة.

وفرض هذا المصطلح في المجتمعات لا يتأتى إلا بانتشار مفهوم مساواة الجندر في العالم، وتجاوز كل من الدين والقيم والمعتقدات التي تتحكم في حياة الناس، بالتالي فالمانع الرئيسي لتطبيق مفهوم تمكين المرأة هو تمسك الشعوب بالدين حسب ما رصدته الأمم المتحدة في تقاريرها واعتبرته عائقًا يجب التغلب عليه، حيث صدرت التوصية في مؤتمر بكين +10 الذي عقد في مارس 2005 بالوصول إلى الشعوب عن طريق المنظمات الإسلامية، وأن يكون الخطاب في المرحلة القادمة خطابًا إسلاميًا. بمعنى أن تكون المنظمات الإسلامية هي الواجهة التي يتم من خلالها تقديم كل المضامين التيحوتها المواثيق الدولية ولكن في إطار إسلامي حتى لا تلقى المعارضة من الشعوب.

وأحد أبرز مجالات تمكين المرأة (استقواءها)؛ التمكين الاقتصادي، وسيعقد في مارس من هذا العام 2017 الدورة الحادية والستين للجنة وضع المرأة وسيكون الموضوع الأساسي فيها هو التمكين الاقتصادي للنساء في عالم متغير، ومرجعها الأساسمنهاج عمل بكين، وتقرير “المرأة عام 2000: المساواة بين الجنسين والتنمية والسلم في القرن الحادي والعشرين” الصادر عن الجلسة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

فالهدف من التمكين الاقتصادي حسب التعريفات الأممية هو تمكين النساء من دخول سوق العمل، والوصول للمساواة التامة بين الجنسين في كل ما يتعلق بالموارد والنشاطات الاقتصادية، مع مراعاة أن التمكين الاقتصادي لا يحدث دون تمكين سياسي واجتماعي وثقافي وصحي. ويتم ذلك عن طريق التوزيع النسبي لكل من الرجل والمرأة في الوظائف الإدارية والتنظيمية والمهنية، والتوزيع النسبي للدخل المكتسب بواسطة السكان النشطين اقتصاديًا، ولن يتم تحقيق ذلك حسب ما يدّعون إلا إذا كان للمرأة دخل خاص منتظم، واستخدموا في ذلك كافة وسائل الضغط المعنوي من صحافة واعلام وأعمال درامية ومناهج  دراسية.

وتعمل المنظمات الدولية والجمعيات النسوية على الاستقلال الاقتصادي للمرأة عن الرجل، حتى يصبح قراراتها المادية بيدها. ولأنها تعتبر قوامة الرجل للأسرة عاملًا رئيسًا في فقر النساء، فهي تستهدف إلغاء تلك القوامة عن طريق التساوي المطلق في السلطة داخل الأسرة، ودفع النساء للعمل خارج المنزل لكسب المال، للوصول إلى رؤوس الأموال فتستقل عن الرجل اقتصاديًا فتصبح متحكمة تمامًا فيقراراتها.

ومن أبرز الملاحظات على تحقيق التمكين الاقتصادي للنساء والواردة فيمنهاج بكين:

–    إغفال التباين بين الجنسين في الاستعداد الصحي والنفسي والبدني في مجالات العمل المختلفة مع الدعوة للتسوية في الفرص والمنافسة الندية عليها وهذا يؤدي إلى التضييق على أحد الجنسين في بعض المجالات.

–   تجاهل أهم معوقات الاستدامة التنموية مثل الاحتكار التقني، وتراكم الديون،وسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تدفع في اتجاه زيادة إفقارالمجتمعات الأقل نموًا، والانفاق العسكري المفرط، والنزاعات المسلحة، والاحتلال الأجنبي وغيرها من العقبات ذات الأثر البالغ.

–  تجاهل مشكلة التقصير في الالتزام بالتمويل من قبل الدول الصناعية، ومشكلة صرفه في غير الأوجه ذات الأولوية المراعية لحاجات المجتمعات محل التمويل.

 

وختامًا..

تعقد المجتمعات (وخاصة النساء) آمالا كبيرة على التمكين الاقتصادي منذ اعتماد منهاج بكين باعتقادهم أنها المخلص للإناث من سطوة الذكور، ورغم المتابعة السنوية لتنفيذ منهاج بكين من قبل لجنة وضع المرأة وتدخلات الأمم المتحدة في شؤون الدول لتنفيذه؛ نرى تزايدًا في عدد الدول المعرضة للانكماش الاقتصادي بسبب العولمة الاقتصادية، والنساء أكثر فئة تعرضًا للبطالة وللعمل في ظروف تحفها المخاطر، وأكثرها تعرضًا للفقر والاستغلال، ولم تزد تلك الوثائق المرأة إلا ثقلًا واضطهادا وما تعيشه المرأة شاهدًا على ذلك، فهل تلك المجتمعات فطنت موضع الخلل؟! أم ما زالت تسير في سراب وعود الأمم المتحدة؟!

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يزعم غويلد أنه لم يكن هناك إلا قلة من العلماء الذين آمنوا بالمساواة، في حين أن كل العلماء تقريبًا اعتقدوا بأن السود والنساء والمجموعات الأخرى أدنى فكريًا وأنهم أقرب للحيوانات الدنيا. ولم يردد أي من هؤلاء العلماء هذه الأحكام المسبقة ببساطة دون دراسة وتفكير مكثفين حول نظرية التطور. لقد حاولوا الإثبات علميًا أن النساء أدنى وذلك بإنجاز مقدار كبير من البحوث التجريبية، و حتى اليوم ما زال هناك بعض علماء التطور يتقبلون هذه الاستنتاجات. - المرأة بين الداروينية والإلحاد، د.جيري بيرغمان

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...