النظرية النسوية الاجتماعية

يعتني علم الاجتماع بالدراسة التفصيلية للمجتمعات البشرية، والأنساق الإنسانية، والعلاقات الأسرية، وسائرالتفاعلات الاجتماعية والجماعية في حياة البشر.

وكتوجه أكاديمي يدرس علم الاجتماع الحياة الاجتماعية للبشرِ، سواء بشكل مجموعات أو مجتمعات، ويهتم بإرساء القواعد، وتتبع العمليات والمناشط الاجتماعية التي تربط البشر كأعضاء جمعيات ومجموعات ومؤسسات.

وكتوجه خاص تناقش النظرية الاجتماعية النسوية الاعتقاد القائم بصعوبة المساواة في العلاقة بين الرجل والمرأة مجتمعيًا، وتنطلق من رؤية مضمونها أن حياة المرأة وتجربتها أساسيتان في دراسة المجتمع من الناحيتين: الإمبريقية (التجربة) والنظرية.

وركزت النظرية الاجتماعية النسوية حقل عملها المعرفي حول مادتين أساسيتين:

الأولى: الحياة الخاصة الملازمة للعلاقة بين المرأة والرجل.

الثانية: المتغيرات التي تصاحب هذه العلاقة خاصة مع اقتحام النساء المتزايد للحياة العامة بشتى صورها.

ووضعت الناشطات النسويات أسئلة اختبارية عن: الأدوار الاجتماعية، النوع، الخصائص البيولوجية للجنس.

 وقد هدفت من وراء ذلك إلى:

1/ دفع علماء الاجتماع لإعادة اختبار وتعديل النظريات الاجتماعية.

3/ تطوير مفاهيم وتحليلات علم الاجتماع بصورته الكلاسيكية.

2/ إدخال المفاهيم النسوية في الإطار المفاهيمي لهذا العلم.

وإضافة إلى السعي النسوي لحلحلة المفاهيم المرتبطة بعلم الاجتماع، وغزوه بمفاهيم ومصطلحات تدعم الرؤية النسوية المجتمعية، فقد ذهبن في منحى آخر داعم لتوجههن بنقد النظرية الاجتماعية الكلاسيكية ومحاولة إظهار عوارها المعرفي.

وتركز النقد النسوي لهذه النظرية في أطر محددة، لعل أهمها:

1/ لغة النظرية الاجتماعية الكلاسيكية:

يرى النسويون أن لغة النظرية الاجتماعية الكلاسيكية في تحليلاتها هي لغة متحيزة، كونها ترصد أنشطة الرجال وخبراتهم وتجاربهم، بالإضافة إلى البيئة الاجتماعية الواقعة تحت سيطرة الرجال فقط، دون النظر إلى النساء وخبراتهن وحياتهن.

والتحيز هنا _كما يقول النسويون_ يدحض الأسس المعرفية والقواعد العامة لعلم الاجتماع بطبعته الكلاسيكية، التي مازالت صامدة حتى الآن، كتوجه رئيس لعلم الاجتماع.

ودللن على ذلك بتوجهات ماركس، فايبر، ودوركايم، الذين شكلوا ركائز علمية لعلم الاجتماع ونظريته الكلاسيكية، وهم الذين افترضوا أن العالم مبني أساسًا على الحياة العامة للرجال، وفق ما يقول النسويون.

2/ إطروحات النظرية الاجتماعية الكلاسيكية:

وترى الاتجاهات النسوية أن أطروحات النظرية الاجتماعية الكلاسيكية ركزت على خصائص الحياة العامة الذكورية بطبيعتها، متغافلة بذلك الحياة الخاصة التي تمثلها النساء.

ويجادل النسويون بقولهم: إنه تبعًا لتحليل ماركس فإن النساء غير مستغلات إلا إذا كن عاملات مدفوعات الأجر، وضمن قوة العمل، فالسلع والخدمات المنتجة في البيت، أو العائلة، أو بشكل طوعي، أو في أي مؤسسة أخرى إنتاجها وتبادلها ليس لغرض المال، لم تكن جزءًا من رؤية ماركس الاجتماعية.

وعند دوركايم _يقول النسويون_: إن الرجل كقوة عمل رسمية في الاقتصاد العام هو محور النشاط الاجتماعي، ومن الصعوبة بمكان ملاحظة مساهمة النساء في هذا الصدد.

وعند هذا الحد تنتقد النظرية النسوية تلك الأطروحات لسببين رئيسيين:

السبب الأول: أنها لم تقم بطرح وافٍ ومكتمل لمعرفة وفهم كل أجزاء العالم الاجتماعي، الذي يضم الرجال والنساء معا، وليس الرجال فقط.

 السبب الثاني: افتقارها إلى معرفات العلاقة النوعية بين الجنسين (الجندر – النوع الاجتماعي – الجنوسة).

والخلاصة أن النظرية الكلاسيكية الاجتماعية أقصت _كما يقول النسويون_ أجزاء كبيرة من أفعال وتفاعلات الإنسان، فهناك الكثير من الجوانب المهملة للعالم الاجتماعي، وهي تلك التي تشغلها المرأة والأطفال، مثل المنزل والعائلة والمجتمع، حيث تتركز أنشطة النساء.

وخلص النسويون من هذا النقد إلى نتيجتين رئيسيتين:

النتيجة الأولى: إن عدم تحليل الحياة الخاصة للعالم الاجتماعي بكل جوانبها، يثبت أن النظرية الكلاسيكية لعلم الاجتماع قاصرة _على الأقل_ من الناحية العلمية.

النتيجة الثانية: إن دراسات علم الاجتماع تعتمد على الحقائق الاجتماعية، وبما أن النساء غائبات عن هذه الحقائق فإن الدراسات الإمبريقية (التجريبية) لهذا العلم تعد قاصرة بطبيعتها كذلك.

وبهذا النقد لأسس وتوجهات النظرية الكلاسيكية لعلم الاجتماع، اقترب النسويون من طرح رؤيتهم ومقاربتهم والتي تتحدد إحداثياتها وفق مجموعة من المعطيات أهمها:

1/ ضرورة الاعتراف بحضور النساء الكامل غير المنقوص في العالم الاجتماعي.

2/ الاهتمام بالقضايا التي تخص العالم الاجتماعي للنساء، ووجهة نظرهن، وخبرتهن، ونظرتهن المفاهيمية تجاه هذه القضايا.

3/ حتمية التفرقة بين الفروقات البيولوجية والاجتماعية بين الرجل والمرأة، فالفروقات البيولوجية _كما يقول النسويون_ هي تلك الفروقات المرتبطة بالجنس كوصف بيولوجي، أما الفروقات الاجتماعية فهي تلك الفروقات التي ترتبط بالبنى الاجتماعية كوصف للجندر.

وتعتقد النسويات أن الخصائص البيولوجية قد تكون ثابتة، ولكن العلاقات الاجتماعية المؤسسة في الثقافة المجتمعية فهي قابلة لإعادة التشكيل.

وقد تمّت أولى محاولات الضبط العلمي لمفهوم النوع/الجندر عبر عالمة الاجتماع النسوية “آنأواكلي” التي صرحت بأن “الجنس” يمثّل مفردة تشير إلى الفوارق البيولوجيّة بين الذكر والأنثى، في حين تحمل لفظة “النوع” إحالة إلى الثقافة، كونها تشمل التصنيف الاجتماعي الذكوري والأنثوي، وتبنّي على ذلك حتمية الاختلاف بين الجنس والنوع.

وأسس النسويون على هذه التفرقة أن قضايا النوع الاجتماعي أكثر ارتباطًا بالمكانة والدور الاجتماعي للمرأة والرجل، في الوقت الذي يبقى الجنس مؤشرًا يحيل إلى الفروق البيولوجيّة بين الذكور والإناث فقط.

4/ مواجهة اضطهاد النساء ومحاولة السيطرة عليهن من قبل الرجال، وكيفية التغلب على الاضطهاد والسيطرة، وهو التميز الذي يرجع إلى البناء الاجتماعي، والذي بدوره يمنح الرجال السلطة والقوة، في حين تحرم منها المرأة.

فعلى الرغم من تباين الاتجاهات النسوية فيما يتعلق بتحليل وضع ومكانة المرأة في المجتمع، ودرجة التركيز على علاقات وقضايا النوع، إلا أن تلك الاتجاهات تشترك جميعها في الاهتمام بقضايا عدم المساواة في القوة فيما يتعلق بعلاقات النوع.

وقد واجهت المعطيات والأسس التي قامت عليها النظرية الاجتماعية النسوية انتقادات عدة، لعل أبرزها:

1/ اختزلت النظرية النسوية الاجتماعية علم الاجتماع كحقل معرفي في متغير بحثي واحد هو الجنس، وإلى نمط بسيط للدور الاجتماعي هو النوع الاجتماعي، أو ما يسمى الجندر.

2/ هذه المعطيات التي قامت عليها النظرية النسوية الاجتماعية لا تعدو أن تكون استدراكًا نسائيًا على أطر ومفاهيم النظرية الكلاسيكية لعلم الاجتماع، أملًا في رؤية أوسع وأشمل للعالم الاجتماعي تضم النوع النسائي.

3/ الارتباط الوثيق بين النظريات النسوية والأجندات السياسية، جعل الشكوك تحيط بما تقدمه تلك النظريات _وفي مقدمتها النظرية النسوية الاجتماعية_ من أطر ومفاهيم تخدم تلك الأجندات أكثر من خدمتها للقضايا المعرفية وقضايا المرأة.

 

المرجع:

موقع لها أون لاين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعادي الفلسفة المادية (الدين والتشريع والأخلاق والأسرة)، والتي تمثّل قضايا جوهرية كلية في تأسيس المجتمعات ونهوضها؛ولأن المرأة تمثّل القاعدة التي ترتكز عليها الأسر، فإن القضاء على الأسرة يأتي من خلالها أولًا؛ فتمت معالجة موضوع المرأة في ضوء الفكر المادي الذي لايرى لأي شيء قيمة عليا تتجاوز الحياة. - قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها وآثارها الفلسفية على العالم الإسلامي، إيمان العسيري.

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...