المفاهيم في الكتابات النسائية الإسلامية وإشكالية ترجمتها مصطلح “النظام الذكوري” نموذجا

تَدرس الكتابات النسائية الإسلامية مجموعة من القضايا الإشكالية التيتستدعي استعمالا متكررالمصطلحات تعكس مفاهيم مفتاحية. ويُستمدعدد من هذه المصطلحات من اللغات اللاتينية للتعبير عن مفهوم إشكالي، لكن الكاتبات لا يتفقن أحيانا على مقابل مصطلحي واحد للتعبير عن نفس المفهوم نظرا لاختلاف وجهات نظرهن.ويُعدمفهوم النظام الأبوي أو البطريركي أو الذكوري أحد هذه المصطلحات التي تستعمل مقابلات لمفهوم واحد هو Patriarchat/Patriarchy.

وللتمكن من التمييز بين هذه المقابلات واختيار أنسبها، لا بد من الإحاطة بمعنى هذا المصطلحفي لغته الأصلية وتطوره وسياق استعماله. فما معنى بطريركي؟ وما هو أصل الكلمة؟ وهل تعكس المقابلات المقترحة في اللغة العربية نفس المفهوم المُراد التعبير عنه؟

تعريف المصطلح وتاريخه:

تقدم المعاجم الأجنبية المعاصرة[1]أكثر من مدخل لتعريف مصطلح بطريركيPatriarchyيحيل على أصله ومعناه المعاصر. وحسب هذه المعاجم، يعني المصطلح حرفيا في اللغة اللاتينية “حكم الأب”، ويشير تاريخيا إلى الهيمنة الذكورية المؤسساتية والهيكلية المتوغلة في البنيات والإيديولوجيات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل النساء بشكل صريح خاضعات وفي مرتبة ثانوية، في حين تبقى السلطة واتخاذ القرار في يد الذكور. ويعني هذا المصطلح أيضا نظاما اجتماعيا أو حكوميا يملك فيه الرجال السلطة التي تُستثنى منها النساء، أو نظاما يكون فيه الأب أو العنصر الذكوري الأكبر رب الأسرة.بالإضافة إلى ذلك، يعني مصطلح “البطريرك” الذي اشتُق منه “البطريركي”في المعجم اللغوي الإنجليزي، رئيس الأسرة أو القبيلة من الذكور، أو إحدى شخصيات الكتاب المقدس التي تُعتبر أبا الجنس البشري وخصوصا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أو أبناء يعقوب، أو القسيس أو رئيس كنيسة أرثودوكسية.

ويعود أصل مصطلح Patriarchat إلى منتصف القرن 17. وهو مصطلح قديم جدا يرجع أصله إلى اليونانية تغير معناه في نهاية القرن 19 مع أولى النظريات الخاصة بتطور المجتمعات الإنسانية، ثم تغير من جديد في نهاية القرن 20 مع الموجة الثانية للحركة النسائية التي ظهرت في السبعينيات في الغرب. وفي إطار هذا المعنى الجديد، يعني المصطلح البنية الاجتماعية التي يملك فيها الرجال السلطة، ويرادف “الهيمنة الذكورية” أو قمع النساء. وكان يُشار إلى نفس المعنى في فترات تاريخية سابقة عبر مصطلح “خضوع” أو “رضوخ” النساء. فقبل القرن 19 وظهور المعنى المتداول اليوم والمرتبط بالنظام المجتمعي، استُعمل هذا المصطلح (patriarcat وles patriarches) في البداية ليحيل على معنى ديني يتمثل في رجال الكنيسة، ولاسيما الكنيسة الأرثودكسية.

وفي سياق المعنى الديني للمصطلح، تُعرف المعاجم الأجنبية الجزء الأول من المصطلح “باطرPater” باعتباره صلاة يتلوها المسيحيون في الكنائس تُستَهل بعبارة “أبانا الذي في السماوات”[2]. وفي تفسير هذا الاستهلال، فإن هذه الصلاة موجهة إلى الله باعتباره “الآب” (…) “فلفظة أبانا تفيد المحبة والصلاح (…) فهو أب لا نظير لمحبته وصلاحه، وإله لا حدود لقوته وإمكانياته”[3]. وهذا المعنى يعكس مجازا المحبة الأبوية بين الإله والخلائق، ولا يعكس أبدا مفهوم الرابط البيولوجي. لكن الجزء الثاني من المصطلح “archie” الذي يعني “قيادة”[4]يضفي طابع السلطة أو الرئاسة على المصطلح. وعلى مستوى المصطلحات الكنسية، فإن “الأب” هو الوالد أو المربى، أما “الآب” بمد الألف فهي في أصلها سريانية، دخلت اللغة العربية بمعنى الأصل أو الأساس. وفي الكنيسة القبطية يدعى الرهبان والكهنة والأساقفة بلقب “آباء”.[5]

وأُعطي للمصطلح معنى ثان احتُفظ به إلى حدود عام 1970 على يد مرجان MorganوباشوفينBachofen، إذ أقرا بوجود حق أمومي استُبدل بحق أبوي أطلق عليه باشوفين اسم Patriarchat. وقد استعمل كُتاب القرن 19 نعت Patriarcal بشكل إطرائي في عبارات مثل “الخصال الأبوية الحميدة” التي تحيل على البساطة وعدم التكلف والحياة في البادية. وكانت الكلمة أيضا تحيل على مجتمعات فلاحية صغيرة مكونة من وحدات أسرية إنتاجية يقودها أحد السلف باعتباره قائد الأسرة. وقدم الكُتاب في تلك الفترة هذه الصورة بإيجابية تعكس عصرا ذهبيا يتعارض مع الفساد والتخلف اللذين تثيره الحياة في المدينة. لكن هذا المعنى الإيجابي الذي عبر عنه كتاب القرن 18م و19م، أصبح قدحيا لدى الناشطات النسائيات واتخذ معنى ثالثا. وقد وضعت هذا المعنى النسائي المعاصر الناشطة النسائية المعاصرة Kate Millettفي كتابها sexual politics(1971)، حيث تعني هيمنة الرجل سواء أكان أبا بيولوجيا أو غيره. وبذلك اعتمدت الحركات النسائية في الغرب في السبعينيات هذا المصطلح للإحالة على نظام وجب التصدي له[6].

خصائص المفهوم:

أُطلقت هذه التسمية على هذا المفهوم نظرا لخصائصه المتمثلة عموما في”الهيمنة الذكورية”، بمعنى أن يتخذ الذكور جميع القرارات في المجتمع والأسرة، ويشغلوا جميع مناصب السلطة؛ وفي “المعايير الذكورية” المتمثلة في السيطرة والقوة والتعقل والتنافسية؛ وفي “التمركز الذكوري” عبرتمركز كل الأنشطة حول الذكور المسؤولين عن المضي قدما بالمجتمع؛ وفي “هاجس السلطة” عبر رغبتهم في التحكم في جميع الأوضاع المجتمعية والأسرية، واتخاذ جميع القرارات[7].

أما على مستوى أهم خصائص مفهوم النظام الأبوي التقليدي في المجتمعات العربية، فإنها تتمثل –حسب رأي الكاتب إبراهيم الحيدري- في ارتكازه على العصبية القبلية التي تفترض أن بنية القبيلة لا يمكن تجزئتها باعتبارها عائلة موسعة أو عشيرة.وتعزز هذه القبيلة كيانها بسيطرة مزدوجة من خلال سيطرة الأب على العائلة وسيطرة الرجل على المرأة والولد على البنت، بحيث يبقى الخطاب المهيمن هو خطاب الأب الذكر وأوامره وقراراته. وتعكس سلطة الأب مظهرا فرديا لسلطة القبيلة، إذ أعطيت له صفة “الأبوة” انطلاقا من صلة القربى والدم وضرورة احترام الابن لأبيه وخدمته وتقديم فروض الطاعة له. فاحترام الابن لأبيه هو احترام الابن لعشيرته التي يمثلها “شيخها”.

وفي هذا السياق، ترتكز السلطة الأبوية على العائلة الممتدة، إذ يطرح الحاكم فيها نفسه على أنه “الأب القائد” معتبرا جميع أفرادها أبناءه وجب عليهم تقديم واجب الطاعة والولاء والخضوع الدائم والمطلق له. ففي هذه المجتمعات الأبوية، تكون العائلة أبوية ذكورية حيث تعمل على بناء شخصية خاضعة تميل إلى الخضوع للكبار والإذعان للعائلة وسلطتها عبر تربية أبوية صارمة تعلم الأفراد الخضوع والطاعة العمياء، يمثل فيها الأب القوة والسلطة والأم والأولاد الطاعة والخضوع. ويتبع الأبناء نفس النظام حيث يقلد الولد الأب ويبدأ بالتسلط على أخته أولا ثم عائلته ثانيا بعد الزواج، وتقلد البنت أمها في الخضوع والانصياع لأوامر الذكر. وتعد هذه العلاقة شكلا من أشكال السيطرة الأبوية الهرمية التي تنتقل من الأسرة إلى المجتمع.[8]

دراسات حول مفهوم “النظام الأبوي”:

تناولت أبحاث ودراسات عديدة في الشرق والغرب هذا المفهوم مثل كتاب “نشأة النظام الأبوي” لغيرداليرنر[9] (ترجمة أسامة إسبر)، حيث رصدتفيه نشأة ما يُسمى بالنظام الأبوي  وأبرزت أن الهيمنة الذكورية على النساء ليست طبيعية أو بيولوجية، وإنما نتاج تطور تاريخي بدأ في الألفية الثانية قبل ميلاد المسيح في الشرق الأدنى القديم. وساقت الدلالات التي كان يقدمها البعض لتبرير خضوع النساء عبر استخدام أدلة دينية، إلا أن الأخذ بهاأصبح صعبا بعد تفكيك الخطاب الديني في القرن التاسع عشر. كما أشارت إلى صورة مجتمع يهيمن عليه الذكور، حيث أثر ظهور الإقطاع والمِلكية الخاصة فيه على خضوع المرأة التي أُقصيت من المشاركة في الإنتاج الاجتماعي لتصبح الزوجة كبيرة الخدم في عائلة استولى على ملكيتها الذكور.

وترى الكاتبة أن النظام الأبوي ينبني على فكرة أن الرجال والنساء خُلقوا على نحو مختلف ولهدفين مختلفين، وأن الرجال يمتلكون ذهنا مفكرا وذكاء متفوقا وقدرة على القيادة. ومن ثم من المقدر عليهم أن يمثلوا النظام والحكم، فيما أن النساء أدنى على المستوى الفكري، ولذلك يجب أن يخضعن ويصبحن متكلات على الرجال. وفي فترة ألفي سنة من التاريخ المسيحي، اعتُنقت هذه الأفكار كأنها أوامر إلهية وأصبحت متضمنة في المنظومة التربوية الغربية على جميع المستويات.

كما أن كتابات عربية عرّجت أيضا على هذا المفهوم مثل مقالة الكاتب إبراهيم الحيدري المعنونة “النظام الأبوي/البطريركي وتشكيل الشخصية العربية”، إذ يعرف فيه النظام الأبوي باعتباره بنية اجتماعية ناتجة عن ظروف تاريخية واجتماعية وثقافية تكون تعبر سلسلة من المراحل التاريخية حيث ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة انتقالية تسبقها حتى تصل إلى مرحلة النظام “الأبوي الحديث”.ويربط الكاتب جذور النظام الأبوي العربي بالنظام القبلي الذي يقوم على صلة الدم والقربى والعصبية القبلية، وسيطرة الثقافة البدوية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باعتبارها تنظيما اجتماعيا يقوم على العلاقات العشائرية. ورغمأن الإسلام حاول تغيير البنية القبلية وجاء بمفهوم “الأمة” بديلا لمفهوم العصبية القبلية، إلا أن النظام القبلي بقي مهيمنا على المجتمع والدولة،واستمرت الأعراف والتقاليد في تأثيرها على العلاقات الاجتماعية.

الترجمة العربية للمصطلح:

يُعبر الكُتاب عن مفهوم النظام البطريركي عبر استعمال مقابلات”النظام الأبوي”أو النظام البطريركي أو النظام الذكوري. ويعرف المعجم العربيكلمة “أبوي” باعتباره اسما منسوبا إلى “أب”، أي ما له علاقة بالأب، وأشبه ما يكون بالأب، يُقال”شمله بعطف أبوي وعاطفة أبوية”؛ والنصيحةالأَبَويَّة: هي التي تكون صادرة من أب لابنه أو ممَّن هو في مقام الأب.[10] ويعكس  هذا التعريف معنى إيجابيا لا يحتمل المعنى القدحي الذي يُعطى له باعتباره نسبة لنظام متسلط يقصي النساء، وإنما يعبر عن عطف الأب وحنوه.

أما صفة الذكوري فهي اسم نسبة مُشتق من الذكورة التي تعني مجموع الصفات الخاصة بجنس الذكور، وعكسها أنوثة؛ والذكر خلاف الأنثى[11]. أما بطريركي فهو اسم أعجمي منسوب لبطريرك الذي يعني “لقبا يُطلق في المسيحيّة على رئيس رؤساء الأساقِفة على أقطار معيّنة أو في طائفة من الطوائف”[12].وعليه فمصطلح بطريركي مرتبط في أصله بالثقافة المسيحية التي استمد منها معناه المعاصر.

ويُظهر تطور مفهوم النظام البطريركي في اللغة اللاتينية كيفية تغير معناه لينتقل من مفهوم اجتماعي إيجابي يدل على الخصال الحميدة والتعاون المجتمعي، إلى مفهوم قدحي يدل على هيمنة الرجال. وقد اكتسى هذا المفهوم معنى قدحيا في الغرب في سياق الكتابات النسائية التي تناهض سيطرة الذكور في المجتمع.أما في الثقافة العربية الإسلامية، فما زال مفهوم الأب يكتسي معنى إيجابيا. وتبين  المراجع المعجمية العربية أن مفهوم الأب لا يعكس معنى ثقافيا قدحيا بل معنى محايدا (نسبة إلى الأب في مقابل الأم) أو إيجابيا (العطف الأبوي). لكن استعماله في الكتابات النسائية بمعنى السلطة التي وجب مقاومتها أو النظام المتسلط والإقصائي للنساء يُحور معناه ويمكن أن يجعله لصيقا بهذا المفهوم.

ينبغي مراعاة الثقافة العربية الإسلامية عند اختيار مقابل لمصطلح بطريركي، بشكل يعكس المعنى المُراد التعبير عنه دون إلباس مفهوم الأب –الذي يحظى بمكانة وتقدير كبيرين في الثقافة الإسلامية- معنى قدحيا.

 

 


[1]Collins dictionary, Oxford dictionary, Merriam-Webster dictionary… (http://www.memidex.com/patriarchy+jurisdiction)

[2]http://www.cnrtl.fr/lexicographie/pater

[3]http://www.baytallah.com/standerprayer/standerprayer.htm

[4]http://cm1cm2.ceyreste.free.fr/paulbert/prefix.html

[5]http://st-takla.org/Coptic-Faith-Creed-Dogma/Coptic-Rite-n-Ritual-Taks-Al-Kanisa/Dictionary-of-Coptic-Ritual-Terms/1-Coptic-Terminology_Alef/Ab__Father.html

[6]Hirita, Helena et al. Dictionnaire critique du féminisme, 2ème édition augmentée, Presses Universitaires de France, 20044.

[7]http://www.oxforddictionaries.com/definition/english/patriarchy

[8]http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=328342

[9]The creation of patriarchy: Gerda Lerner

[10] معجم اللغة العربية المعاصرة

[11] الصحاح في اللغة

[12] معجم اللغة العربية المعاصرة

 

المصدر:

مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يزعم غويلد أنه لم يكن هناك إلا قلة من العلماء الذين آمنوا بالمساواة، في حين أن كل العلماء تقريبًا اعتقدوا بأن السود والنساء والمجموعات الأخرى أدنى فكريًا وأنهم أقرب للحيوانات الدنيا. ولم يردد أي من هؤلاء العلماء هذه الأحكام المسبقة ببساطة دون دراسة وتفكير مكثفين حول نظرية التطور. لقد حاولوا الإثبات علميًا أن النساء أدنى وذلك بإنجاز مقدار كبير من البحوث التجريبية، و حتى اليوم ما زال هناك بعض علماء التطور يتقبلون هذه الاستنتاجات. - المرأة بين الداروينية والإلحاد، د.جيري بيرغمان

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...