التحالف غير المقدس بين النسويات وعلماء الدين “المستنيرين”

اعتدنا منذ فترة ليست ببعيدة على شطحاتالنسويات في بلادنا إلا أننا ـ معشر النساء- لم نكن نلقى لهن بالا، أو نأبه بوجودهن على الإطلاق، ونعلم يقينا أنهن نبت غريب عن أرضنا الطيبة، نبت ليس له جذور، وإنما طفيلي يتسلق كي يصل إلى مبتغاه، فالفطرة السوية تمجهن، والعقل السليم يرفضهن، والواقع الحقيقي لا يشعر بهن، وليس لهن وجود إلا على أوراق المشروعات المقدمة للجهات المانحة الأجنبية المشبوهة، مع بعض الصور لبعض الندوات في فنادق الخمس نجوم، البعيدة تمام البعد عن الجمهور العريض من النساء اللواتي جل أحلام إحداهن أسرة بها زوج تخدمه ويحنو عليها، وأبناء هم زهرة الحياة الدنيا، لا ترى المجتمع ذكوريا كما تصوره لها تلك النسويات، بل على العكس تسعد بقوامة الرجل وولايته على بناتها، وتعتبر هذه القوامة وتلك الولاية حق تفخر بمنح الشريعة لها إياه.

إلا أن الجديد في الأمر والمؤسف في الوقت ذاته: الموجة الجديدة التي تركبها تلك النسويات كي تسبح مع التيار، وهو اللعب على أوتار الدين، رغم أن هذا يتناقض تماما مع الفكر الأنثوي، ولكن يبدو أنه ـ وفقا لحسابات النسويات- ضرورة المرحلة تقتضى ذلك، حتى وإن تعارض مع ثوابت لديهن، فرموز الحركة الأنثوية دوما تربط الدين بالتخلف، وتدعو لإزالته من الوجود، بل وتهاجم ثوابته، وتعتبره مسؤولا عن تجميد العقل البشري(1)، فهن يرون أن المرأة كي تكون فاعلة، عليها التخلي عن القيود، وإن نظر البعض إليها بقدسية، لذا نري سيمون دي بوفوار رائدة الحركة النسوية في الغرب في النصف الأول من القرن العشرين تقول:”إن على المرأة أن تتخلى عن الأساطير والخرافات والعقائد التي تتخذ شكل المقدس، والتي مكنت الرجل من اضطهاد المرأة، والسيطرة عليها” (2).الا أن هذا الموقف الصريح من الدين لن يمر بسهولة في مجتمعاتنا الإسلامية، بل على العكس سيحدث شروخا عميقة بل وفشل تام للمشروع النسوى، وهذا ما أدركته نسويات بلادنا حينما رأت الانفصال واضحا بين المشروعات التي تتبناها وتطرحها جمعياتها من جهة، وجموع النساء المصريات من جهة أخرى، الأمر الذى أدى إلى عدم قدرة تلك الجمعيات على الضغط على الحكومات، وبالتالي أفقدها مصداقيتها أمام الجهات المانحة التي اعتمدت عليها في حشد النساء حولها؛ للضغط على الحكومات لتطبيق الأجندة الأممية الخاصة بالمرأة(3).ولكي تقوم منظمات المجتمع المدني النسوية بدورها الخطير، في صياغة مشروعات للقوانين تتحدى بها الأعراف والثقافات السائدة وحتى الأديان، وتسويق هذه القوانين من خلال الإعلام، والندوات والمؤتمرات، كان لابد لها أن تنتهج منهجا جديدا في العمل، حيث شرعت في تغيير لغة خطابها. تلك اللغة التي تسببت في استعداء الكثيرين إلى حد اتهامها بالعمالة الصريحة للخارج، كاستخدام مصطلحات لا تعرفها المرأة العادية، مثل: (الجندر) و(التمكين) و(سيداو) -على حد قول رئيسة إحدى هذه الجمعيات-، وبالتالي تبنت تلك الجمعيات خطاب يقنع الجماهير بأن تعطيها توكيلا لتتحدث باسمها، ويقنع الجهات المانحة أن هذه الجمعيات ليست نخبوية منفصلة عن الجماهير، بل تملك زمام تحريكها للضغط على الحكومات في لعبة تغيير القوانين.ووجدت هذه الجمعيات أن الحل الأمثل هو الخطاب الديني، فالمصريون محافظون، ومعروف أن للدين تأثيرا قويا على نفوسهم، فضلا عن أن العقبة الكؤود أمام تطبيق الاتفاقيات الدولية بحذافيرها ـ من وجهة نظر الجمعيات النسوية- هو تعارضها الواضح مع الشريعة الإسلامية، ولحل هذه المعضلة كان عليها البحث عن كيفية تطويع الشريعة، بما يجعلها تتوائم مع الشرعة الدولية، ولاسيما وقد سبقتها أخريات في هذا المضمار، ومن ثم يحدوهن الأمل في إحراز ما يعدونه نصرا.تقول إحداهن: “بعد 26 عاماً من صدور كتاب الحداد، صدرت قوانين الأحوال الشخصية متبنية تدريجياً إصلاحات الحداد واحدا واحدا: المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، التي علينا اليوم أن تتبناها لاستكمال خيارنا التاريخي: تكييف الإسلام مع الحداثة، في هذه الحالة، مع القيم الإنسانية الكونية، ومواثيق حقوق الإنسان التي تفرض المساواة التامة بين الجنسين في الحقوق والواجبات كافة. كيف تدخل الفتاة التونسية الجيش لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، جنباً إلى جنب مع الفتى، ومع ذلك لا تكون مساوية له في الميراث؟”(4).ولم تعدم الجمعيات النسوية في بلدنا الحبيب مصر، استقطاب عدد من الرموز الدينية- وهي قلة قليلة جدا بفضل الله- ارتضوا أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا، ورضوا بمسايرة هذه الجمعيات فيما ترمى إليه إلى الحد الذى جعل أحدهم يصرح قائلا على منصة أحد مؤتمراتهم بأنه “لا وجود للتعدد في الإسلام، ولا وجود للطلاق بالإرادة المنفردة، وأن هناك تفسيرات متعددة للضرب، منها الضرب فى الأرض فلِم نأخذ بالضيق منها” الأمر الذى هللت له النسويات، ووصفت آرائه بالثورية ودعت الإعلام الرسمي إلى استضافة أمثال هؤلاء وإبرازهم فهم الذين يمثلون الفكر الديني المستنير.وفىي ندوة أخرى عقدتها جمعية نسوية أخرى تعمل على ذات المحور: تطويع الشريعة بما يوائم الشرعة الدولية- يقول أحد علماء الدين الذين تستعين بهم دوما هذه الجمعيات: “كيف نعيش القرن ال21 بعقل القرن الثالث أو الرابع. أرى بعض الناس صورة من أهل الكهف بصورهم وعقولهم”.أما عن أبرز النقاط المطروحة في الندوتين السابق ذكرهم، والتي تمس ثوابتنا بشكل واضح ومطلوب من علماء الدين (المستنيرين) تطويع الشريعة بما يوائم التزاماتنا الدولية هي:1- كيفية تطويع مفهوم (القوامة في الدين) كي يتناسب مع مفهوم (تمكين المرأة اقتصاديا)، كما تطالب به الاتفاقيات الدولية. فالنسويات يرون أن الإسلام في تحميله للرجل مسؤولية الإنفاق، وإعفاء المرأة من ذلك، فإنه بذلك رسخ مسؤوليتها عن المنزل والأمومة، وهذا الفهم تراه النسويات سيعمل على إقرار المرأة بالبيت، وعلى حد تعبيرهن بأنه يعد (ردّة) إلى الوراء، وفشل ذريع. ولحل تلك الإشكالية (عدم ردة المرأة للمنزل) أصرّت إحداهن على إجبار المرأة على الإنفاق داخل الأسرة؛ لأن هذا في ظنها يعمل على ترسيخ مفهوم أهمية العمل عند المرأة. (وهو ما تم عمله بالفعل في مدونة الأحوال الشخصية المغربية الجديدة، حيث تم إلزام المرأة بواسطة القانون، بالإنفاق على الأسرة مناصفة مع الرجل.2-القضية الثانية: تتعلق بالإرث، حيث ترى النسويات أن: “(التمييز) الذي ينص عليه القرآن بين نصيب الأخ والأخت في ميراث الأب والأم يحتاج (تفسيرا) في زمن لم يعد الأخ ينفق على أخته، بل ولم يعد ينفق على أسرته بالكامل، حيث يزداد تحمل المرأة لمسؤوليات اقتصادية نحو أسرتها. وبالمثل تقاسم الإناث إرث الوالدين مع آخرين، من خارج الأسرة النووية (الأعمام والأخوال) في حالة عدم وجود أبناء ذكور للمورث هو أمر يحتاج لمراجعة!! (وهو ما تم بالفعل في القانون التونسي، حيث تم توريث الابنة التي ليس لها إخوة بالكامل).1- القضية الثالثة: تتصل بإعطاء الزوج حق تأديب زوجته بالضرب، وترى النسويات أنه: “مهما اجتهد المفسرون في وصف نوعية الضرب وخفة تأثيره، إلا أنه يظل يخالف الاتفاقيات الدولية، كأحد أشكال العنف ضد المرأة، فكيف ستتصرف الحكومات في البروتوكول الاختياري الذى يعطى للمرأة حق الشكوى للمحكمة الجنائية الدولية في حال تعرضها للضرب ولم تأخذ لها حكومتها حقها؟”.2- القضية الرابعة: تتمثل في قضية تعدد الزوجات، وتتفق النسويات على أن: “القراءة المتكاملة لكل النصوص القرآنية الخاصة بهذه القضية تصل إلى منع التعدد كلية ، خاصة أن بعض الدول العربية الإسلامية قد جرمت التعدد مثل تونس، فلماذا ـ على حد قول إحداهن – أن مصر من الدول التي تختار من النصوص ما يمنع حتى تقييد هذه الظاهرة”!.3- القضية الخامسة: تتمثل في حق الرجل في إيقاع الطلاق منفردا، دون شروط أو مراجعة المؤسسة القضائية، وتستنكر بالطبع النسويات تمتع الرجل بهذا الحق، وتطالب بمنعه.وأخيرا: ـ وليس آخرا ـ أطلق صيحة تحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: إن الأمر جد خطير، وأمثال هذه الندوات كثير، ويعقد في أماكن خطيرة، كالمجلس الأعلى للثقافة، وإذا كانت الجمعيات النسوية تفعل هذا للاغتراف من نهر التمويل المتدفق، فبماذا سيجيب علماء الدين الذين يساندونهم حينما يسألهم المولى عن استخدامهم في تجييش الناس وجمعهم حول تلك الأجندة المشبوهة، وماذا هم قائلون للأجيال المقبلة في حال ـ نسأل الله العافية- نجاح النسويات في بلادنا في ممارسة ضغوطها على الحكومات، وتغيرت القوانين الخاصة بالأسرة، آخر ما تبقى لدينا للذود عنه؟.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالإحالات:1- لمزيد من التفاصيل حول مهاجمة النسويات للأديان انظر- Daly.M.”Beyond God the father: Towards a philosophy of womens’s liberation”londo” the women’s press.19732- سيمون دي بوفوار 4 الجنس الثاني، من كتاب الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإنسانية، ص 34.3- فقد أصدرت الأمم المتحدة في عام 1967م إعلانًا خاصًّا بالقضاء على التمييز ضد المرأة، دعت فيه إلى تغيير المفاهيم، وإلغاء العادات السائدة التي تفرق بين الرجل والمرأة، مع زيادة مساحة الدور المعطى للمنظمات غير الحكومية، حيث اعترف الإعلان صراحةً بأن المنظمات النسائية غير الحكومية هي القادرة على إحداث هذا التغيير، عن طريق تحدي الأعراف والقيم الدينية والثقافية السائدة.4-http://www.yassar.freesurf.fr/tiamat/bal445.htmlالمصدر:لها أون لاين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يزعم غويلد أنه لم يكن هناك إلا قلة من العلماء الذين آمنوا بالمساواة، في حين أن كل العلماء تقريبًا اعتقدوا بأن السود والنساء والمجموعات الأخرى أدنى فكريًا وأنهم أقرب للحيوانات الدنيا. ولم يردد أي من هؤلاء العلماء هذه الأحكام المسبقة ببساطة دون دراسة وتفكير مكثفين حول نظرية التطور. لقد حاولوا الإثبات علميًا أن النساء أدنى وذلك بإنجاز مقدار كبير من البحوث التجريبية، و حتى اليوم ما زال هناك بعض علماء التطور يتقبلون هذه الاستنتاجات. - المرأة بين الداروينية والإلحاد، د.جيري بيرغمان

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...