استراتيجية المرأة العربية ٢٠٣٠م: ما سر الاحتفاء النسوي؟!

خلال جلسته الافتتاحية، المنعقدة بالعاصمة الأردنية عمَّان يوم الأحد (26 مارس 2017م)، أقرَّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي التحضيري للقمة العربية في دورتها الـ 28: “إعلان القاهرة للمرأة العربية” الصادر في 23 فبراير 2014م، وكذلك “الإستراتيجية العربية للنهوض بالمرأة 2030م”، بصفتها وثيقة الإستراتيجية المرجعية في المنطقة العربية للنهوض بأوضاع المرأة، وتمكينها على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحمايتها من كافة أشكال العنف، وأثناء النزاعات المسلحة والحروب والإرهاب.

وكلف مشروع القرار، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالعمل على متابعة تنفيذ إعلان القاهرة للمرأة العربية، وخطة العمل الإستراتيجية التنفيذية “أجندة تنمية المرأة 2030م”، كما أسند إلى الأمانة العامة، عرض تقرير دوري على القمة العربية، كلَّ خمس سنوات، حول مدى التقدم المحرز في هذا المجال.

وقد قوبل هذا القرار باحتفاء واسع من جمعيات نسوية وإعلاميات عربيات. معتبرين إياه انتصارًا للمرأة العربية جاء بعد ثلاث سنوات من المداولات!

ووفق ما أعلنته المتحدثة باسم الاجتماعات التحضيرية للقمة العربية، السفيرة ريما علاء الدين؛ فإن القرار جاء تماشيًا مع الأجندة الدولية للتنمية المستدامة 2030م، وبصفة خاصة الهدف الخامس المعني بتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين ببلوغ عام 2030م.

مقاصد وأهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030م:

وخطة التنمية المستدامة لعام 2030م، -التي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015م في قمة أممية تاريخية، ودخلت حيز التنفيذ في 1 يناير 2016م ـ تتضمن 17 هدفًا، ينص الهدف الخامس منها على “تحقيق المساواة بين الجنسين، وتمكين كل النساء والفتيات”، ومن أهم مقاصده: القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات في كل مكان، وكفالة مشاركة المرأة، مشاركة كاملة وفعالة، وتكافؤ الفرص المتاحة لها للقيادة على قدم المساواة مع الرجل على جميع مستويات صنع القرار في الحياة السياسية والاقتصادية والعامة، وكذلك اعتماد سياسات سليمة وتشريعات قابلة للإنفاذ، وتعزيز السياسات والتشريعات القائمة من هذا القبيل للنهوض بالمساواة بين الجنسين، وتمكين كل النساء والفتيات على جميع المستويات.

وبالعودة إلى “إعلان القاهرة للمرأة العربية”، نجد أنه يتضمن 13 بندًا، بالإضافة إلى آليات عمل كثيرة على مختلف الأصعدة: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والقضاء على العنف ضد المرأة.

 وينص “إعلان القاهرة” في أبرز بنوده وأهمها على “التوافق والتضامن حول هدف مستقل يعنى بمساواة المرأة، وتمكينها ضمن أهداف الخطة الإنمائية لما بعد 2015م، كما طرحته هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وكذلك الأخذ بمنظور “النوع الاجتماعي” في كافة جوانب وأهداف المنظومة الإنمائية الجديدة”.

المساواة في المفهوم الأممي:

وطرْحُ الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين، إنما تعني به المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في التشريعات والحقوق والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر.

وهذا الإطلاق في المساواة الذي يطال جميع نواحي الحياة، يخالف الشريعة الإسلامية التي ساوت بين الرجل والمرأة في بعض الأمور (كالحق في التملك والتصرف المالي، وحفظ الدم والمال والكرامة…)، وقدَّمت المرأةَ على الرجل في بعض الأمور، التي تناسب فطرتها وطبيعتها (كاستحقاقها المهر عند الزواج، وحضانة الصغار عند الطلاق، وفي البر الذي هي فيه مقدمة على الآباء)، كما قدمت الشريعة الرجل، وميزته على المرأة في بعض الأمور التي تناسب طبيعته (كتأسيس بيت الزوجية، والإنفاق على الأسرة، والدفاع عنها ولو قتل دون ذلك).

وهذا باب واسع، والأمثلة عليه في شرعنا الحنيف لا يكاد يأتي عليها العد، وهو ما يمكن إجماله في أن الإسلام حفظ للمرأة المكانة اللائقة بها في ثلاثة مجالات رئيسية:

إنسانيًّا: حيث اعترف بإنسانيتها كاملة كالرجل، وهو ما كان محل شك أو إنكار عند أكثر الأمم المتمدنة سابقًا.

اجتماعيًّا: حيث فتح أمامها مجال التعلم، وأسبغ عليها مكاناً اجتماعياً كريماً، في مختلف مراحل حياتها منذ طفولتها حتى نهاية حياتها، بل إن هذه الكرامة تنمو كلما تقدمت في العمر: من طفلة إلى زوجة، إلى أم.

حقوقيًّا: حيث أعطاها الأهلية المالية الكاملة في جميع التصرفات، حين تبلغ سن الرشد، ولم يجعل لأحد عليها ولاية من أب أو زوج أو رب أسرة.

وهذا ما يقودنا إلى التأكيد على أن الشريعة الإسلامية، حفظت للمرأة حقها على أكمل الوجوه، كما حفظت للرجل حقه على أكمل الوجوه، وما كان وراء ذلك من أمور ورد فيها فروق، كالشهادة، والميراث، ودية المرأة، ورئاسة الدولة، فإنما هو راجع إلى ضرورات اجتماعية واقتصادية ونفسية اقتضت ذلك، وراعتْ طبيعة المرأة وما يناسبها من أعمال داخل المجتمع، وليس في هذا ما يخل بمبدأ مساواتها بالرجل في الإنسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية.

ثم إن ما يمكن ملاحظته بعد ذلك من آحاد الناس، أو في بعض المجتمعات، أو في بعض أزمنة الانحطاط الحضاري والفكري، من تمييز ضد المرأة، لا يمكن أن يُتَّخذَ ذريعةً للاعتداء في أمر المساواة والوصول بها إلى حدِّ التماثل التامِّ مع الرجل، فإن هذا قد أفضى في بعض المجتمعات إلى أن أصبح الرجال هم من باتوا في حاجةٍ إلى مَن ينتصب مدافعًا عن بعض حقوقهم، التي أهدرت تحت دعاوى المساواة.

اتفاقيات الغرب: ماذا حققت للمرأة؟

وإذا كان الغرب قد سعى إلى إقرار بعض الاتفاقيات التي تحافظ على حقوق المرأة، فإن ديننا قد سبق إلى ذلك وأعطى المرأة منزلة ارتفعت بها عما كانت عليه قبل الإسلام، وعما كانت سائدة في أوروبا والغرب إلى عهد قريب، وإننا إذا توسعنا في ضرب الأمثلة على ما كان يطال المرأة من امتهان واحتقار في تلك الأزمنة؛ بلغ حد اعتبارها نجسًا أو متاعًا يُباع ويُشترى!. ويكفي هنا أن نسوق مثلا واحدًا كالإشارة إلى ما كان هنالك، ورفعه الإسلام عن المرأة، وأعلى منزلتها، وأكرمها أيَّما إكرام.

فقد كان القانون الإنجليزي حتى عام 1805م يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن)، وقد حدث أن باع إنجليزي زوجته عام 1931م بخمسمائة جنيه، وقال محاميه في الدفاع عنه: (إن القانون الإنجليزي عام 1801م يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات، بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة)، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد أُلغِىَ عام 1805م بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة سنوات.

والعصر الحالي لا يقل ضرواة عن سابقة, فيما يتعلق بوضعية المرأة في الغرب, فقد عقد مؤتمر وطني في باريس في عام 1987م لوضع تصور عن وضعية النساء في العام 2000م، عرض المؤتمر تفاصيل وضع المرأة الحالي في فرنسا، وجاء فيها نسب تخص المرأة الفرنسية؛ منها:

• نقصت أعداد المتزوجات زواجًا شرعيًّا بمقدار (68000 ألف امرأة) خلال ست سنوات فقط.

(20%) من الولادات كانت عن طريق الزنا (خارج إطار الزواج).

 (73 %) من طلبات الطلاق كانت من المرأة.

(25 %) من الوظائف يمارس فيها التمييز الجنسي على النساء.

• النساء يُوجَدْنَ في مهنٍ معينة تشكل (20) مهنة من بين (455) مهنة في فرنسا.

• المرأة الفرنسية لا تشغل في مهن النواب ومناصب الإدارة إلا 6%.

(41 %) من الفرنسيات يَمتهنَّ الفن والترفيه والمنوعات!

مخاوف ومحاذير:

إن سائر بنود “إعلان القاهرة” تدور باختصار في فلَكِ مسألة مساواة المرأة مع الرجل، والقضاء على أي مظاهر للتمييز ضدها على مختلف الأصعدة، ونحن نقول ونكرر: إن قمع المرأة أو ممارسة التمييز ضدها بغير حق، هو لا شك مما يخالف الإسلام، ويصطدم مع شريعتنا التي تحترم المرأة، وتحفظ لها مكانتها ودورها في المجتمع كما لم يفعل ذلك أي نظام على وجه الأرض.

لكن ثمة مخاوف من أن يكون قرار قمة عمَّان بخصوص اعتماد “إعلان القاهرة للمرأة العربية” و”الإستراتيجية العربية للنهوض بالمرأة 2030م”، كوثيقة الإستراتيجية المرجعية في المنطقة العربية للنهوض بأوضاع المرأة وتمكينها، تمهيدًا لإلغاء تحفُّظات الدول العربية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تُعرف اختصاراً باتفاقية (سيداو – CEDAW) التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1979م، ودخلت حيّز التنفيذ في الثالث من سبتمبر 1981م.

وقد انضم كثيرٌ من الدول العربية والإسلامية إلى هذه الاتفاقية، استجابة لدعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعض الدول العربية تحفَّظت على بعض بنود الاتفاقية؛ نظرًا لأنها تخالف قوانينها أو أعرافها الداخلية، أو لأنها “تمسّ بالقيم الإسلامية ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحة”، أو أنها مخالفة لـ”الخصوصية الثقافية والقيم الإسلامية السمحة”، بحسب تصريحات بعض المسؤولين العرب. كما صدرت العديد من الفتاوى لدور إفتاء رسمية، تؤكد أن اتفاقية سيداو فيها مخالفات واضحة، وتصطدم صدامًا مباشرًا مع الشريعة الإسلامية.

وتتعلق تلك التحفّظات بمواضيع من قبيل تنظيم تشريعات الأسرة، ومنها ما يتعلق بالحضانة والوصاية والولاية والقوامة والإرث، وجنسية الأبناء وزواج الأطفال، وتعدد الزوجات، والحق في الطلاق والنفقة وزواج المسلمة من غير المسلم!.

والكلام في شأن اتفاقية سيداو، وما تتضمنه من بنود تخالف الشريعة الإسلامية قديمٌ، لكنَّ المخاوف الحقيقية أن يكون القرار الذي اعتمدته قمة عمَّان خطوة أولى في سبيل إلغاء تحفظات الدول العربية والإسلامية على اتفاقية سيداو، وهو ما ينادي به بعض المغيَّبين عن شريعتهم، وواقع مجتمعاتهم وبلدانهم.

<span style=”font-size: 14pt; box-sizing: border-box; font-weight: inherit; outline: 0px; vertical-align: top; font-family: ” droid=”” arabic=”” naskh=”” regular”;=”” direction:=”” rtl;=”” color:=”” red;=”” border:=”” 0px=”” none;=”” mar

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يزعم غويلد أنه لم يكن هناك إلا قلة من العلماء الذين آمنوا بالمساواة، في حين أن كل العلماء تقريبًا اعتقدوا بأن السود والنساء والمجموعات الأخرى أدنى فكريًا وأنهم أقرب للحيوانات الدنيا. ولم يردد أي من هؤلاء العلماء هذه الأحكام المسبقة ببساطة دون دراسة وتفكير مكثفين حول نظرية التطور. لقد حاولوا الإثبات علميًا أن النساء أدنى وذلك بإنجاز مقدار كبير من البحوث التجريبية، و حتى اليوم ما زال هناك بعض علماء التطور يتقبلون هذه الاستنتاجات. - المرأة بين الداروينية والإلحاد، د.جيري بيرغمان

إضاءة باحثات

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...