دراسات: دراسة: «مدى مشروعية حظر ارتداء الحجاب والنقاب في فرنسا»

هبة بوكر الدين

 

تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة مدى مشروعية حظر ارتداء الحجاب والنقاب في فرنسا في إطار النصوص الفرنسية والاتفاقيات الدولية والأوروبية؟ خصوصا بعد انتشار ظاهرة الخوف من الإسلام والمسلمين(الإسلاموفوبيا) حيث اتخذت الدول الأوروبية مجموعة من الإجراءات وصلت إلى حد إصدار قوانين، وفي هذا السياق أصدرت فرنسا قوانين عديدة منها:

– قانون رقم 288-2004 المؤرخ في 15 مارس 2004 المتعلق بحظر ارتداء الرموز الدينية بما فيها الحجاب داخل المدارس والمعاهد الحكومية.

– قانون رقم1192-2010 المؤرخ في 11 أكتوبر 2010 المتعلق بحظر تغطية الوجه(النقاب) في الأماكن العامة.

ومن ثم، ستركز الدراسة على ثلاث مسائل أساسية، تتعلق الأولى بمدى تلاؤم قانوني 2004 و2010 مع النظام القانوني الفرنسي. وتخص الثانية مدى مواءمة القانونين مع الاتفاقيات الدولية، وأخيرا تعرض لمدى توافق المقالين مع الاتفاقيات الأوروبية.

يتطرق المحور الأول من الدراسة إلى مدى تلاؤم قانوني حظر الحجاب(2004) والنقاب(2010) في فرنسا مع نظامها القانوني، من خلال ثلاث قضايا فرعية:

* مدى انسجام القانونين مع إعلان حقوق الإنسان والمواطنة لسنة 1789: ترى الباحثة أنه يحق لكل مواطنة فرنسية ممارسة شعائرها الدينية سواء بارتداء الحجاب أو النقاب، وذلك حسب المادة 10 من إعلان حقوق الإنسان لسنة 1789 التي تمنع التعرض لأي شخص بسبب آرائه وأفكاره، حتى ولو كانت دينية حيث نصت على ما يلي:”لا يجوز إزعاج أي شخص بسبب آرائه حتى الدينية منها…” وعلى أساس هذه المادة يعتبر الفقه الفرنسي وعلى رأي “كلود دونراند” القانونين غير مؤسسين قانونيا؛ بالإضافة إلى أن ارتداء الحجاب والنقاب لم ولن يضر بأحد سواء داخل المدرسة أو الجامعة أو حتى خارجها، وحتى النقاب، فلا يعتبر من مهددات الأمن في فرنسا والإسلاموفوبيا ولا يمنح الحق أو السلطة للمشرع الفرنسي في الاعتداء على حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ بالمقابل نجد تبرير موقف المجلس الدستوري الفرنسي سواء عندما عرض عليه قانون حظر ارتداء الرموز الدينية في المدارس والمعاهد الحكومية أو قانون حظر النقاب، بأن للدولة الفرنسية السلطة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على النظام العام والأمن مستندا في ذلك إلى المادتين 4 و10، التي تقيد الحرية بحدود القانون وعدم تهديد أمن المجتمع وبأولوية حماية النظام العام والأمن العام ولو على حساب الحرية الدينية.

* مدى انسجام القانونين مع قانون 9 ديسمبر1905 المؤسس للعلمانية والذي تم الارتكاز عليه مبررا لإصدار قانوني حظر ارتداء الحجاب والنقاب. غير أن الدراسة ترى أن هذا المبرر يصطدم بـعدم وجود تعريف قانوني للعلمانية، خصوصا وأن هذا المفهوم تطور في فرنسا من فصل الكنيسة عن الدولة، وبعدها أصبح فصل المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية، وحاليا تعني الفصل الصارم بين الدين والدولة. وعلى هذا الأساس، تم تكريس العلمانية داخل كل المؤسسات الحكومية الفرنسية وحظر ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية والنقاب داخل المؤسسات الحكومية، لكن الأمر امتد ليشمل الأماكن العمومية والشارع العام. كما أن اتخاذ أساس قانوني من قانون 1905 أمر مرفوض نظرا لعدم تناسب مفاهيمه وفترة صدورهما، لأنه يناسب فترة كانت الكنيسة هي التي تسير الدولة. ومن جهة أخرى، لم تحترم فرنسا بإصدارها قانوني حظر ارتداء الرموز الدينية، الهدف الحقيقي لإقرار العلمانية، فهي ليست مجرد حارس حدود يقتصر عمله على فرض احترام الفصل المطلق ما بين الدولة والأديان، بل يقتضي الأمر التوازن ما بين حياد الدولة وحرية المعتقد دون منح أي امتياز لدين معين. وهكذا تتفق الدراسة مع قرار مجلس الدولة الفرنسي في قرار المتعلق بالنقاب بتاريخ12-04-2012 في كون قانون فصل الكنيسة عن الدولة لا يصلح أن يكون أساسا للحظر.

* مدى انسجام القانونين مع الدستور الفرنسي لسنة 1958، إذ تلاحظ الدراسة أن مجلس الدولة الفرنسي قد انتقد فعلا المبررات التي تم الاستناد إليها في إصدار هذين القانونين بسبب إخلالهما بمبدأ المساواة(المادة1 من الدستور الفرنسي وإعلان حقوق الإنسان والمواطنة 1789) ومبدأ الكرامة الإنسانية وحمايتها مع حق كل فرد في حرية المعتقد، ليخلص أن مجلس الدولة لا يمكن فرض منع كامل وشامل على تغطية الوجه بشكل عام أيا كانت أشكاله وصوره، وكذلك حظر ارتداء الرموز الدينية بما فيها الحجاب، لأنه سينتهك حقوقا أساسية وحريات عامة كالحق في التنقل والعمل وحرية المعتقد الديني والحرية الشخصية والخاصة.

ويركز القسم الثاني من الدراسة مدى مواءمة قانوني حظر ارتداء الحجاب والنقاب للنصوص الدولية، انطلاقا من المحاور الفرعية الآتية:

* مدى مواءمة القانونين للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث تنص المادة 18 فقرة1 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه:”لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة” فطبقا لهذا النص، يحق لأي فرنسية أن تعتنق الدين الإسلامي، وبالتالي يحق لها أن ترتدي سواء الحجاب أو النقاب أمام الملأ.

* مدى مواءمة القانونين لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، إذ تمنع هذه الاتفاقية في مادتها الأولى أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستهدف تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة، وفقا لهذه الأخيرة يعتبر كل من قانوني حظر ارتداء الحجاب والنقاب غير شرعيين وبخاصة أن قانون حظر النقاب استصدر تحت ضغط إعلامي وسياسي من اليمين المتطرف؛ فتصرفه يعتبر تحريضا على الكراهية والتمييز العنصري. ورغم أن هذه الاتفاقية تؤكد في المادة السابعة بأن تتعهد الدول باتخاذ تدابير فورية وفعالة ولا سيما في ميادين التعليم والثقافة والتربية والإعلام، بغية مكافحة النعرات المؤدية إلى التمييز العنصري، وتعزيز التفاهم والتسامح والصداقة بين الأمم والجماعات العرقية أو الإثنية الأخرى، وكذلك نشر مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وتعلق الباحثة بأن فرنسا ضربت عرض الحائط هذه المادة، وأصدرت قانونين يكرسان التمييز العنصري ضد الإسلام والمسلمين.

* مدى مواءمة القانونين للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تعبر عن الحماية المضاعفة التي تتمتع بها المرأة، فيعتبر كل من قانون حظر تغطية الوجه في الأماكن العامة وحظر الحجاب كجزء من قانون منع ارتداء الرموز الدينية في المدارس والمؤسسات الحكومية غير شرعيين لأنهما يتعارضان مع نص المادة3 من هذه الدول التي تحث على ضرورة سن قوانين تكفل تطور المرأة وتقدمها الكاملين وذلك لتضمن ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

أما القسم الثالث، فيتعلق بتحليل مدى توافق قانوني حظر ارتداء الحجاب والنقاب في فرنسا مع الاتفاقيات الأوروبية، من خلال الاتفاقيات والمواثيق الأوروبية، وهي:

* مدى توافق القانونين مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تعد المادة 9 من هذه الاتفاقية من أهم الحقوق المكرسة لحرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر التعبدية، بحيث نصت في فقرتها الأولى على أن”لكل إنسان الحق في ممارسة التفكير والضمير والعقيدة وحرية إعلان الدين أو العقيدة بإقامة الشعائر والتعليم والممارسة والرعاية سواء على انفراد أو بالإجماع مع آخرين بصفة علنية أو في نطاق خاص”؛ وانطلاقا مما تقدم، تعتبر الدراسة كل من قانون حظر ارتداء الرموز الدينية بما فيها الحجاب وقانون حظر النقاب غير مشروعين، لأنهما يحدان من حرية ممارسة الشعائر الدينية المتجسدة في ارتداء الحجاب والنقاب، رغم أن للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان موقف آخر فكل قضايا حظر ارتداء الرموز الدينية التي نظرت فيها المحكمة أكدت على أن المادة 9 الفقرة 2 تفسح المجال للدولة في وضع القيود على ممارسة الشعائر الدينية في حالة ما إذا كان نظامها مهددا.

* مدى توافق القانونين مع ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، الذي أكد على احترام التنوع الديني داخل المجتمعات الأوروبية، وسيترتب على ذلك المادة 10 من الميثاق المؤكدة على ضرورة إتاحة المجال لأي شخص بأن يمارس شعائره الدينية، سواء بشكل علني أو سري، لكن هذه المفاهيم لم تؤخذ بعين الاعتبار في فرنسا.

وعلى ضوء هذا النقاش القانوني والدستوري والحقوقي الذي تتبعته الدراسة على مستوى تطور البنيات القانونية الفرنسية والمواثيق الدولية والأوروبية ومقارنتها بقانوني حظر الحجاب والنقاب، تخلص الدراسة إلى استنتاجات مهمة، هي:

– إن الدافع الحقيقي لإصدار قانوني الحظر يكمن في تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا وصعود اليمين المتطرف.

– إن كلا من القانونين غير مشروعين بالاستناد إلى النظام القانوني الفرنسي ولاسيما إعلان حقوق الإنسان والمواطنة لعام 1789 وقانون ديسمبر 1905، والدستور الفرنسي أو الاتفاقيات الدولية.

– إن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وميثاق الحقوق الأساسية لسنة 2000 وضعتا قيودا على ممارسة الشعائر الدينية، إذا كانت ممارستها تمس النظام العام والأمن القومي في الدولة، ونظرا لأن ارتداء الحجاب والنقاب لا يهدد الأمن القومي الفرنسي في شيء ولا النظام العام وأن الاتفاقيات الدولية تسمح للمرأة بممارسة شعائرها يمكن اعتبار هذين القانونين غير شرعيين.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء 2 لنادي أمومة التربوي: “12 قاعدة لأداء دورك التربوي بكفاءة”

6:30م - 8:30م
جميع الفعاليات