مقالات: حقوق المرأة في النظام القضائي (7)

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله. مستمعي الأفاضل. في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وما زال الحديث متصلًا في ثماني حلقات عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معِينةً لها على حفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاةً لوضعها وطبيعتها).

وقسمت حديثنا على أربعة محاور، وما زال الحديث عند المحور الثاني: “حقوق خلال العِشرة الزوجية”.

وفي هذه الحلقة، أسلط الضوء على أقسام الإصلاح الأسري في المحاكم.

مستمعي الأفاضل، كثير من هذه المشكلات التي تعتري البيتَ والأسرة يمكن حلُّها وتجاوزُ أثرها بما يكون بين طرَفي الخلاف من تفاهم واصطلاح، إلا أن هناك خلافات ونزاعات تستحكم بين الطرفين، فتستدعي تدخلًا من خارج البيت، وهنا يأتي دورُ الساعِين بالصلح، الراغبين في لمِّ شتات الأسرة من أقارب وأصدقاء، سواء كان ذلك عن طريق تقديم المشورة لأحد طرَفي النزاع، أو بالتدخل المباشر، وسماع ما لدى الطرفين، ثم طرح الحلول الملائمة.

وقد لا يوفَّق المصلحون في التوصل إلى حل يرضي طرَفي النزاع الأسري؛ لإصرار كل واحد منهما على رأيه، ومطالبته بحقه الذي يرى أحقيته به، أو لعدم أهلية المستشار الذي جرت استشارته.

هذا في حال تقدم الزوجين إلى جهة أو شخص يتولى عرض الصلح؛ إذ إن من المشاهد المعلوم أن غالب الخلافات الزوجية لا تُعرَض على جهة تتولى عرض الصلح بطريقة مناسبة، ومردُّ ذلك. من وجهة نظري.ـ لأسباب، منها:

1- عدم معرفة الزوجين بهذه الخدمة.

2- صعوبة الوصول إلى مَن يقدمها أحيانًا.

3- عدم الاقتناع بجدوى وأهمية طلب الاستشارة في هذه الأمور.

4- قلة المراكز المتخصصة في الإرشاد الأسري، مع تزايد الحاجة إليها.

ولا شك أن في حرمان الزوجين من يدٍ حانية ترفق بهما وتحاول لمَّ شتاتهما، وتعرض الصلح. الذي هو خيرٌ بنص كلام الله تعالى. أثرًا سلبيًّا على الأسرة.

في دراسة قمت بإجرائها على عدد من مراجعي المحكمة الجزئية للضمان والأنكحة بالرياض عام 1428هـ ممن حضر إلى المحكمة كي يعلن طلاقه ويثبِته لدى المحكمة، جرى توجيه سؤال إلى هؤلاء المراجعين، وفحواه: هل سبق لك استشارة أحد في مشكلتك مع زوجتك، والتي على إثرها قررت طلاقها؟، وكانت النتيجة كالآتي:

هل سبق طلب استشارة؟

عدد الحالات

النسبة

لا

356

65%

نعم

126

35%

وفي ظني أن هذه مصيبةٌ ينبغي الاحتساب في معالجتها، فحين يقدِم 65% من الأزواج على اتخاذ قرار الطلاق على إثر مشكلةٍ ما دون أن يستشير أحدًا يساعده في تجاوز مشكلته – لهو أمرٌ جلل، يستحق أن تتضافر الجهود على احتوائه ومعالجته.

علمًا أنه جرى توجيه سؤال ثانٍ لمن أجاب بأنه سبق له التقدم بطلب استشارة: (من استشرت؟)، وأجاب غالبهم بأنه استشار زميلًا أو صديقًا أو والدًا، ومن النادر أن يجيب بأنه تقدم لأحد المتخصصين، أو لأحد المراكز المتخصصة في الإصلاح الأسري.

فالحاجة ماسة إلى تفعيل مبدأ المشورة المتخصصة، وتيسيرها، وهذا واجب على الجميع، كلٌّ بحسب موقعه.

فهنا وحين يستحكم الخلاف لا يبقى إلا اللجوء إلى السلطة القضائية لتتولى فض النزاع بما لديها من صلاحية البتِّ والحُكم.

ولذا، كان للمحكمة دورها المؤثر في حل الخلافات الأسرية، والمحكمة جهة فصل في الخصومات، تقوم – بحكم ولايتها – بسماع ما لدى طرَفي المشكلة، وتستقصي ما عندهما من دعاوى وبينات ودفوعات، ثم تصدر حكمها في القضية بحسب ما يؤدي إليه اجتهاد ناظري القضية استنادًا إلى أدلة القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكلام أهل العلم، والقواعد الشرعية المعتبرة، وما يصدر من ولي الأمر من تنظيمات لا تتعارض مع ما سبق.

ومما جرى عليه العمل في غالب القضايا التي تنظرها المحاكم: عرض الصُّلح على الطرفين، ومحاولة تقريب وجهات النظر بينهما رجاءَ انتهاء القضية صلحًا؛ لِما في انتهاء القضية صلحًا من فوائدَ كثيرة للطرفين، ومنها:

1- سرعة انتهاء القضية، فمن المعلوم أنه لا يمكن للمحكمة أن تصدر حكمها حتى تستوفي ما لدى الطرفين من دعاوَى وبينات ودفوعات، وربما استغرق ذلك وقتًا في عدة جلسات، وخاصة في ظل ما تعانيه غالب المحاكم اليوم من كثرة القضايا، وقلة القضاة، وعدم انتظام الخصوم في حضور الجلسات.

2- براءة الذمة، وانتهاء الخصومة بالتراضي بين الطرفين دون اللجوء إلى حلف الأيمان وإحضار البينات.

3- إمكانية استعراض جميع نقاط الخلاف بين الطرفين، والتوصل إلى صلح فيها كلها في حال التراضي، أما في حال نظر المحكمة للقضية فالأصل إفراد كل خلاف بدعوى مستقلة؛ فقد جاء في لائحة المادة التاسعة والثلاثين من نظام المرافعات ما نصه: (لا يجمع في صحيفة الدعوى بين عدة طلبات لا رابطَ بينها).

4- في انتهاء القضية صلحًا: حفظٌ لأسرار الطرفين؛ فمن المعلوم أنه في حال نظر المحكمة للقضية فإن من اللازم استيفاء ما لدى الطرفين من أقوال ودعاوى، وغالبًا ما يكون منها ما يكره المدعي أو المدعى عليه إفشاءَه لولا الاضطرار إليه.

5- في انتهاء القضية صلحًا: سلامة الصدور، وتطييب الخواطر، وزوال الشحناء.

6- في انتهاء القضية صلحًا: تحصيل الخير الذي وعد الله تعالى به؛ قال الله تعـالى: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]، وقال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114].

ونظرًا لِما تعانيه المحاكم من كثرة القضايا وتنوعها، وصعوبة أن يتولى القاضي بنفسه عرضَ الصلح في جميع القضايا. وخصوصًا في القضايا الأسرية التي تستدعي وقتًا ونَفَسًا طويلًا. فقد ظهرت الحاجة إلى وجود مكتب ضمن تشكيل المحكمة، يتخصَّص في محاولة الإصلاح بين المتخاصمين، والتودد معهم، رجاءَ انتهاء الخصومة صُلحًا، ويساعد الطرَفين في تقريب وجهات النظر، وبيان عاقبة الشقاق والنزاع، وخاصة في القضايا الأسرية التي يمتد أثرها السلبي إلى الأولاد والأقارب.

فلذلك كله جرى افتتاح أقسام الصلح في عدد من المحاكم؛ كي تتولى الإصلاحَ بين المتخاصمين، وخصوصًا في المشكلات الأسرية، وظهرت ثمراتُ هذه الأقسام ودورها الفاعل في لمِّ شتات الأسرة، ورأبِ الصدع فيها.

ولا غرو، فالصلح خيرٌ كله، وصدق الله العظيمُ القائل: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128].

نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

المصدر:

http://cutt.us/r1e3F

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء 2 لنادي أمومة التربوي: “12 قاعدة لأداء دورك التربوي بكفاءة”

6:30م - 8:30م
جميع الفعاليات