مقالات: حقوق المرأة في النظام القضائي (5)

 

د. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله – مستمعي الأفاضل – في برنامجكم: “فقه التقاضي”، وما زال الحديث متصلًا في ثماني حلقات عن حقوق المرأة في النظام القضائي السعودي، والمقصود بحق المرأة في هذه الحلقات: (ما ورد في النظام القضائي من إجراءات تُحفظ بها حقوق المرأة، أو تكون معِينةً لها على حِفظ حقوقها، والإجراءات التي خُصَّت بها المرأة مراعاةً لوضعها وطبيعتها).

وقسمت حديثنا على أربعة محاور، وما زال الحديث عند المحور الثاني: “حقوق خلال العِشرة الزوجية”، وأشرتُ في الحلقة الماضية إلى أن من الأمور الهامة في التقاضي والخصومات في المنازعات الأسرية: معرفةَ الاختصاص القضائي للمحاكم في قضايا الأسرة والعلاقات الزوجية، وأن الاختصاص فيها غالبًا منعقدٌ للمحاكم العامة، وأنه مع أن الأصل إقامةُ الدعوى في محل سكن المدعى عليه، وهو المتقرِّر فقهًا ونظامًا، فإن اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية استثنت المسائل الزوجية من هذه القاعدة، وجعلت للزوجة في المسائل الزوجية الخيارَ في إقامة دعواها في بلدها أو بلد الزوج، وأن على القاضي إذا سمع الدعوى في بلد الزوجة استخلافَ قاضي بلد الزوج للإجابة عن دعواها، فإذا توجهت الدعوى أُلزِم الزوج بالحضور إلى محل إقامتها للسير فيها، فإذا امتنع سُمِعت غيابيًّا، وإذا لم تتوجه الدعوى ردها القاضي دون إحضاره، ويَسري هذا الحُكم على دعاوى الحضانة والزيارة في الأحوال الشخصية.

ونواصل استعراض ما يتعلق بالاختصاص القضائي؛ ففي المادة السابعة والعشرين من نظام المرافعات الشرعية: بيان اختصاص محاكم المملكة بالنظر في الدعوى المقامة على المسلم غير السعودي الذي ليس له محل إقامة عام أو مختار في المملكة، ونصها: (تختص محاكم المملكة بالنظر في الدعوى المقامة على المسلم غير السعودي، الذي ليس له محل إقامة عام أو مختار في المملكة؛ وذلك في الأحوال الآتية:

أ- إذا كانت الدعوى معارضة في عقد زواج يراد إبرامُه في المملكة.

ب- إذا كانت الدعوى بطلب الطلاق، أو فسخ عقد الزواج، وكانت مرفوعة من الزوجة السعودية، أو التي فقدت جنسيتها بسبب الزواج، متى كانت أي منهما مقيمة في المملكة، أو كانت الدعوى مرفوعة من الزوجة غير السعودية المقيمة في المملكة على زوجها الذي كان له محل إقامة فيها متى كان الزوج قد هجر زوجته وجعل محل إقامته في الخارج، أو كان قد أُبعِد من أراضي المملكة.

ج- إذا كانت الدعوى بطلب نفقة، وكان المطلوب له النفقة مقيمًا في المملكة.

د- إذا كانت الدعوى بشأن نسب صغير في المملكة، أو كانت متعلقة بمسألة من مسائل الولاية على النفس أو المال، متى كان للقاصر أو المطلوب الحجر عليه محل إقامة في المملكة.

هـ- إذا كانت الدعوى متعلقة بمسألة من مسائل الأحوال الشخصية الأخرى، وكان المدعي سعوديًّا، أو كان غير سعودي مقيمًا في المملكة، وذلك إذا لم يكن للمدعَى عليه محل إقامة معروف في الخارج.

وفي اللائحة التنفيذية للمادة:

27/4 يكون نظر الدعوى في الأحوال المذكورة في هذه المادة في بلد المدعِي.

27/5 يقصد بمسائل الأحوال الشخصية الأخرى الواردة في الفقرة (هـ) ما كان مثل: المواريث، والوصايا، والحضانة.

مستمعي الأفاضل، من نماذج الخصومات الأسرية التي ترِد للمحاكم نشوزُ الزوجة وامتناعها عن بذل حقوق زوجها عليها، وقد عالجتِ الشريعة الإسلامية النشوزَ معالجةً حكيمة، وسارت على ذلك المحاكم في المملكة العربية السعودية، ولأهمية الموضوع صدَر فيه قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية مبينًا الإجراءات التي يسلكها القاضي في دعوى النشوز، وقد أخذت المحاكم بهذا الإجراء بناءً على التعميم الصادر من وزارة العدل برقم 55/12/ت في 22/3/1395هـ، ولا زالت عليه، وفيما خلاصة قرار هيئة كبار العلماء رقم 26 في 21/8/1394هـ: “الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناءً على ما تقرَّر من اختيار موضوع النشوز ليكون من جملة الموضوعات التي تُعِدُّ فيها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثًا عرض على مجلس هيئة كبار العلماء، وبعد اطلاع المجلس على ما أعد من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها، وبعد تداول الرأي في ذلك، قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:

أن يبدأ القاضي بنُصح الزوجة وترغيبها في الانقياد لزوجها وطاعته، وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته، وأنها إن أصرَّت فلا نفقة لها عليه، ولا كسوة، ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يُرَى أنها تكون دافعة الزوجة إلى العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها، فإن استمرت على نُفرتها وعدم الاستجابة، عرض عليهما الصلح، فإن لم يقبلا ذلك نصح الزوج بمفارقتها، وبين له أن عودتها إليه أمر بعيد، ولعل الخير في غيرها، ونحو ذلك، مما يدفع الزوج إلى مفارقتها، فإن أصرَّ على إمساكها وامتنع من مفارقتها، واستمر الشقاق بينهما، بعث القاضي حَكَمينِ عدلين ممن يعرِف حالة الزوجين من أهلهما حيث أمكن ذلك، فإن لم يتيسر فمن غير أهلهما ممن يصلُحُ لهذا الشأن، فإن تيسر الصلح بين الزوجين على أيديهما فبها، وإلا أفهم القاضي الزوجَ أنه يجب عليه مخالعتُها على أن تسلمه الزوجةُ ما أصَدَقَها، فإن أبى أن يطلق حكم القاضي بما رآه الحكمانِ من التفريق بعِوض أو بغير عوض، فإن لم يتفق الحكمان أو لم يوجدا وتعذَّرت العِشرة بالمعروف بين الزوجين، نظر القاضي في أمرهما، وفسخ النكاح حسبما يراه شرعًا، بعِوض أو بغير عوض، والأصل في ذلك الكتابُ والسنة والأثر والمعنى… إلخ”.

ونظرًا لطبيعة النشوز بين الزوجين واحتياج القاضي إلى مزيدِ تأنٍّ وتروٍّ وبذلِ جهد ووقت في إصلاح حال الزوجين، فإن نظر هذه القضايا يستغرق الكثير من وقت القاضي، وربما رأى القاضي المصلحةَ في عدم تعجيل البتِّ في القضية؛ رجاءَ أن يصطلح الزوجان وتصلُح حالهما، كما أن الإثبات في هذا النوع من القضايا صعبٌ، وخصوصًا من قِبَل الزوجة؛ لأن الغالب في أحوال الزوجين الركونُ إلى الثقة المتبادلة، وعدم الحزم في توثيق الحقوق وضبطها، وهذا يطيل أمَدَ النظر في القضية.

وأقف هنا لانتهاء وقت البرنامج، مع أن الحاجة ملحَّة إلى مزيد بسط وإيضاح في هذا النوع من القضايا، ولعله يتيسر بإذن الله تعالى الحديثُ في الحلقات القادمة كي نسلط الضوء ونجلي الحال في هذا الموضوع الشائق والشائك، والله تعالى أعلم.

 

 

المصدر:

http://cutt.us/hI2rO

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات