قراءات: الأدب النسوي.. قراءة إسلامية

فاطمة عبدالرؤوف

 

يتماهى الكثير مِن مُثقَّفينا مع التوجُّهات الغربيَّة في الفِكْر والفلسفة والأدب، إلى حدِّ الذوبان، ويصبح كلُّ ما هو خارج عما هو شائع في الأدبيَّات الغربيَّة على هامش الفكر والثقافة لدى مثقفينا المتغربين، أصحاب الصوت المرتفع، والضجيج الإعلامي على الساحة الثقافية، فبينما يتم استبعاد الأدب الإسلامي من التيار النقدي التقليدي، تحت زعم أنه أدب موجه ومباشر.

وما إلى ذلك من مصطلحات تم نقلها حرفيًّا، وتم اعتبارها مسلمات مقدَّسة لا تجوز مناقشتها، وبينما تَمَّ التعامُل مع النصوص المقدَّسة باستخفاف، وتم إخضاعها لمنهج الشك تارة، ومنهج السياق التاريخي للتطور تارة أخرى – إلا أنهم لم يخضعوا منهج النقد الغربي – بكافَّة مدارسه – للشك والتمحيص، حتى يأتيَ غربيون آخرون لنقْد توجه، والترويج لآخر، فيتم النقْل عنهم بأمانة منقَطعة النظير.

أقول: على الرَّغم من أنه تَمَّ استبعاد، وتهميش الأدب الإسلامي؛ باعتباره أَدَبًا مُوَجَّهًا، تَمَّ الترحيب وبحفاوة لما يطلق عليه مصطلح الأدب النسوي، حتى إنه تم تدشين سلسلة بهذا المسمَّى، تُباع بسعرٍ رمزيٍّ دعمًا من وزارة الثقافة في دولة عربيَّة كبيرة.

وعلى الرغم من حالة الجَدَل الشديدة التي تثيرها دلالة المصطلح “الأدب النسوي”؛ تبعًا لدوائر الجَدَل الغربية، التي يتم النقل عنها، فإن هناك شبهَ اتِّفاق على أنه الأدب الذي تكتبه النساء وفقًا لرؤية معرفية، وفلسفية متَمَحْورة حول الأنثى: تاريخها، دورها، الظلم الذي تَتَعَرَّض له، مساواتها المنشودة مع الرجل، وفي أحيان كثيرة أفضليتها عليه، اجترار الأفكار التي جاء بها أنجلز عن المجتمع الأمومي وأصل العائلة، فالأنثى هي الأصل.

هذه الرؤية المتحيِّزة للأنثى لم تعد حكرًا على النساء، فهناك كتابات نسوية، متمَحْورة حول الفلسفة النسوية – يكتبها رجال؛ كرواية: يوسف زيدان “ظل الأفعى”، وهي رواية أشبه بمقال طويل في تمجيد الأنثى، وتتبُّع دورها عبر الحضارات، وهي الرِّواية التي حظيتْ باحتفاء شديد من النُّقَّاد، على الرغم من أفكارها المباشِرة، ولكن طالما أنَّ العمل الأدبي لا ينحاز للمرجعيَّة الإسلاميَّة، وله سند من الفلسفة الغربية، فهو داخل إطار الشرعية النقدية – إنْ جازَ التعبيرُ.

وتنتمي الفلسفة النسوية لتيار ما بعد الحداثة، خاصةً فلسفةَ التفكيك، تلك الفلسفة التي تتناقَض كلية مع مفهوم الثوابت والمقدَّسات، وتَتَبَنَّى منهجًا يُشبه “منهج السوفسطائيين قديمًا”، ومِن رَحِم هذا التفكير التفكيكي العبثي وُلِدَت الفلسفة النسوية، التي ترفض وبشدَّة الدور الفِطري للمرأة كأمٍّ وزوجة، باعتباره القيدَ الذي صَنَعَهُ المجتمعُ الذكوري لحبس وتقييد المرأة.

ولم يعد فقط من حق المرأة أن تعملَ خارجيًّا لكَسْب المال؛ بل صار واجبًا حتميًّا عليها، أما كونها زوجةً أو أمًّا، فهو خارج إطار هذه الفلسفة (العمل الإنساني هو: العمل الذي يقوم به المرء نظير أجرٍ نقديٍّ محسوب (كم محدد) خاضِعٍ لقوانين العَرْض والطَّلَب، على أن يؤديه في رقعة الحياة العامة، أو يصب فيه في نهاية الأمر.

وهذا التعريف يستبعد بطبيعة الحال الأمومة، وتنشئة الأطفال، وغيرها منَ الأعمال المنزلية، فمِثْل هذه الأعمال لا يُمكن حسابُها بدقَّة، ولا يمكن أن تنال عليها الأنثى أجرًا نقديًّا، رغم أنها تستوعب جُلَّ حياتها واهتمامها إن أرادت أن تؤديها بأمانة، ولا يمكن لأحد مراقبتها أثناء أدائها، فهي تؤديها في رقعة الحياة الخاصة.

باختصارٍ شديدٍ: عمل المرأة في المنزل لا يمكن حساب “ثمنه” (مع أن “قيمته” مرتفعة للغاية؛ الدكتور عبدالوهاب المسيري: “قضية المرأة” (ص- 17 و18).

الأدب النسوي هو انعكاسٌ لهذه الفلسفة المشوَّهة لكيان الأنثى وللأدب، كما هو معلوم طرقه الدافئة التي تَتَخَلَّل الأغوار البعيدة في النفس البشرية، إنه لا يخاطب العقل مباشرةً كما يفعل الخطاب الفلسفي الجاف، الذي يحفز العقل للانتباه، والرد على الشكوك المثارة.

أمَّا الأدب فله أيدٍ ناعمةٌ، وقلوب متكسِّرة، وأحزان دفينة، تَتَفَاعَل وتشعر بشكلٍ مختلف بما يقال، فالإنسانُ لا يستطيع قراءة الأدب بعقله فقط، وإنما بعواطفه التي يستجيشها الكاتب ويسيطر عليها، ومن هنا فالأعمالُ الأدبيَّة التي تَتَبَنَّى هذه الفلسفة النسوية هي أسوأ كثيرًا منَ الأعمال الفكريَّة والفلسفيَّة الخالصة.

وإذا كانتِ التفكيكيَّة تعمد إلى التشكيك في كلِّ الحقائق، وتعيد الحياة إلى سخافات الفكر الإنساني، فهذا ما تبنَّتْه النسوية أيضًا بجدارة، فالكاتبة “سحر الموجي” – وهي من أبرز الروائيات العربيَّات المحسوبات على هذا التيار – تُحاول بثَّ الحياة في الأساطير الفرعونية القديمة، وتعيد الاعتبار للآلهة الوثنية، خاصة إذا كانت هذه آلهة مؤنثة – تعالى الله علوًّا كبيرًا – باعتبار ذلك يعيد للمرأة مكانتها المسلوبة، ففي روايتها “نون” تمجِّد الكهانة وتجلياتها المختلفة.

تفعل الأسطورة وتجعلها مؤثِّرة على مصائر الشخصيات، ولا تُعْنَى كثيرًا بالوُصُول إلى إجابات نهائية، وتفكك الكاتبة في روايتها الوعي الجمعي للمجتمع المستمد من الشريعة الإلهية لرفض صورة الكاهنة، فتحاول استعادة الصورة الأولى للكاهنة الفرعونية، وتقصى التجليات الحديثة لهذا الحضور، ومُحَاولة إصلاح صورتها باعتبارها ذات حضور أنثوي مانح محتضن للحياة.

أما الرِّوائية “ميرال الطحاوي”، فهي تخصِّص أجزاء طويلة من روايتها “الباذنجانة الزرقاء”؛ للدفاع عن الأفكار النسوية المتطرِّفة، والمعادية لثقافة المجتمع، وقيمه المستمدة من دينه ووحيه الإلهي، والمتفقة تمامًا مع الفطرة النقيَّة، فتقول على لسان بطلتها “ندى”، التي تَمَرَّدَتْ على الخُلق العفيف وعلى الحجاب بوصفه قيدًا: “يحتل جسد المرأة حيزًا كبيرًا من دائرة استلابها.

فإن كان الكبت هو أول محاور استلاب المرأة وانتهاك آدميتها، فهي في الوقت نفسه أداة جنس، هذا التناقض بين وظيفة المرأة وصورة الجنس أدَّى إلى كثير منَ الخَلَل في وعيها بجسدها، وإلى تناقُض أعمق في مفهوم الشرف والعفَّة في العقليَّة العربيَّة”؛ “الباذنجانة الزرقاء: (ص127 -128).

ويصِلُ الأمرُ أن يكونَ الزواج اهتراء قيمي – تجليات الفلسفة التفكيكية – تقول ميرال: “إن المفاهيم التي تَتَحَدَّث عن شرف الجسد هي مفاهيم مكرسة للزيف والرياء الاجتماعي، وإن مساوئ إعلان الحقائق أقل من مساوئ كبتها وتزييفها، وعلى المرأة أن تتعامَلَ بمنطق ملكية جسدها، ملكية عفته وبكارته في مقابل تسليع الجسد أو سقوطه وعهره، حتى داخل المؤسسات الاجتماعية، وأولها الزواج بما يحمل في أشكاله التقليدية من اهتراء قيمي، وامتهان لجسد المرأة”؛ “الباذنجانة الزرقاء” (ص 135 – 136).

هذا هو الأدب النسوي على درجة عداء قصوى مع الدين والأخلاق، وهو السلاح الناعم للفلسفة النسوية، بينما تمثل الاتِّفاقيَّات الدولية الملزمة – كاتفاقية السيداو – السلاح الحاد لفرض قيم مجتمع ما بعد الحداثة بتفكيكيته وعبثيته وسخافاته على الضمير الإنساني وعقله وواقعه، وهو تَحَدٍّ كبيرٌ للأدب الإسلامي، والفكر الإسلامي الذي يملك وحده القدرة على الرد على هذه التَّرُّهَات.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

اللقاء 2 لنادي أمومة التربوي: “12 قاعدة لأداء دورك التربوي بكفاءة”

6:30م - 8:30م
جميع الفعاليات