دراسات: المرأة في عيون المنفلوطي (1)

مركز جنات للدراسات

كان من الكتاب المُميزين في عصره، ومن الأدباء المتفردين بأرقى العبارات وأكثرها سلاسة وأسرعها وصولا للقلوب..

تمتع بأدبه الفريد الكثيرون من محبي الأدب، وتأثر به الكثير منهم، ونهل من عذب كلماته قراءُ زمانه وما بعده.

غلب على كتاباته طابعُ الحزن والنظرة غير التفاؤلية إلى حد بعيد؛ فنراه قد برع في تصوير مواقف الحزن وتجسيدها للقارئ وكأنه يراها أمام عينيه، حتى في القصص التي ترجمها وهذبها نراه يتخير لها نهايات محزنة، فيزيدها حزنًا وبؤسًا بما أوتي من حسن تصوير وقدرة فائقة على تجسيد الأحزان وتمثيلها بأبرع الألفاظ وأجود العبارات، ونراه قد يغلب على أسلوبه النظرة السوداوية في بعض الأحيان!

هكذا عاش الكاتب المتميز والأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي..

وعلى عكس الكثيرين من كتاب عصره، فنادرًا ما نراه يتحامل على المرأة أو يصفها بالخبث، أو يتهمها بأبشع التُهَم، وأقبح الصفات، وقد يرجع ذلك إلى نشأته التي تختلف عن بعض كتاب زمانه؛ من حيث التمسك بالعادات والتقاليد والقيم الإسلامية الثابتة؛ فقد نشأ هذا الأديب في قرية (منفلوط) بصعيد مصر، وتلقى تعليمه في الأزهر الشريف بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، ونشأ في بيت عرف بالصلاح؛ إذ كان والده قاضيًا شرعيًًّا؛ كل ذلك غرس في نفسه النزعة الدينية والحرص على إكرام المرأة وإنصافها والبعد عن الجور والتأثر بأفكار الغرب.

فنراه يناشد الرجالَ، ويستعطف قلوبَهم، ويستدر الرحمةَ منها على النساء فيقول: “يا أقوياء القلوب من الرجال، رفقًا بضعفاء النفوس من النساء”!.

ونراه في موضع آخر ينصف المرأة، ومع ذلك فلا يحابيها؛ إذ نجده ينكر على أحد الكتاب –وهو جبران خليل جبران، ولم يشأ المنفلوطي أن يذكر اسمه- ما أيده من جريمة ارتكبتها إحدى الفتيات الساقطات وهي الهرب من بيت زوجها إلى عشيقها متعللةً بأن زوجها كبيرٌ وهي تقاسي معه الأمرّين، وإنه لمن الظلم أن تتزوج من يناهز أباها عمرًا! وما فعلت تلك الفعلة إلا لرفع الظلم عن نفسها!!

ويرد عليه المنفلوطي بأسلوبه المميز وعباراته البليغة في مقالة (الحب والزواج)، قائلا: “كل الأزواج ذلك الزوج إلا قليلًا، فإذا جاز لكل زوجةٍ أن تفر من زوجها إلى عشيقها كلما وقع في نفسها الضجرُ من معاشرة الأول، وبرقت لها بارقة الأنس من بين ثنايا الثاني، فويلٌ لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي والرابطة الزوجية بعد اليوم ألف سلام”.

ويتابع –رحمه الله- رده الهادئ والمفحم على كاتب القصة، قائلا:

“أيها الكاتب! ليس في استطاعتي، ولا في استطاعتك، ولا في استطاعة أحد من الناس أن يقف دورةَ الفلك، ويصدّ كرّ الغداة ومرّ العشي حتى لا يبلغ الأربعين من عمره مخافة أن تراه زوجته غيرَ أهل لعشرتها إذا علمت أنَّ في الناس من هو أصغرُ منه سنًا وأكثر منه رونقًا وأنضر شبابًا.

إنَّ الضجر والسآمةَ من الشيء المتكرر المتردد طبيعةٌ من طبائع النوع الإنساني، فهو لا يصبر على ثوب واحد أو طعام واحد أو عشير واحد، وقد علم الله سبحانه وتعالى ذلك منه، وعلم أنَّ نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بُني على رجل وامرأة تدوم عشرتُهما، ويطول ائتلافُهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن يعتبرا هذا الرباطَ مقدسًا حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما، وذهابهما في أمر الزوجية مذهبهما في المطاعم والمشارب، من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل غريب.

هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلًا من الزواج، فقد خالف إرادة الله وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة البيتية” ا.هـ

ثم نجد عاطفة الأبوة تتحرك بداخله نحو الفتيات، فيستنكر على الآباء والأمهات ويحذرهم من سوء معاملة الفتاة، واستثقالها إذا ما بلغت سن الزواج ولم تتزوج، فيقول في مقالة (البائسات): “متى بلغت الفتاةُ سنَّ الزواج استثقلَ أهلُها ظلَّها، وبرِموا بها، وحاسبوها على المضغة والجرعة والقومة والقعدة، ورأوا أنها عالة عليهم، وأن لا حق لها في العيش في منزل لا يستفيد من عملها شيئًا، وودوا لو طلع عليهم وجه الخاطب، أي خاطب كان، يحمل في جبينه آية البشرى بالخلاص منها”.

وهو يشير إلى عادة كانت سائدة في مجتمعه آنذاك، وهي إجبار الفتاة على الزواج بمن لا رغبة لها فيه، في قوله: “وإن قومًا هذا مبلغ عقولهم من الفهم، وقلوبهم من القسوة، وهذه منزلة فلذات أكبادهم من نفوسهم، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفاوضوها في اختيار الزوج، أو يحسنوا الاختيار لها حين يختارون”.

ثم يصور حال تلك المسكينة البائسة حين تدخل عالم الحياة الزوجية وما تقاسيه في ذلك البيت الجديد مع هذا القرين الغريب: “فإذا دخلت هذا المنزل الجديد، الذي لا تعرفه ولا تعرف شأنًا من شؤون أهله، دخلت في دور الجهاد العظيم بينها وبين قلب الرجل.

فإن كانت ذات جمال أو مال، فقد استوثقت لنفسها وأمنت آلام الهجر وفجائع التطليق، وإلا فهي تقاسي كل صباح ومساء في الحصول على الحسن المجلوب…”. إلى آخر كلامه رحمه الله.

ثم يحكي بعض المواقف التي شاهدها وعايشها بنفسه، في مجال ظلم المرأة والتعدي عليها، فيحكي قصة إحدى النساء بكل ألم وتحسر قائلا: “لا أنسى ليلة زرت فيها صديقًا لي، فرأيت عند بابه امرأة بائسة ليس وراء ما بها من الهم غاية، وكأنما هي الخلال رقة وذبولا، ووراءها صبية ثلاث يدورون حولها ويجاذبونها طرف ردائها، فتسبل فضل مئزرها على مآقيها المقرحة رأفة بهم أن يلموا ببعض شأنها فيبكوا لبكائها، فسألتها عن شأنها، فأخبرتني أنها مطلقة من زوجها، وأن بيدها حكمًا من المحكمة الشرعية بالنفقة لأولادها، وقد مر عليها زمن طويل والإدارة تماطل في إنفاذه، فجاءت إلى هذا الصديق تستعين به على أمرها…”.

ونرى إبداعه المعتاد في تجسيد الحزن وتضاعف العذاب على تلك المرأة، فقد جمعت بين شدة الحزن وشدة الحرص على إخفاء حالها عن الصبية شفقة ورفقًا بهم، وهذا من بلاغة المنفلوطي، وقدرته على تجسيد المواقف وحسن تصويرها، وإظهار تعاطفه مع المرأة المظلومة وتآزره معها.

ويختم مقالته (البائسات) بنداء عاجل لكل مُحسن ومن له قلب فيقول: “ويا أيها المحسنون، والله لا أعرف لكم بابًا في الإحسان تنفذون منه إلى عفو الله ورحمته أوسع من باب الإحسان إلى المرأة..

علموها لتجعلوا منها مدرسة يتعلم فيها أولادكم قبل المدرسة، وأدبوها لينشأ في حجرها المستقبل العظيم للوطن الكريم”.

هكذا كان المنفلوطي.. يتحدث تارة بصوت الأخ، وتارة بصوت الأب، وتارة بصوت المربي، وتارة بصوت الصديق الناصح، وفي كل أحواله لا نراه يظن بالمرأة إلا خيرًا، ولا يقول عنها إلا جميلا؛ عملاً بالحديث النبوي الكريم: ((استوصوا بالنساء؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء))، رواه البخاري.

المصدر

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

انتظروا جديدنا..

8مساء - 5مساءً
جميع الفعاليات